فهرس الكتاب

الصفحة 4136 من 11127

2645 - (حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) الفراهيدي، قال (حَدَّثَنَا هَمَّامٌ) هو ابن منبه، قال (حَدَّثَنَا قَتَادَةُ) أي ابن دعامة (عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما) أنَّه (قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ابْنَةِ حَمْزَةَ) ويروى وهو حمزة بن عبد المطلب بن هاشم أبو يعلى، وقيل أبو عمارة، وهو عمُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخوه من الرَّضاعة، أرضعتهما ثويبة مولاة أبي لهب، وكان حمزة أسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم بسنتين، وشهد أحدًا وقتل بها يوم السبت النصف من شوال سنة ثلاث من الهجرة.

(لاَ تَحِلُّ لِي) وإنما لا تحل له؛ لأنها كانت بنت أخيه من الرَّضاعة، كما قال في آخر الحديث (( هي ابنة أخي من الرَّضاعة ) ) (يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ) ويروى (مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ هِيَ ابْنَةُ) ويروى (أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ) قوله يحرم من الرَّضاع ما يحرم من النَّسب.

قال الخطَّابي اللَّفظ عام، ومعناه خاصٌّ، وتفصيله أن الرَّضاع يجري عمومه في تحريم نكاح المرضعة، وذوي أرحامها على الرَّضيع مجرى النَّسب، ولا يجري في الرَّضيع وذوي أرحامه مجراه، وذلك أنَّه إذا أرضعته صارت أمًّا له يحرم عليه نكاحها، ونكاح محارمها، وهي لا تحرم على أبيه، ولا على ذوي أنسابه غير أولاده، فيجري الأمر في هذا الباب عمومًا على أحد الشَّقين، وخصوصًا في الشق الآخر.

وفي «التوضيح» (( يحرم من الرَّضاع ما يحرم من النَّسب ) )لفظ عام لا يستثنى منه شيء. انتهى.

وفيه أنَّه

ج 12 ص 177

يستثنى منه أشياء

منها أنه يجوز أن يتزوج بأمِّ أخيه، وبنت ابنه من الرَّضاع، ولا يجوز أن يتزوج بهما من النَّسب؛ لأن أم أخيه من النَّسب تكون أمه، أو موطوءة أبيه، بخلاف الرَّضاع، وأخت ابنه من النَّسب ربيبته، أو بنته بخلاف الرَّضاع، ويجوز أن يتزوج بأخت أخيه من الرَّضاع، كما يجوز أن يتزوج بأخت أخيه من النَّسب، وذلك مثل الأخ من الأب إذا كان له أخت من الأم جاز لأخيه من أبيه أن يتزوَّجها، وكل ما لا يحرم من النَّسب لا يحرم من الرَّضاع، وقد يحرم من النَّسب ما لا يحرم من الرَّضاع، كما ذكر من الصورتين.

ومنها أنَّه يجوز له أن يتزوَّج بأمِّ حفيده من الرَّضاع دون النَّسب. ومنها أنَّه يجوز أن يتزوج بجدة ولده من الرَّضاع دون النَّسب. ومنها أنَّه يجوز لها أن تتزوَّج بأب أخيها من الرَّضاع، ولا يجوز ذلك من النَّسب. ومنها أنه يجوز له أن يتزوَّج بأمِّ عمِّه من الرَّضاع دون النَّسب. ومنها أنَّه يتزوج بأمِّ خاله من الرَّضاع دون النَّسب. ومنها أنَّه يجوز لها أن تتزَّوج بأخ ابنتها من الرَّضاع دون النَّسب.

وفي الحديث إثبات التَّحريم بلبن الفحل، وهو أن ترضعَ المرأة صبية، فتحرمُ هذه الصبية على زوجها، وعلى آبائه وأبنائه، ويصير الزوج الذي نزل لها منه اللَّبن أبًا للمرضعة؛ وذلك لأنَّه صلى الله عليه وسلم قال لعائشة رضي الله عنها (( ائذني له ) )وقال في ابنة حمزة (( لا تحلُّ لي هي ابنةُ أخي من الرَّضاعة ) ).

