فهرس الكتاب

الصفحة 3322 من 11127

2122 - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) المعروف بابن المديني، قال (حَدَّثَنَا سُفْيَانُ) هو ابنُ عيينة، (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ) بالتصغير، وفي رواية مسلم عن أحمد بن حنبل، عن سفيان حدثني عبيد الله (ابْنِ أَبِي يَزِيدَ) من الزيادة. وقد مرَّ في باب (( وضع الماء عند الخلاء ) ) [خ¦143] ، (عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ) هو المذكور في الحديث الأوَّل. وليس له عن أبي هريرة في البخاري سوى هذا الحديث.

(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ الدَّوْسِيِّ) بفتح الدال المهملة وسكون الواو وبالسين المهملة، نسبةً إلى دوس بن عدنان بن عبد الله، قبيلة في الأزد. وهو أبو هريرة المشهور، وليس في الصَّحابة أبو هريرة إلَّا شخصٌ واحد (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي طَائِفَةِ النَّهَارِ) أي في قطعةٍ منه، قال الكرمانيُّ وفي بعضها (( في صائفة النهار ) )بالصاد المهملة، بدل (( طائفة ) )أي حرَّ النهار، يقال يوم صائفٌ؛ أي حارٌّ. وقال العينيُّ هذا هو الأوجه.

(لاَ يُكَلِّمُنِي وَلاَ أُكَلِّمُهُ) أمَّا من جانب النَّبي صلى الله عليه وسلم فلعلَّه كان مشغول الفكر بوحيٍ، أو غيره وأمَّا من جانب أبي هريرة رضي الله عنه فللتوقير، وكان ذلك شأن الصَّحابة رضي الله عنهم إذا لم يروا منه نشاطًا.

(حَتَّى أَتَى سُوقَ بَنِي قَيْنُقَاعَ فَجَلَسَ بِفِنَاءِ بَيْتِ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) الفِنَاء _ بكسر الفاء بعدها نون ممدودة _ اسمٌ للموضع المتَّسع الذي أمام البيت، هكذا في نسخ البخاري.

وقال الداوديُّ سقط بعض الحديث عن الناقل أو أدخل حديثًا في حديث؛ لأنَّ بيت

ج 10 ص 179

فاطمة رضي الله عنها ليس في سوق بني قينقاع، وإنَّما بيتها بين بيوت النَّبي صلى الله عليه وسلم انتهى. وما ذكره أوَّلًا احتمالًا هو الواقع ولم يدخل الراوي حديثًا في حديث، وقد بيَّنه مسلم عن ابن أبي عمر عن سفيان ولفظه (( حتَّى جاء سوق بني قينقاع، ثمَّ انصرف حتَّى أتى فناء فاطمة رضي الله عنها ) ). وكذلك أخرجه الإسماعيليُّ من طرق عن سفيان، وأخرجهُ الحميديُّ في «مسنده» عن سفيان، فقال فيه (( حتَّى أتى فناء عائشة رضي الله عنها فجلس فيه ) )، والأوَّل أرجح.

(فَقَالَ) أي النَّبي صلى الله عليه وسلم (أَثَمَّ لُكَعُ، أَثَمَّ لُكَعُ؟) بهمزة استفهام بعدها مثلثة مفتوحة، وهو اسمٌ يشار به إلى المكان البعيد، وهو ظرفٌ لا يتصرَّف، فلذلك غلَّط من أعربه مفعولًا لرأيت في قوله تعالى {وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ} [الإنسان 20] ولُكَع بضم اللام وفتح الكاف وبالعين المهملة. قال الخطابيُّ اللُّكَع على معنيين، أحدهما الصَّغير، والآخر اللَّئيم، والمراد هنا الأوَّل، وأمَّا الذي يراد به المعنى الثاني فهو ما ورد في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أيضًا (( أسعد النَّاس بالدُّنيا لكع بن لكع ) )، وقال ابن التِّين وزاد ابن فارس إنَّ العبد أيضًا يقال له لُكَع، انتهى.

ولعلَّ من أطلقه على العبد أراد أحد الأمرين المذكورين، وقال بلال بن جرير التميميُّ اللكع في لغتنا الصَّغير وأصله في الهرِّ ونحوه، وقال الأصمعيُّ اللكع العييُّ الذي لا يهتدي لمنطقٍ ولا غيره، مأخوذٌ من الملاكيع وهو الذي يخرج مع السلا من البطن، وقال الأزهريُّ القول قول الأصمعيِّ، ألا يرى أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم قال للحسن وهو صغير (( ابن لكع ) )أراد أنَّه لصغره لا يهتدي لمنطقٍ ولا يصلحه ولم يرد أنَّه لئيمٌ ولا عبد.

