2121 - (حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) قال (حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ) هو ابنُ معاوية (عَنْ حُمَيْدٍ) الطَّويل (عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ دَعَا رَجُلٌ بِالْبَقِيعِ) البقيع في الأصل من الأرض المكان المتَّسع، ولا يسمَّى بقيعًا إلَّا وفيه شجر أو أصولها. وبقيع الغرقد موضعٌ بظاهر المدينة فيه قبور أهلها كان به شجر الغرقد، فذهب وبقي اسمه.
(يَا أَبَا الْقَاسِمِ، فَالْتَفَتَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَمْ أَعْنِكَ) من العناية؛ أي لم أقصدك (قَالَ) وفي نسخة بالفاء أي صلى الله عليه وسلم (سَمُّوا بِاسْمِي، وَلاَ تَكْتَنُوا) من الاكتناء (بِكُنْيَتِي) وقال ابن التِّين ليس هذا الحديث ممَّا يدخل في الباب؛ لأنَّه ليس فيه ذكر السوق.
وقال الكرمانيُّ فإن قلت ما وجه تعلُّقه بالترجمة؟ قلت كان بالبقيع سوق في ذلك الوقت، انتهى.
وقال
ج 10 ص 176
الحافظ العسقلانيُّ وفائدة إيراد الطرق الثانية قوله فيها إنَّه كان بالبقيع فأشار إلى أنَّ المراد بالسوق في الرواية الأولى السوق الذي كان بالبقيع، انتهى.
وقال العينيُّ هذا يحتاج إلى دليلٍ يدلُّ على أنَّه بالبقيع سوق، بل فائدة إيراد هذا الطريق وإن لم يكن فيه ذكر السُّوق التنبيه على أنَّه رواه من طريقين، فالمطابقة للترجمة في الطَّريق الأولى ظاهرة. وأمَّا الطَّريق الثانية ففي الحقيقة تبع للطريق الأولى فيدخل في حكمه، والله أعلم، انتهى.
أقول ولا يخفى ما هذا الكلام من الضعف، وفي التكنِّي بأبي القاسم والتسمِّي بمحمد أحاديث عن جماعة من الصَّحابة رضي الله عنهم، منها حديث عليٍّ رضي الله عنه أخرجه أبو داود بسنده عن محمَّد بن الحنفيَّة، قال قال عليٌّ رضي الله عنه، قلت يا رسول الله! إنْ وُلد لي ولد بعدك أسمِّيه باسمك، وأكنِّيه بكنيتك؟ قال نعم.
وأخرجه الترمذيُّ نحوه، وقال حديثٌ صحيحٌ، وأخرجه الطَّحاويُّ أيضًا بسنده عن محمد بن الحنفيَّة، عن علي رضي الله عنه، قال قلت يا رسول الله! إن ولد لي ابن أسمِّيه باسمك وأكنِّيه بكنيتك؟ قال (( نعم ) )، قال وكانت رخصة من رسول الله صلى الله عليه وسلم لعليٍّ رضي الله عنه، ثمَّ قال الطحاويُّ فذهب قومٌ إلى أنَّه لا بأس بأن يكتنى الرجل بأبي القاسم، وأن يتسمَّى مع ذلك بمحمَّد. واحتجُّوا في ذلك بهذا الحديث، انتهى.
وأراد بالقوم هؤلاء محمد بن الحنفية ومالكًا وأحمد في رواية فإنَّهم قالوا لا بأس للرجل أن يجمع بين التكنِّي بأبي القاسم والتَّسمي بمحمد، وهو مذهب الجمهور، وأجيب عن حديث الباب بأجوبة
الأوَّل أنَّه منسوخٌ. والثَّاني أنَّه نهي تنزيهٍ. والثالث أنَّ النَّهي عن التكنِّي بأبي القاسم يختصُّ بمن اسمه محمد، أو أحمد ولا بأس بها لمن لم يكن اسمه ذاك.
وقال الطَّحاويُّ وكان في زمن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعةٌ قد كانوا مسمَّيْن بمحمَّدٍ مكتنين بأبي القاسم، منهم محمد بن طلحة، ومحمد بن الأشعث، ومحمد بن أبي حذيفة، انتهى.
أمَّا محمد بن طلحة فهو محمد بن طلحة بن عبيد الله، وذكره ابن الأثير في الصحابة، وقال حمله أبوه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح رأسه وسمَّاه محمَّدًا، وكان يكنى أبا القاسم. وكان محمد هذا يلقَّب بالسجَّاد
ج 10 ص 177
لكثرة صلاته وشدَّة اجتهاده في العبادة. قتل يوم الجمل مع أبيه سنة ست وثلاثين. وكان هواه مع عليٍّ رضي الله عنه إلا أنَّه أطاع أباه. فلمَّا رآه عليٌّ، قال هذا السجَّاد قتله برُّ أبيه.
وأمَّا محمد بن الأشعث فهو محمد بن الأشعث بن قيس الكندي. قيل إنَّه ولد على عهد النَّبي صلى الله عليه وسلم، وقال أبو نعيم لا تصحُّ له صحبة، وروى عن عائشة رضي الله عنها.
وأمَّا محمد بن أبي حذيفة فهو محمد بن أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي العبشمي، كنيته أبو القاسم، ولد بأرض الحبشة على عهد النَّبي صلى الله عليه وسلم، وهو ابن خال معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، ولَمَّا قتل أبوه أبو حذيفة أخذه عثمان بن عفَّان رضي الله عنه وكفله إلى أن كبر ثمَّ سار إلى مصر فصار من أشدِّ الناس على عثمان رضي الله عنه، وقال أبو نعيم هو أحد من دخل على عثمان حين حوصر فقتل. ولما استولى معاوية على مصر أخذه وحبسه فهرب من السِّجن فظفر به رشدين مولى معاوية فقتله.
هذا، ومن جملة من تسمَّى بمحمَّدٍ وتكنَّى بأبي القاسم بين أبناء وجوه الصَّحابة رضي الله عنهم محمد بن جعفر بن أبي طالب، ومحمد بن سعد بن أبي وقاص، ومحمد بن حاطب، ومحمد بن المنتشر، ذكرهم البيهقيُّ في «سننه» في باب من رخَّص في الجمع بين التسمِّي بمحمد والتكنِّي بأبي القاسم.
وقال محمد بن سيرين وإبراهيم النخعيُّ والشافعيُّ لا ينبغي لأحدٍ أن يتكنَّى بأبي القاسم كان اسمه محمدًا أو لم يكن، وفي «التوضيح» لابن الملقِّن ومذهب الشافعيِّ وأهل الظاهر أنَّه لا يحل التكنِّي بأبي القاسم لأحدٍ أصلًا سواءٌ كان اسمه محمدًا، أو أحمد، أو لم يكن لظاهر الحديث؛ أي حديث الباب وهو حديث أنس المذكور.
وقال أحمد وطائفةٌ من الظاهريَّة لا ينبغي لأحدٍ اسمه محمد أن يتكنَّى بأبي القاسم ولا بأس لمن لم يكن اسمه محمدًا أن يتكنَّى بأبي القاسم، واحتجوا في ذلك بما رواه الطحاويُّ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم
ج 10 ص 178
قال (( تسمُّوا باسمي، ولا تكتنوا بكنيتي ) )، ورواه البخاريُّ ومسلم وأبو داود وابن ماجه بأسانيد مختلفة وألفاظ متغايرة.
وروى الطَّحاويُّ أيضًا من حديث جابر رضي الله عنه نحوه، وأخرجه ابن ماجه أيضًا، وروى محمد بن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه يرفعه (( لا تجمعوا بين اسمي وكنيتي، أنا أبو القاسم الله يعطي وأنا أقسم ) )، وروى مسلم بن عبد الرحمن عن أبي زُرعة عنه (( من تسمَّى باسمي فلا يكتني بكنيتي، ومن تكنَّى بكنيتي فلا يتسمَّ باسمي ) )، وروى ابن أبي ليلى من حديث أمِّ حفصة بنت عبيد عن عمر نا البراء بن عازب رضي الله عنه (( من تسمَّى باسمي فلا يكتني بكنيتي ) )، وفي لفظٍ (( لا تجمعوا بين كنيتي واسمي ) ).