واختلف أهل العلم قديمًا في لبن الفحل، وكان الخلاف قديمًا منتشرًا في زمن الصحابة والتابعين، ثم أجمعوا بعد ذلك إلَّا القليل منهم أن لبن الفحل يحرم. فأمَّا من قال من الصحابة بالتحريم ابن عبَّاس وعائشة على اختلاف عنها.

ومن التابعين عروة بن الزُّبير وطاوس وابن شهاب ومجاهد وأبو الشعثاء وجابر بن زيد والحسن والشَّعبي وسالم والقاسم بن محمَّد وهشام بن عروة على اختلاف فيه.

ومن الأئمة أبو حنيفة ومالك والشَّافعي وأحمد وأصحابهم والثوري والأوزاعي والليث وإسحاق وأبو ثور.

وأمَّا من رخَّص في لبن الفحل ولم يره محرَّمًا فقد رويَ ذلك عن جماعة من الصَّحابة منهم ابن عمر وجابر ورافع بن خديج وعبد الله بن الزُّبير.

ومن التابعين سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرَّحمن وسليمان بن يسار،

ج 12 ص 178

وأخوه عطاء بن يسار، ومكحول وإبراهيم النَّخعي وأبو قلابة وإياس بن معاوية.

ومن الأئمة إبراهيم بن عليَّة وداود الظَّاهري فيما حكاه عنه ابن عبد البر في «التمهيد» ، والمعروف عن داود خلافه. وقال القاضي لم يقلْ أحدٌ من أئمة الفقهاء وأهل الفتوى بإسقاط حرمة لبن الفحل إلَّا أهل الظاهر وابن عليَّة، والمعروف عن داود موافقة الأئمة الأربعة في ذلك، حكاه ابنُ حزم عنه في «المحلى» ، وكذا ذهب إليه ابنُ حزم، فلم يبق ممَّن خالف فيه إذًا إلا ابن عليَّة.

وما قاله صاحب «الهداية» من أنه أحدُ قولي الشَّافعي ففيه أنَّه ذكر في «وجيزهم» ، ويتعلَّق بلبن الفحل التَّحريم عند عامِّة العلماء، فالظَّاهر أنَّه لم يعول به عندهم.

فائدة إضافة اللَّبن إلى الفحل من قبيل إضافة الشَّيء إلى سببه؛ لأنَّ سبب نزول اللبن إنما هو الفحل. ثمَّ اعلم أنهم أجمعوا على انتشار الحرمة بين المرضعة، وأولاد الرَّضيع، وأولاد المرضعة، ومذهب كافة العلماء ثبوت حرمة الرَّضاع بينه وبين زوج المرأة، ويصير ولدًا له، وأولاد الرجل إخوة الرضيع وأخواته، وتكون إخوة الرجل وأخواته أعمامه وعماته، ويكون أولاد الرضيع أولادًا للرجل، ولم يخالف في هذا إلا ابن عليَّة كما ذكر. ونقله المازري عن ابن عمر وعائشة رضي الله عنهم، واحتجُّوا بقوله تعالى {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ} [النساء 23] ، ولم يذكر البنت والعمة، كما ذكرها في النَّسب.

واحتج الجمهور بحديث الباب وغيره من الأحاديث الصَّحيحة الصَّريحة في عمِّ عائشة، وعم حفصة رضي الله عنهما. وأجابوا عما احتجُّوا به من الآية أنه ليس فيها نص بإباحة البنت والعمَّة ونحوهما؛ لأنَّ ذكر الشَّيء لا يدلُّ على سقوطِ الحكم عمَّا سواه لو لم يُعارضه دليلٌ آخر، كيف وقد جاءت الأحاديث الصَّحيحة في ذلك؟.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة من حيث إنَّ فيه حكم الرَّضاع. والحديث أخرجه البخاري في «النِّكاح» أيضًا، وكذا مسلم، والنَّسائي، وابن ماجه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت