2542 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) قال (أَخْبَرَنَا مَالِكٌ) الإمام (عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بفتح الراء، وهو المشهور بربيعة الرَّأي شيخ مالكٍ (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ) بفتح الحاء المهملة وتشديد الباء الموحدة وبالنون، وقد مرَّ في «الوضوء» [خ¦145] .
(عَنِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ) بضم الميم وفتح الحاء المهملة وسكون المثناة التحتية وكسر الراء وسكون التحتية أيضًا وفي آخره زاي، هو عبد الله بن مُحيريز، وقد مرَّ في آخر «البيع» مع الحديث [خ¦2229] .
(رَأَيْتُ أَبَا سَعِيدٍ) أي الخدريَّ رضي الله عنه
ج 11 ص 567
(فَسَأَلْتُهُ) أي عن العزل (فَقَالَ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ فَأَصَبْنَا سَبْيًا مِنْ سَبْيِ الْعَرَبِ، فَاشْتَهَيْنَا النِّسَاءَ فَاشْتَدَّتْ عَلَيْنَا الْعُزْبَةُ، وَأَحْبَبْنَا الْعَزْلَ) وهو نزعُ الذَّكر من الفرجِ عند الإنزال (فَسَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ مَا عَلَيْكُمْ أَنْ لاَ تَفْعَلُوا) يعني لا بأس عليكم إذا تركتُم العزل.
(مَا مِنْ نَسَمَةٍ) بفتح النون والسين؛ أي ما من نفسٍ (كَائِنَةٍ) في علم الله (إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلاَّ وَهْيَ كَائِنَةٌ) في الخارج لا بدَّ من مجيئها من العدم إلى الوجودِ؛ أي ما قدَّر الله أن يكونَ يكونُ البتَّة، والحديث قد مضى في «كتاب البيوع» ، في باب «بيع الرقيق» [خ¦2229] .
وفيه دليلٌ على أنَّ الصَّحابة أطبقوا على وطئ ما وقع في سهمانهم من السَّبي، وهذا لا يكون إلَّا بعد الاستبراء بإجماعٍ من العلماء، وهذا يدلُّ على أنَّ السَّبي يقطع العصمة بين الزَّوجين الكافرين.
واختلف السَّلف في حكم وطئ الوثنيَّات والمجوسيَّات إذا سُبين، فأجازه سعيد بن المسيَّب وعطاء وطاوس ومجاهد، وهذا قول شاذٌّ لم يلتفت إليه أحدٌ من العلماء، واتَّفق أئمَّة الفتوى على أنَّه لا يجوز وطئ الوثنيَّات بقوله تعالى {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ} [البقرة 221] وإنَّما أباح الله تعالى وطئَ نساء أهل الكتاب خاصَّة بقوله {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [المائدة 5] .
وإنَّما أطبق الصَّحابة على وطئِ سبايا العربِ بعد إسلامهنَّ؛ لأنَّ سبي هوازن كان سنة ثمان، وسبي بني المصطلقِ سنة ستٍّ، وسورة البقرة من أوَّل ما نزل بالمدينة، فقد علموا قوله تعالى {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ} [البقرة 221] ، وتقرَّر عندهم أنَّه لا يجوزُ وطئ الوثنيَّات البتَّة حتَّى يسلمن.
وروى عبد الرَّزاق ثنا جعفر بن سليمان ثنا يونس بن عبيد أنَّه سمع الحسن يقول كنَّا نغزو مع أصحاب النَّبي صلى الله عليه وسلم فإذا أصاب أحدهم جاريةً من الفيءِ فأراد أن يُصيبها أمرها فاغتسلت، ثمَّ علَّمها الإسلام وأمرها بالصَّلاة، واستبرأها بحيضة، ثمَّ أصابها.
وعموم
ج 11 ص 568
قوله تعالى {وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ} [البقرة 221] يقتضي تحريم وطئ المجوسيَّات بالتَّزويج وبملك اليمين، وعلى هذا أئمَّة الفتوى وعامَّة العلماء.
وقال الطَّحاوي وفيه دليلٌ على أنَّ العزل غير مكروهٍ؛ لأنَّه صلى الله عليه وسلم لمَّا أخبروه لم ينههم عنه، وقال إنَّ الله تعالى إذا قدَّر كون الولد لم يمنعه عزلٌ، وأوصل الله تعالى من الماء إلى الرَّحم شيئًا يكون منه الولد وإن قلَّ.
وقد اختلف فيه قديمًا، وإباحته أظهر في الحديث، وعند الشَّافعي أنَّه يجوز سواءٌ كانت حرَّة أو أمة مع الإذن وبدونه، وروى مالكٌ عن سعد بن أبي وقَّاص وأبي أيُّوب الأنصاري وزيد بن ثابت وابن عبَّاس رضي الله عنهم أنَّهم كانوا يعزلون.
ورُوِي ذلك أيضًا عن ابن مسعود وجابر رضي الله عنهما، وذكر مالكٌ أيضًا عن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّه كره العزل. وقيل رُوِي عن عليٍّ رضي الله عنه القولان جميعًا، واحتجَّ من كره العزل بأنَّه الوأدُ الخفي كما رُوِي عن عائشة رضي الله عنها، واتَّفق أئمَّة الفتوى على جواز العزل عن الحرَّة إذا أذنت فيه لزوجها.
واختلفوا في الأمة المزوَّجة فقال مالك وأبو حنيفة الأذن في ذلك لمولاها، وقال أبو يوسف الإذن إليها، وقال الشَّافعي يعزلُ عنها بدون إذنها وبدون إذن مولاها، والله أعلم.