وفي «التلويح» الأشبه الأجود أن يحملَ الحديث على ما قاله بلال بن جرير الخَطَفي، وسئل عن اللُّكع، فقال في لغتنا هو الصَّغير، وقال الهرويُّ وإلى هذا ذهب الحسن، قال إذا قال الإنسان يا لُكَع، يريد يا صغير، ويقال للمرأة لُكَيعة ولُكَعاء ولُكَاع ومُلْكَعانة،

ج 10 ص 180

ذكره في «الموعب» . وقال سيبويه لا يقال مَلْكَعانة إلا في النِّداء، وعن أبي زيد اللُّكَع الغلوُّ والأنثى لكعة. وفي «المحكم» اللُّكع المهر، وفي «الجامع» أصل اللُّكع الكلع ولكن قُلِبَ.

قال الكرمانيُّ فإن قلت هو بدون التنوين فما وجهه؛ إذ ليس هو لُكَع الذي هو معدول؛ لأنَّ ذلك فيما مؤنثه لكاع، قلت شُبِّهَ بالمعدولِ فأُعْطِيَ له حكمُهُ أو أنَّه منادىً مفردٌ معرفةٌ، وتقديره أثمَّة أنت يالكع.

(فَحَبَسَتْهُ شَيْئًا) من الزمان؛ أي فحبست فاطمة رضي الله عنها الحسن؛ أي منعته من المبادرةِ إلى الخروج إليه قليلًا فمراده صلى الله عليه وسلم منه هو الحسن رضي الله عنه، وقيل الحسين رضي الله عنه.

(فَظَنَنْتُ أَنَّهَا تُلْبِسُهُ سِخَابًا) أي قال أبو هريرة رضي الله عنه فظننت أنَّ فاطمة رضي الله عنها تلبسه، من الإلباس سِخَابًا _ بكسر السين المهملة وبالخاء المعجمة الخفيفة وبعد الألف باء موحدة _ قال الخطابيُّ هي قلادةٌ تتَّخذُ من طيب ليس فيها ذهبٌ ولا فضَّة. وقال الداوديُّ من قرنفل، وقال الهرويُّ هو خيطٌ من خرزٍ يلبسه الصِّبيان والجواري. وروى الإسماعيليُّ عن ابن أبي عمر أحد رواة هذا الحديث قال السَّخَاب شيءٌ يعمل من الحنظل كالقميص والوشاح.

(أَوْ تُغَسِّلُهُ) بالتشديد، وفي رواية الحميديِّ (( وتغسِّله ) )بالواو (فَجَاءَ) أي الحسن رضي الله عنه (يَشْتَدُّ) أي يسرع في المشي. وفي رواية عمر بن موسى عند الإسماعيليِّ (( فجاء الحسن أو الحسين ) ). وقد أخرجهُ مسلم عن ابن أبي عمر، فقال في روايته (( أثَمَّ لكع ) )يعني حسنًا. وكذا قال الحميديُّ في «مسنده» .

وسيأتي في (( اللِّباس ) ) [خ¦5884] من طريق ورقاء عن عُبيد الله بن أبي يزيد بلفظ فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم (( أين لُكَع؟ ادع الحسن بن علي ) )فقام الحسنُ بن عليٍّ رضي الله عنهما يمشي.

(حَتَّى عَانَقَهُ وَقَبَّلَهُ) وفي رواية ورقاء عن عبيد الله بن أبي يزيد بلفظ (( فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم بيده هكذا ) )أي مدَّها. فقال الحسن بيده هكذا فالتزمه (فَقَالَ) النَّبي صلى الله عليه وسلم (اللَّهُمَّ أَحِبَّه) بلفظ الدعاء والإدغام. وفي رواية الكشميهنيِّ بفكِّ الإدغام. وزاد مسلم عن ابن أبي عمر، فقال (( اللهمَّ إنِّي أحبُّه فأحبَّه ) ).

(وَأَحِبَّ) أمر أيضًا (مَنْ يُحِبُّهُ) في محلِّ النصب على أنه مفعول أحبَّ. وفي الحديث بيان ما كان عليه الصَّحابة رضي الله عنهم من توقير النَّبي صلى الله عليه وسلم

ج 10 ص 181

والمشي معه. وفيه ما كان النَّبي صلى الله عليه وسلم عليه من التواضع من الدُّخول في السوق والجلوس بفناء الدَّار ورحمة الصَّغير والمزاح معه، وقال السهيليُّ وكان صلى الله عليه وسلم يمزح ولا يقول إلَّا حقًّا، وهنا أراد تشبيهه بالفلوِّ والمهر؛ لأنَّه طفلٌ وإذا قصد بالكلام التشبيه لم يكن إلا صدقًا.

