2541 - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيْق) بفتح الشين المعجمة وكسر القاف، المروزيُّ مات سنة خمس عشرة ومائتين، قال (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ) هو ابنُ المبارك المروزيُّ، قال (أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ) بفتح العين المهملة، هو عبد الله بن عونٍ، وقد مرَّ في «العلم» [خ¦67] (قَالَ كَتَبْتُ إِلَى نَافِعٍ) أي في أمر بني المصطلق (فَكَتَبَ إِلَيَّ) قد ذكر في باب «إذا اختلف الرَّاهن والمرتهن» [خ¦2514] أنَّ الكتابة حكمها حكم الاتصال لا الانقطاع (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَغَارَ) بالغين المعجمة، يقال أغار على عدوِّه، إذا هجم عليه ونهبه، ومصدره الإغارة، والغارة اسمٌ من الإغارة، ومادته غين وواو وراء.
(عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ) بضم الميم وسكون الصاد وفتح الطاء المهملة وكسر اللام وبالقاف، بطنٌ شهير من خزاعة، والمصطلق هو ابن سعد بن عَمرو بن ربيعة بن حارثة بن عَمرو بن عامر.
ويقال إنَّ المصطلق لقبٌ، واسمه جَذِيمة _ بفتح الجيم وكسر الذال المعجمة _ بن سعد بن عمرو، وعَمرو هذا هو ابن خزاعة.
وقال ابن دريد سُمِّي المصطلق لحسن صوته، مفتعل من الصَّلْق
ج 11 ص 564
وهو شدَّة الصَّوت وحدَّته، كما في قوله تعالى {سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ} [الأحزاب 19] والسين لغة فيه، وقيل أبدلت الصاد من السين لأجل الطَّاء، وفيه نظرٌ لا يخفى، ويقال صلق بنو فلان بني فلان، إذا وقعوا بهم وقتلوهم قتلًا ذريعًا.
(وَهُمْ غَارُّونَ) بالغين المعجمة وتشديد الراء، جمع غار؛ أي غافل، أي حال كونهم على غمَّة وغفلة (وَأَنْعَامُهُمْ) بفتح الهمزة، جمع نعَم، قال الجوهريُّ النَّعَم واحد الأنعام، وهي المال الرَّاعية، وأكثر ما يقعُ هذا الاسم على الإبلِ.
قال الفرَّاء هو مذكَّر لا يؤنَّث، يقولون هذا نعمٌ واردٌ، ويجمعُ على نعمان، والأنعام يُذكَّر ويؤنَّث، قال الله تعالى في موضع {مِمَّا فِي بُطُونِهِ} [النحل 66] وفي آخر {مِمَّا فِي بُطُونِهَا} [المؤمنون 21] وجمع الجمع أناعيم.
(تُسْقَى عَلَى الْمَاءِ) على صيغة البناء للمفعول (فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ) أي الطَّائفة البالغين الذين هم على صددِ القتال (وَسَبَى ذَرَارِيَّهُمْ) بتشديد الياء وتخفيفها، جمع ذريَّة، وهذه الغزوة كانت في سنة ستٍّ.
(وَأَصَابَ يَوْمَئِذٍ) أي يوم الإغارةِ على بني المصطلق (جُوَيْرِيَةَ) مصغَّر جارية في الأصل، وهي بنت الحارث بن أبي ضِرَار _ بكسر المعجمة وتخفيف الراء _ ابن الحارث بن مالك بن المصطلق، وكان أبوها سيِّد قومه، وقد أسلم بعد ذلك.
ومن حديثها ما رُوِي عن عائشة رضي الله عنها قالت لمَّا قسم النَّبي صلى الله عليه وسلم سبايا بني المصطلق وقعتْ جويرية بنت الحارث في السَّهم لثابتِ بن قيس بن الشَّمَّاس أو لابن عمٍّ له، فكاتَبَتْهُ على نفسها، وكانت امرأةً حلوة ملاحة لا يراها أحدٌ إلَّا أخذت بنفسه، فأتتْ رسول الله صلى الله عليه وسلم تستعينُه في كتابتها، قالت فوالله ما هو إلَّا أن رأيتُها على باب حُجْرتي فكرهتُها، وعرفت أنَّه سيرى منها ما رأيتُ، فدخلتْ عليه، فقالت يا رسول الله! أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيِّد قومه، وقد أصابتْني من البلايا ما لم يخفَ عليك، فوقعت في السَّهم لثابت بن قيس بن شمَّاس، أو لابن عم له، فكاتبته فجئتك أستعينُك على كتابتي، قال فهل لكِ في خير من ذلك، قالت وما هو يا رسول الله؟ قال أقضي
ج 11 ص 565
كتابتك وأتزوَّجك قالت نعم يا رسول الله، قد فعلتُ، قالت وخرج الخبر إلى النَّاس أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تزوَّج جويرية بنت الحارث، فقال النَّاس أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسلوا ما بأيديهم، قالت فلقد أعتقَ بتزويجها مائة أهل بيت من بني المصطلق، فما أعلمُ امرأة كانت أكثر بركةً على قومها منها.
وروى موسى بن عقبة عن بعضِ بني المصطلق أنَّ أباها طلبها وافتداها، ثمَّ خطبها منه رسول الله صلى الله عليه وسلم فزوَّجه إيَّاها.
وقال الواقديُّ ويُقال إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل صداقها عتقَ كلِّ أسيرٍ من بني المصطلق، ويُقال جعلَ صَداقها عتق أربعين من بني المصطلق، وكانت جويرية تحت مسافع بن صفوان المصطلقي، وقيل صفوان بن مالك، وكان اسمها بَرَّة، فغيَّرها النَّبي صلى الله عليه وسلم فسمَّاها جويرية، وماتت في ربيع الأول سنة ستٍّ وخمسين ولها خمس وستون سنةً، وأمَّا غزوة بني المصطلق، فقال البخاريُّ وهي غزوة المريسيع.
وقال إسحاق وذلك سنة ستٍّ، وقال عقبة بن موسى سنة أربع، انتهى.
وقال الصَّاغاني غزوة المريسيع من غزوات رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في سنة خمسٍ من المهاجرة، قالوا إنَّ بني المصطلق من خزاعة يريدون محاربة رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وكانوا ينزلون على بئرٍ لهم يُقال لها المريسيع بينها وبين الفرع مسيرة يومٍ.
وقال الواقديُّ كانت غزوة بني المصطلق لليلتين من شعبان سنة خمسٍ في سبعمائة من أصحابه، وقال ابنُ هشام استعمل على المدينة أبا ذرٍّ الغفاري رضي الله عنه، ويقال نُميلة بن عبد الله اللَّيثي، وذكر ابن سعدٍ نَدْبَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم النَّاس إليهم فأسرعوا الخروج، وقال الخيل ثلاثون، في المهاجرين عشرة، وفي الأنصار عشرون، واستخلفَ على المدينة زيد بن حارثة، ويُقال كان أبو بكرٍ رضي الله عنه حامل رايةِ المهاجرين، وسعد بن عبادة حامل راية الأنصار، فقتلوا منهم عشرة
ج 11 ص 566
وأسروا سائرهم.
وقال ابنُ إسحاق بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّ بني المصطلق يَجْمعون له، وقائدهم الحارثُ بن أبي ضرار أبو جويرية بنت الحارث التي تزوَّجها النَّبي صلى الله عليه وسلم، فلمَّا سمع بهم خرج إليهم حتَّى لقيَهم على ماءٍ من مياههم يُقال له المريسيع، من ناحية قديد إلى السَّاحل، فترامى النَّاس واقتتلوا ساعةً بالنَّبل.
ثمَّ أمر أصحابه فحملوا حملةَ رجلٍ واحدٍ فما انفلتَ منهم اثنان، فهزم الله بني المصطلق وقُتِل منهم من قتل، ونفل رسول الله صلى الله عليه وسلم أبناءهم ونساءهم وأبناءهم فأفاءهم عليه.
وقال ابن سعدٍ وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأسارى فكُتِّفوا واستعمل عليهم بُريدة بن الحُصيب رضي الله عنه وأمر بالغنائم فجُمعت، واستعمل عليها شقوان مولاه، وجمع الذرّيَّة ناحية، واستعمل على سهم الخمس وسهمان المسلمين مَحْمِية بنَ جزء الزُّبيدي، وكانت الإبل ألفي بعيرٍ، والشِّياه خمسة آلافٍ، وكان السَّبي مائتي بيت، وغاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانية وعشرين يومًا وقدم المدينة لهلال رمضان.
وقال ابنُ إسحاق وأصيب من بني المصطلق ناس وقتل عليٌّ رضي الله عنه منهم رجلين مالكًا وابنه، وكان شعارُ المسلمين يومئذٍ يا منصور أَمِتْ أَمِتْ.
(حَدَّثَنِي بِهِ) هذا من جملة ما كتب به نافعٌ إلى ابن عون (عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، وَكَانَ فِي ذَلِكَ الْجَيْشِ) ومطابقة الحديث للتَّرجمة تُؤخذ من قوله (( وسبى ذراريَّهم ) )، وفي التَّرجمة «وسبي الذريَّة» ، والحديث أخرجه مسلم في «المغازي» ، وأبو داود في «الجهاد» ، والنَّسائي في «السير» .