2053 - (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ) بفتح القاف والزاي والعين المهملة، وقد مرَّ في آخر (( الصلاة ) ) [خ¦875] قال (حَدَّثَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزهريِّ (عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ) بن العوَّام (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا) أنَّها (قَالَتْ كَانَ عُتْبَةُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ) بضم العين المهملة وسكون المثناة الفوقية وبالموحدة، ذكره العسكريُّ في «الصحابة» ، وقال كان أصاب دمًا في قريشٍ وانتقل إلى المدينة قبل الهجرة، ومات في الإسلام. وكذا قال أبو عمر، وجزم به الذَّهبي في «معجمه» فأخطأ ولم يذكره الجمهور في الصَّحابة، وذكره ابن منده فيهم واحتجَّ بوصيَّته إلى أخيه سعد بابن وليدة زمعة.
وأنكره أبو نُعَيم وقال هو الذي شجَّ وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكسر رباعيته يوم أحد وما علمت له إسلامًا. ولم يذكره أحدٌ من المتقدِّمين في الصَّحابة. وقيل إنَّه مات
ج 10 ص 21
كافرًا.
وروى مَعمر عن عثمان الجزريِّ، عن مقسم بن عتبة لمَّا كسر رباعية رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا عليه فقال (( اللهم لا يحول عليه الحول حتَّى يموت كافرًا ) )فما حال عليه الحول حتَّى مات كافرًا، وأمُّ عتبة هند بنت وهب بن الحارث بن زهرة، وعتبة هذا أخو سعد بن أبي وقاص لأبيه، وأبو وقَّاص اسمه مالك بن أُهَيْب، ويقال وهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرَّة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي.
وسعد هو أبو إسحاق الزهريُّ، أحد العشرة المبشَّرة بالجنة يلتقي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في كلاب بن مرَّة. ويقال له فارس الإسلام. مات سنة خمس وخمسين وهو المشهور في قصره بالعقيق، وحمل على رقاب الناس إلى المدينة، ودفن بالعقيقِ، وهو آخر العشرة وفاة، وكان عمره حين مات بضعًا وسبعين سنة، وقيل ثلاثًا وثمانين، وقيل غير ذلك رضي الله عنه، وأمُّه حمنة بنت سفيان بن أبي أميَّة بن عبد شمس، وقيل بنت أبي سفيان، وقيل بنت أبي أسد.
(عَهِدَ إِلَى أَخِيهِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ) أي أوصى إليه (أَنَّ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمَعَةَ) بفتح الزاي والميم والعين المهملة، وقيل بسكون الميم، والوليدة الجارية، وجمعها ولائد، وقال الجوهريُّ الوليدة الصَّبية. وقال ابن الأثير يطلق الوليدة على الجارية والأمة وإن كانت كبيرةً، والوليد الطفل ويجمع على ولدان والأنثى وليدة، وفي الحديث (( تصدَّقت على أمِّي بوليدةٍ ) )أي جاريةٍ.
(مِنِّي فَاقْبِضْهُ) أي فاقبض ابن وليدة زمعة (فَلَمَّا كَانَ) الزمان (عَامَ الْفَتْحِ) أو فلمَّا حصل عام الفتح (أَخَذَهُ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَقَالَ) هو (ابْنُ أَخِي) أي عُتبة (قَدْ عَهِدَ إِلَيَّ فِيهِ) أي في الابن المذكور (فَقَامَ عَبْدُ بْنُ زَمَعَةَ) بالفتحات، كما مرَّ هو ابنُ قيس بن عبد شمس بن عبد ودِّ بن مضر.
وقال أبو نعيم عبد زمعة بن الأسود العامري، أخو سودة أمِّ المؤمنين رضي الله عنها، كان شريفًا سيِّدًا من سادات الصَّحابة رضي الله عنهم.
قال الذهبيُّ كذا نسبه
ج 10 ص 22
أبو نعيم فوهم إنَّما هو ابنُ زمعة بن قيس، والولد المذكور اسمه عبد الرحمن بن زمعة بن قيس، وكانت أمُّه من موالي اليمن، ولعبد الرحمن هذا عقبٌ بالمدينة وله ذكرٌ في الصحابة.
وقال الذهبيُّ في «تجريد الصحابة» عبد الرحمن بن زمعة بن قيسٍ القرشيُّ العامريُّ هو ابنُ وليدة زمعة صاحب القصَّة.