وفيه أيضًا جواز المعانقة، وفيها خلاف، فقال محمد بن سيرين وعبد الله بن عون وأبو حنيفة ومحمد المعانقة مكروهة، واحتجوا في ذلك بما رواه الترمذي بسنده عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال قال رجل يا رسول الله! الرجل منَّا يلقى أخاه أو صديقه أفينحني له؟ قال (( لا ) )قال أفيلتزمه ويقبِّله؟ قال (( لا ) )قال أفيأخذه بيده ويصافحه؟ قال (( نعم ) ). قال الترمذيُّ هذا حديثٌ حسن، وقال الشِّعْبِيُّ وأبو مِجْلَز _لاحق بن حميد_ وعمرو بن ميمون، والأسود بن هلال، وأبو يوسف لا بأس بالمعانقة، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، واحتجُّوا في ذلك بما رواه الطحاويُّ بسنده عن عبد الله بن جعفر، عن أبيه، قال لَمَّا قدمنا على النَّبي صلى الله عليه وسلم من عند النجاشي تلقَّاني فاعتنقني. ورجاله ثقاتٌ.

وروى الطحاويُّ عن جماعةٍ من الصَّحابة رضي الله عنهم أنَّهم كانوا يتعانقون، قال فدلَّ ذلك على أنَّ ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من إباحة المعانقة كان متأخِّرًا عمَّا روي عنه من النَّهي عن ذلك.

وفي «التلويح» معانقته صلى الله عليه وسلم للحسن إباحة لذلك، وأمَّا معانقته الرجل للرجل فاستحبَّها سفيان، وكرهها مالك، قال هي بدعة، وتناظرَ مالك وسفيان في ذلك فاحتجَّ سفيان بأنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك بجعفر، قال مالك هو خاصٌّ له، فقال ما يخصُّه بغير ذلك؟ فسكت مالك.

وقال صاحب «الهداية» الخلاف في المعانقة في إزارٍ واحد، وأمَّا إذا كان على المعانق قميص، أو جبَّة لا بأس باتفاق أصحابنا وهو الصَّحيح، وفيه أيضًا جواز التَّقبيل.

قال الفقيه أبو الليث في «شرح الجامع الصغير»

ج 10 ص 182

القُبْلة على خمسة أوجه قبلة تحيَّة، وقبلة شَفَقة، وقبلة رحمة، وقبلة شهوة، وقبلة مودَّة، فأمَّا قبلة التحيَّة فكالمؤمنين يقبِّل بعضهم بعضًا على اليد، وقبلة الشَّفقة قبلة الولد لوالده أو لوالدته، وقبلة الرَّحمة قبلة الوالد لولده، والوالدة لولدها على الخدِّ، وقبلة الشهوة قبلة الزوج لزوجته على الفم، وقبلة المودَّة قبلة الأخ والأخت على خدِّه.

وزاد بعضهم من أصحابنا قبلة ديانة وهي القبلة على الحجر الأسود، وقد وردت أحاديث وآثار كثيرة في جواز التَّقبيل، ولكن كلُّ ذلك إذا كان على وجه المبرَّة والإكرام. وأمَّا إذا كان على وجه الشهوة فلا يجوز إلَّا في حقِّ الزَّوجين، وأمَّا المصافحة فلا بأس بها بلا خلاف؛ لأنَّها سنَّةٌ قديمة.

وروى الطبرانيُّ في «الأوسط» من حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، قال (( إنَّ المؤمن إذا لقي المؤمن فسلَّم عليه وأخذه بيده فصافحه تناثرت خطاياهما كما يتناثرُ ورق الشَّجر ) ).

ثمَّ مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة، والحديثُ أخرجه المؤلف في (( اللباس ) )أيضًا [خ¦5884] ، وأخرجه مسلمٌ في (( الفضائل ) )، والنسائيُّ في (( المناقب ) )، وابن ماجه في (( السنة ) ).

(قَالَ سُفْيَانُ) هو ابنُ عيينة، كما مر (قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ) هو ابنُ أبي يزيد المذكور في إسناد الحديث المذكور (أَخْبَرَنِي) هو بيان لقوله (( قال عبيد الله ) )أو بدل منه. وفي بعض النسخ (( أخبرت ) )بلفظ المجهول بدون قوله (( قال عبيد الله أخبرني ) ) (أَنَّهُ) أي عبيد الله (رَأَى نَافِعَ بْنَ جُبَيْرٍ أَوْتَرَ بِرَكْعَةٍ) وأراد البخاريُّ بهذه الزِّيادة التَّنبيه على لقي عبيد الله لنافع بن جبير فلا تضر العنعنة في الطَّريق الموصول؛ لأنَّ من ثبت لقاؤه لمن حدَّث عنه ولم يكن مدلِّسًا حملت عنعنتُه على السَّماع اتِّفاقًا، وإنما الخلاف في المدلِّس أو فيمن لم يثبت لقيه لمن روى عنه.

وأبعد الكرمانيُّ، فقال إنما ذكر الوتر هنا؛ لأنَّه لَمَّا روى الحديث الموصول عن نافع بن جبير انتهز الفرصة لبيان ما ثبت في الوتر ممَّا اختلف في جوازه، انتهى.

ووجه بُعدِه لا يخفى فالوجه ما ذكر أوَّلًا، والله أعلم.

ج 10 ص 183

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت