2740 - (حَدَّثَنَا خَلاَّدُ بْنُ يَحْيَى) بفتح الخاء المعجمة وتشديد اللام، هو ابن يحيى بن صفوان، أبو محمدٍ السلميُّ الكوفيُّ، وهو من أفراد البخاريِّ، وقد مرَّ في الغسل [خ¦277] ، قال (حَدَّثَنَا مَالِكٌ هُوَ ابْنُ مِغْوَل) بكسر الميم وسكون الغين المعجمة وفتح الواو وباللام، البجليُّ الكوفيُّ، مات سنة تسعٍ وخمسين ومائة، وقوله هو ابن مغولٍ، الظَّاهر أنَّ شيخ البخاريِّ لم ينسبه، فلذلك قال هو ابن مِغول، وهذا من جملة احتياط البخاريِّ رحمه الله، ومِغول هو ابن عاصمٍ، وقد ذكر التِّرمذيُّ أنَّ مالكَ بن مِغول تفرَّد به.
قال (حَدَّثَنَا طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ) بلفظ اسم الفاعل من التَّصرُّف، هو ابنُ عمرو بن كعب الياميُّ، من بني يام، من همدان، مات سنة ثنتي عشرة ومائة.
(قَالَ سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى) واسم أبي أوفى علقمةُ بن خالدٍ الأسلميُّ، له ولأبيه صحبةٌ (هَلْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْصَى؟ فَقَالَ لاَ) أي ما أوصى؛ أرادَ به ما أوصى بالمال؛ لأنَّه لم يترك مالًا، هكذا أطلقَ الجواب، وكأنَّه فهم أنَّ السُّؤال وقع عن وصيَّةٍ خاصَّةٍ، فلذلك ساغ نفيها لا أنَّه أراد نفي الوصيَّة مطلقًا؛ لأنَّه أثبت بعد ذلك أنَّه أوصى بكتاب الله، ثم إنَّ الرَّاوي لمَّا فهم أنَّ النَّفي عامٌّ بحسب الظَّاهر عاد وسأل حيث قال (فَقُلْتُ كَيْفَ كُتِبَ عَلَى النَّاسِ الْوَصِيَّةُ، أَوْ أُمِرُوا بِالْوَصِيَّةِ؟) وهو على البناء للمفعول، كالفعل الأوَّل شكٌّ من الرَّاوي.
(قَالَ) أي ابن أبي أوفى، وقد أغرب العينيُّ حيثُ قال قال صلى الله عليه وسلم في جوابه أوصى (بِكِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ) زاد المؤلِّف بعد قوله (( أو أرادوا بالوصيَّة ) )في فضائل القرآن [خ¦5022] (( ولم يوصِ ) )، وبذلك يتمُّ الاعتراض؛ أي كيف يُؤمر المسلمون بشيءٍ لم يفعله النبيُّ صلى الله عليه وسلم. قال النَّوويُّ لعلَّ ابن أبي أوفى أراد لم يوصِ بثُلث ماله؛ لأنَّه لم يترك بعده مالًا، وأمَّا
ج 13 ص 15
الأرض فقد سلبها في حياته.
وأمَّا السِّلاح والبغلة ونحو ذلك فقد أخبر بأنَّها لا تورث عنه، بل جميعُ ما يخلفه صدقةٌ، فلم يبق بعدَ ذلك ما يوصِي به من الجهة الماليَّة، وأمَّا الوصايا بغير ذلك فلم يرد ابن أبي أوفى نفيها، ويُقال يُحتمل أن يكون المنفيُّ هي الوصيَّة التي زعم بعض الشِّيعة أنَّه أوصى بالأمر إلى عليٍّ رضي الله عنه، كما وقع التَّصريح به في حديث عائشة رضي الله عنها في الذي بعده.
وروى ابن حبَّان هذا الحديث من طريق ابن عُيينة، عن مالك بن مِغول بلفظٍ يزيل الإشكالَ، فقال سئل ابن أبي أَوفى هل أوصَى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال ما ترك شيئًا يوصِي فيه، فقيل فكيف أمر النَّاس بالوصيَّة ولم يوصِ، قال أوصى بكتابِ الله.
وقال القرطبيُّ استبعاد طلحة واضحٌ؛ لأنَّه أطلق فلو أرادَ شيئًا بعينه لخصَّه به، فاعترضه بأنَّ الله تعالى كتب على النَّاس الوصيَّة، وأُمروا بها فكيف لم يفعلها النبيُّ صلى الله عليه وسلم؟ فأجابه بما يدلُّ على أنَّه أَطلق في موضع التَّقييد.
قال وهذا يُشعر بأنَّ ابن أبي أوفى وطلحة بن مصرِّفٍ كانا يعتقدان أنَّ الوصيَّة واجبةٌ، ثمَّ قول ابن أبي أوفى أوصى بكتابِ الله؛ أي بالتَّمسُّك به والعمل بمقتضاه، ولعلَّه أشار إلى قوله صلى الله عليه وسلم (( تركتُ فيكم ما إن تمسَّكتم به لن تضلُّوا كتاب الله ) )، وأمَّا ما صحَّ في مسلمٍ أنَّه صلى الله عليه وسلم أوصى عند موته بثلاثٍ (( لا يبقينَ بجزيرةِ العرب دينان ) )، وفي لفظٍ آخر (( أخرجُوا اليهودَ من جزيرةِ العرب ) )وقوله (( أجيزوا الوفدَ بنحو ما كنت أجيزهم به ) )، ولم يذكر الرَّاوي الثَّالثة.
وما ثبت في النَّسائي (( أنَّه صلى الله عليه وسلم كان آخر ما تكلَّم به الصَّلاة، وما ملكَت أيمانُكم ) ). وغير ذلك من الأحاديث الَّتي يمكن حصرها بالتَّتبُّع،
ج 13 ص 16
فالظَّاهر أنَّ ابن أبي أوفى لم يرد نفيه، ولعلَّه اقتصر على الوصيَّة بكتاب الله لكونه أعظم وأهم؛ لأنَّ فيه تبيان كلِّ شيء إمَّا بطريق النَّص، وإمَّا بطريق الاستنباط، فإذا اتَّبع النَّاس ما في الكتاب عملُوا بكلِّ ما أمرهم الله والنبي صلى الله عليه وسلم به؛ لقوله تعالى {وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ} [الحشر 7] الآية، أو يكون لم يحضر شيئًا من الوصايا المذكُورة أو لم يستحضرها حال قوله، والأولى أنَّه إنَّما أراد بالنَّفي الوصيَّة بالخلافةِ أو بالمال، وساغ إطلاق النَّفي؛ أمَّا في الأوَّل فبقرينة الحال، وأمَّا في الثَّاني فلأنَّه المتبادر عرفًا، وقد صحَّ عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما أنَّه صلى الله عليه وسلم لم يُوْص.
أخرجه ابنُ أبي شيبة من طريق أرقم بن شُرحبيل عنه مع أنَّ ابن عبَّاس رضي الله عنهما هو الذي روى حديث (( أنه صلى الله عليه وسلم أوصى بثلاثٍ ) )، والجمع بينهما على ما تقدم.
ومطابقةُ الحديث للتَّرجمة تؤخذ من قوله كيف كتب على النَّاس الوصيَّة إلخ، وهو ظاهرٌ.
وقد أخرجه المؤلِّف في المغازي [خ¦4460] وفضائل القرآن [خ¦5022] ، وأخرجه مسلم في الوصايا، وكذا الترمذيُّ، والنسائيُّ، وابن ماجه.