(فَقَالَ أَخِي) أي هو أخي (وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي) أي ابنُ جاريته (وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ، فَتَسَاوَقَا) أي بعد أن تنازعا وتخاصما فيه ذهبا (إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) سائقين (فَقَالَ سَعْدٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ) هو (ابْنُ أَخِي، كَانَ قَدْ عَهِدَ إِلَيَّ فِيهِ. فَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمَعَةَ) هو (أَخِي وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمَعَةَ) واختلف في معنى قوله (( هو لك ) )على قولين أحدها أنَّه أخوك قضاءً منه صلى الله عليه وسلم بعلمه لا بالاستحقاق؛ لأنَّ زمعة كان صهره صلى الله عليه وسلم فإنَّ سودة بنت زمعة كان زوجته صلى الله عليه وسلم، فيمكن أن يكون صلى الله عليه وسلم علم أنَّ زمعةَ كان يمسها.
والثَّاني أنَّه هو لك ملكًا؛ لأنَّه ابن وليدة زمعة وكلُّ أمةٍ تلد من غير سيِّدها فولدها عبدٌ، ولم يقرَّ زمعة والأصول تدفع قول ابنه فلم يبق إلا أنَّه عبدٌ تبعًا لأمِّه، قاله ابن جرير.
وقال الطَّحاويُّ معنى (( هو لك ) )أي بيدك لا ملك لك لكنَّك تمنع منه غيرك، كما قال للملتقط في اللقطة (( هي لك ) )أي بيدك تدفع عنها حتى يأتيها صاحبها لا أنَّها لك.
ولا يجوز أن يضاف إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أنَّه جعله ابنًا لزمعة، وأمر أخته أن تحتجبَ منه لكن لما كان لعبد شريك فيما ادَّعاه وهو سودة لم يجعله أخاها وأمرها أن تحتجبَ منه، انتهى.
قيل وفيه نظرٌ لأنَّ في رواية البخاريِّ في (( المغازي ) ) [خ¦4303] (( هو لك هو أخوك يا عبد بن زمعة ) )من أجل أنَّه ولد على فراشه، لكن في «مسند أحمد» و «سنن النسائي» (( ليس لك بأخٍ ) ). فإن قيل أعلَّ هذه الزيادة البيهقيُّ والمنذريُّ والمازريُّ، فالجواب أنَّ الحاكم استدركها وصحَّح إسنادها.
ج 10 ص 23
وقوله (( يا عبد بن زمعة ) )يجوز رفعه على النعت ونصبه على المحلِّ أيضًا. ويجوز في دال (عبد) الضم على الأصل والفتح اتباعًا لنون (ابن) ، وقيل الرواية فيه (( هو لك عبدٌ ) )بإسقاط حرف النداء الذي هو (يا) .
ونسب القرطبيُّ هذا القول إلى بعض الحنفيَّة فقال قد وقع لبعض الحنفيَّة (عبد) بغير (يا) ومعناه هو لك؛ لأنَّه ابن أمة أبيك فترث هذا الولد وأمِّه، ثم ردَّه القرطبيُّ بقوله والرواية بإثبات (يا) ، و (عبد) هنا اسم علمٍ منادى يريد به عبد الله هو ابن زمعة.
ولئن سلَّمنا الرواية بغير (يا) ، فالمخاطب هو عبد بن زمعة وهو بلا شكٍّ منادى إلا أنَّ العرب تحذف حرف النداء من الأسماء الأعلام كثيرًا كما في قوله تعالى {يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا} [يوسف 29] .
هذا وحاصل القصَّة أنَّهم كانت لهم في الجاهليَّة إماء يبغين، أي يزنين وكانت السَّادة تأتيهنَّ في خلال ذلك، فإذا أتت إحداهن بولدٍ فربَّما يدَّعيه السيِّد وربَّما يدَّعيه الزاني، فإن مات السيِّد ولم يكن ادَّعاه ولا أنكره فادَّعاه ورثته لحق به إلا أنَّه لا يشارك مستلحقه في ميراثه إلَّا أنَّه يستلحقه قبل القسمة.
وإن كان السيِّد أنكره لم يلحق به، وكان لزمعة بن قيس والد سودة زوج النَّبي صلى الله عليه وسلم أمةٌ على ما وصف من أنَّ عليها ضريبةً وهو يلمُّ بها، فظهر بها حملٌ كان يظن أنَّه من عتبة أخي سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، وهلك عتبة كافرًا فعهد إلى أخيه سعد قبل موته فقال استلحق الحمل الذي بأمةِ زمعة فلما استلحقه سعد خاصمه عبد بن زمعة فقال سعدٌ هو ابنُ أخي، يشير على ما كانوا عليه في الجاهلية.
وقال عبد بن زَمَعة بل هو أخي ولد على فراش أبي، يشير إلى ما استقر عليه الحكم في الإسلام فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم به لعبد بن زمعة إبطالًا لحكم الجاهلية.
(ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ) أي لصاحب الفراش، وإنَّما قال صلى الله عليه وسلم ذلك عقيبُ حكمه لعبد بن زمعة إشارةً بأنَّ حكمه لم يكن بمجرَّد الاستلحاق بل بالفراش.
وأجمع جماعةٌ من العلماء بأن الحرَّة فراشٌ بالعقد عليها مع إمكان الوطء وإمكان الحمل، فإذا كان عقد النكاح
ج 10 ص 24
يمكن معه الوطء والحمل فالولد لصاحب الفراش لا ينتفي عنه أبدًا بدعوى غيره ولا بوجهٍ من الوجوه إلا باللعان.
واختلف الفقهاء في المرأة التي يطلِّقها زوجها في حين العقد عليها بحضرة الحاكم، أو الشُّهود فتأتي بولدٍ لستَّة أشهرٍ فصاعدًا من ذلك الوقت عقيب العقد. فقال مالكٌ والشافعيُّ لا يلحق به لأنَّها ليست بفراشٍ له؛ إذ لم يتمكَّن من الوطء في القصَّة وهو كالصغير أو الصَّغيرة اللَّذين لا يمكن فيهما الولد. وقال أبو حنيفة رحمه الله وأصحابه هي فراشٌ له ويلحق به ولدها، واختلفوا في الأمة فقال مالك إذا أقرَّ بوطئها صارت فراشًا وإن لم يدَّع استبراء لحق به ولدها، وإن ادَّعى استبراء حلف وبرئ من ولدها، وقال العراقيُّون لا تكون الأمة فراشًا بالوطء إلَّا بأن يدَّعي سيِّدها ولدها، وأمَّا إن نفاه فلا يلحق به سواءٌ أقرَّ بوطئها، أو لم يقرَّ وسواءٌ استبرأ، أو لم يستبرئ.
وأمَّا حديث عبد بن زَمَعة فمحمولٌ على أنه ثبت فراشه إمَّا ببيِّنةٍ على إقراره بذلك في حياته، وإمِّا بعلمه صلى الله عليه وسلم بذلك كما مرَّ.
(وَلِلْعَاهِرِ) أي الزَّاني يقال عَهِر يَعْهَر، من باب علم، عَهَرًا وعُهُورًا، إذا أتى المرأة ليلًا للفجور بها ثمَّ غلب على الزنا مطلقًا، وقد عهرت هي؛ أي زنت. والعِهر _ بالكسر _ الزنا، ومنه الحديث (( اللهمَّ أبدله بالعهر العفَّة ) ).
(الْحَجَرُ) أي الزاني له الخيبة ولا حظَّ له في الولد، والعرب تجعل هذا مثلًا في الخيبة كما يقال له التراب إذا أرادوا له الخيبة، فالمعنى أنَّ الولد لصاحب الفراش من الزوج، أو السيِّد وللزاني الخيبة والحرمان كقولك ما لك عندي شيءٌ غير التُّراب، وما بيدك غير الحجر، وقال بعضهم كنى بالحجر عن الرَّجم وليس كذلك؛ لأنَّه ليس كلُّ زانٍ يرجم وإنَّما يرجم المحصن خاصَّةً؛ ولأنَّه لا يلزم من رجمه نفي الولد عنه، والحديث ورد في نفيه عنه. ثمَّ إنَّ قوله صلى الله عليه وسلم (( الولد للفراشِ وللعاهر الحجر ) )روي عن جماعةٍ من الصَّحابة رضي الله عنهم، فعن عائشة رضي الله عنها رواه الشَّيخان والنسائي.
وعن عثمان بن عفَّان رضي الله عنه روى عنه الطَّحاوي أنَّه قال (( أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى أنَّ الولد للفراش ) )، وأخرجه أبو داود في حديثٍ طويل، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أخرجه مسلمٌ في حديث ابن المسيِّب وأبي سلمة عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم
ج 10 ص 25
قال (( الولد للفراش وللعاهر الحجر ) )، ورواه الترمذيُّ والطَّحاوي أيضًا.
وعن أبي أمامة رضي الله عنه أخرجه ابنُ ماجه عنه مثله، وأخرجه الطحاويُّ أيضًا، وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أخرجه الشافعيُّ في «مسنده» ، وابن ماجه في «سننه» من حديث عبد الله بن أبي يزيد، عن أبيه، عن عمر (( أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالولد للفراش ) ).
وعن عَمرو بن خارجة أخرجه الترمذيُّ من حديث عبد الرحمن بن غَنْم عنه أنَّه قال (( خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى ) )الحديث، وفيه (( لا وصيَّة لوارث الولد للفراشِ وللعاهرِ الحجر ) ).
وعن عبد الله بن عَمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه قال قام رجلٌ فقال يا رسول الله! إنَّ فلانًا ابني عاهرت بأمِّه في الجاهلية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لا دعوةَ في الإسلام ذهب أمر الجاهليَّة الولد للفراش وللعاهرِ الحجر ) ).
وعن البراء وزيد بن أرقم رضي الله عنهما أخرجه الطبرانيُّ عن أبي إسحاق عنهما قالا كنَّا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم غديرِ خُمَّ، الحديث، وفي آخره (( الولد لصاحب الفراش وللعاهر الحجر ليس لوارثٍ وصيَّة ) ).
وعن عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه أخرجه النسائيُّ من حديث أبي وائل عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (( الولدُ للفراش وللعاهر الحجر ) ).
(ثُمَّ قَالَ) صلى الله عليه وسلم (لِسَوْدَةَ) بفتح السين المهملة (بِنْتِ زَمَعَةَ) بن قيس القرشية العامريَّة (زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يقال كنيتها أمُّ الأسود، وأمُّها الشموس بنت قيس تزوَّجها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موت خديجة رضي الله عنها، وكانت قبله عند السكران بن عمرو، أخي سهل بن عمرو، روت عن النَّبي صلى الله عليه وسلم وروى عنها عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، ويحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعدٍ، ويقال ابن أسعد بن زرارة الأنصاري. ماتت في خلافة عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه وعنها.
(احْتَجِبِي مِنْهُ) أي من ابن زمعة المتنازع فيه (لِمَا رَأَى) صلى الله عليه وسلم (مِنْ شَبَهِهِ) بفتح الشين المعجمة والباء الموحدة (بِعُتْبَةَ) وهذا أمر تورُّعيٍّ تنزيهيٍّ وإلَّا فهو في ظاهر الشرع أخوها، وأنَّ للرَّجل أن يمنع
ج 10 ص 26
امرأته من رؤية أخيها، كما قال الشافعيُّ، وذلك قول الأكثرين.
وقال ابن القصَّار إنَّما حجب سودة منه؛ لأنَّ للزوج أن يمنع زوجته من أخيها وغيرها من أقاربها، [وقال غيره بل وجب ذلك] [1] لغلظ أمر الحجاب في حقِّ أزواج النَّبي صلى الله عليه وسلم، ولو اتَّفق مثل ذلك لغيره لم يجب الاحتجاب كما وقع في حقِّ الأعرابي الذي قال له (( لعله نزعه عرق ) ).
وقيل كان ذلك منه صلى الله عليه وسلم لقطع الذَّريعة بعد حكمه بالظاهر فكأنَّه حَكَمَ بحكمين حكمٌ ظاهرٌ وهو أنَّ الولد للفراش، وحكمٌ باطنٌ وهو الاحتجاب من أجل الشبه؛ لأنَّه قال في رواية (( ليس بأخ لك يا سودة إلَّا في حكم الله تعالى ) )فأمرها بالاحتجاب منه، والله أعلم بالصَّواب.
(فَمَا رَآهَا حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ) ومطابقته للترجمة من حيث إنَّه صلى الله عليه وسلم حكم بأنَّه أخوها لأبيها، لكن لمَّا رأى الشبه البيِّن فيه بعتبة أمر سودة بالاحتجاب منه احتياطًا كما هو قول الأكثر على ما مرَّ آنفًا، واعترض الداوديُّ فقال ليس هذا الحديث من هذا الباب في شيء.
وأجاب ابن التِّين بأن وجهه أنَّ المشبهات ما أشبهت الحلال من وجه والحرام من وجه، وبيانه في هذه القصَّة أنَّ إلحاقه بزمعة يقتضي أن لا تحتجب منه سودة، والشبه بعتبة يقتضي أن تحتجب.
والحديثُ أخرجهُ المؤلِّف في (( الفرائض ) ) [خ¦6749] و (( الوصايا ) ) [خ¦2745] و (( المغازي ) ) [خ¦4303] و (( باب شراء المملوك ) )أيضًا [خ¦2218] ، وأخرجه مسلم قال حَدَّثنا قتيبة بن سعيد قال أخبرنا ليث، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها، أنَّها قالت (( اختصم سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة في غلام فقال سعد هذا يا رسول الله ابن أخي عتبة بن أبي وقَّاص عهد إليَّ أنَّه ابنه، انظر إلى شبهه، وقال عبد بن زَمَعة هذا أخي يا رسول الله ولد على فراش أبي من وليدته، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شبهه فرأى شبهًا بيِّنًا بعتبة، فقال هو لك يا عبد الولد للفراش وللعاهر الحجر، واحتجبي منه يا سودة بنت زمعة فلم ير سودة قط ) )، وأخرجه النسائيُّ أيضًا في (( الطلاق ) ).
وفي الحديث أن الحكم للظاهر؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم حكم بالولد للفراش ولم يلتفت إلى الشبه، وفيه أنَّ الشبه وحكم القائف إنَّما يعتمد عليه إذا لم يكن أقوى منه كالفراش، فلهذا لم يعتبر الشبه الواضح واعتبر الفراش، وكذلك الحكم في اللعان
ج 10 ص 27
لا يلتفت إلى ظاهر الشبه، وفيه أنَّ حكم الحاكم لا يحلُّ الأمر في الباطن لأمره سودة بالاحتجاب.
وقد تمسَّك الشافعيُّ بقول عبد بن زمعة (( أخي ) )على أنَّ الأخ يجوز أن يستلحق الوارث نسبًا لمورثه بشرط أن يكون حائزًا للإرث، أو يستلحقه كلَّ الورثة وبشرط أن يمكن كون المستلحَق ولدًا للمورث، وبشرط أن لا يكون معروف النَّسب من غيره، وبشرط أن يصدِّقه المستلحَق إن كان بالغًا عاقلًا.
وقال النوويُّ وهذه الشُّروط كلُّها موجودةٌ في هذا الولد الَّذي ألحقه النَّبي صلى الله عليه وسلم بزمعة حين استلحقه عبد، قال وتأوَّل أصحابنا هذا بتأويلين
أحدهما أنَّ سودة أخت عبد استلحقته معه، ووافقته في ذلك فكان كلُّ الورثة قد استلحقه.
والثاني أنَّ زمعة مات كافرًا فلم ترثه سودة لكونها مسلمةً وورثه عبد.
وهذا مذهب أبي حنيفة رحمه الله أيضًا، وقال مالك لا يستلحق إلَّا الأب خاصَّةً؛ لأنَّه لا يتنزل غيره منزلته في ذلك، وقد تمسَّك الشعبيُّ وابن أبي ذئب وبعض أهل المدينة بقوله (( الولد للفراش ) )أنَّ الرجل إذا نفى ولد امرأته لم ينتف به ولم يلاعن به.
قالوا لأنَّ الفراش يوجب حقَّ الولد في إثبات نسبه من الزوج والمرأة، فليس لهما إخراجه منه بلعانٍ ولا غيره، وقال جماهير الفقهاء من التابعين ومن بعدهم، منهم الأئمَّة الأربعة وأصحابهم إذا نفى الرجل ولد امرأته تلاعنا، وينتفي نسبه منه ويلزم أمَّه. وفيه تفصيلٌ يعرف في الفروع.
واحتجوا في ذلك بما رواه نافعٌ عن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فرق بين المتلاعنين وألزم الولد أمَّه. وهذا أخرجهُ الجماعة [خ¦4748] على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى.
[1] ما بين معقوفين زيادة من الفتح.