3071 - (حَدَّثَنَا حِبَّانُ) بكسر الحاء المهملة وتشديد الموحدة وبالنون (ابْنُ مُوسَى) أبو محمَّد السُّلمي المروزي، وقد مرَّ في (( الصَّلاة ) ) [خ¦838] ، قال (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ) هو ابنُ المبارك المروزي (عَنْ خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ) أي ابن عمرو بن سعيد بن العاص أخي إسحاق بن سعيد القرشي الأموي، وليس له في البخاري إلَّا هذا الحديث الواحد، وقد ذكره عنه مكرَّرًا [خ¦5993] .
(عَنْ أَبِيهِ) سعيد (عَنْ أُمِّ خَالِدٍ) اسمها أَمة بفتح الهمزة (بِنْتِ خَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ) بن العاص الأمويَّة، ولدت بالحبشة، تزوجها الزُّبير فولدت له خالدًا وعمرًا.
وقال الحافظ العسقلاني في طبقة خالد بن سعيد بن عَمرو بن خالد بن سعيد بن أبي مريم المدني، لكن لم يخرِّج له البخاري ولا لابن المبارك عنه روايه. وزعم الكِرماني أنَّ شيخ ابن المبارك هنا هو خالد بن الزُّبير بن العوَّام، ولا أدري من أين له ذلك. وتعقَّبه العيني بأنَّ عبارة الكِرماني هكذا.
واعلم أنَّ لفظ خالد مذكور هنا ثلاث مرات، والثَّاني غير الأوَّل وهو خالد بن الزُّبير بن العوَّام، والثَّالث غيرهما وهو خالدُ بن سعيد بن العاص. انتهى.
فلم يقل الكِرماني إنَّ شيخ ابن المبارك هنا هو خالد بن الزُّبير بن العوَّام، بل قال والثَّاني غير الأوَّل، وأراد به خالدًا في قوله أم خالد، ولا شكَّ أنَّ خالدًا هذا هو ابن الزُّبير بن العوَّام، على ما قاله الذَّهبي.
(قَالَتْ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ أَبِي، وَعَلَيَّ) بتشديد الياء(قَمِيصٌ أَصْفَرُ، قَالَ
ج 14 ص 90
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَنَهْ سَنَهْ)بفتح النون وسكون الهاء، وفي وراية الكُشْمِيْهني بزيادة الألف والهاء فيهما للسَّكت وقد تُحْذَف.
وفي (( المطالع ) )هو بفتح النون الخفيفة عند أبي ذرٍّ، وشدَّدها الباقون وهي بفتح أوله للجميع، إلَّا القابسي فكسره، ويروى .
(قَالَ عَبْدُ اللَّهِ) هو ابنُ المبارك (وَهْيَ بِالْحَبَشَةِ) أي بلسان الحبشة (حَسَنَةٌ، قَالَتْ فَذَهَبْتُ أَلْعَبُ بِخَاتَمِ النُّبُوَّةِ) وهو ما كان مثل زرِّ الحَجَلة بين كتفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزِرُّ الحَجلة، _ بكسر الزاي وتشديد الراء، وبفتح الحاء المهملة والجيم _ هي بيت كالقبَّة لها أزرار كبار وعرى، وهذا ما عليه الجمهور، وصوَّبه النَّووي.
وقال القرطبي إنَّه الأشهر وأشبه بالمعنى، وجزم به السُّهيلي. وقيل المراد بالحَجَلة الطَّائر المعروف، يقال له بالفارسية كبك، وبالعربية القَبَجَة وزرُّها بيضها، والمعنى أنَّه مشبَّه بها.
ويؤيِّده الحديث الآخر (( مثل بيضةِ الحمامة ) )، أخرجه التِّرمذي في (( الشَّمائل ) )، وقد جزم به التِّرمذي في (( جامعه ) )فلا معنى لقول ابن حجر المكِّي في المعنى الأوَّل هذا هو الصَّواب، كما قاله النَّووي، وفي (( صحيح مسلم ) )أيضًا (( كبيضةِ الحمام ) )هذا وفي (( صحيح الحاكم ) ) (( شعر مجتمع ) ). وللبيهقي (( مثل السِّلعة ) )بكسر السين قطعة ناتئة، وفي رواية (( بضعة ناشزة ) )، وفي رواية للبيهقي والتِّرمذي (( كالتفاحة ) )، ولابن عساكر ، وله أيضًا ، وللقضاعي (( ثلاث شعرات مجتمعات ) )، وللتِّرمذي الحكيم (( كبيضة حمام مكتوب بباطنها الله وحده لا شريك له، وبظاهرها توجه حيث كنت فإنَّك منصور ) ). ولابن عائذٍ (( كان نورًا يتلألأ ) ).
قال بعض العلماء وليست هذه الرِّوايات مختلفة حقيقة، بل كل شبَّه بما سنح له، ومؤدَّى الألفاظ كلَّها واحد وهو قطعة لحم. ومن قال شعر؛ فلأن الشَّعر
ج 14 ص 91
حوله مُتراكب عليه، كما في الرِّواية الأخرى.
قال القرطبي الأحاديث الثَّابتة تدلُّ على أنَّ خاتم النبوَّة كان شيئًا بارزًا أحمر عند كتفه الأيسر إذا قُلِّل جُعِلَ كبيضة الحَمَام، وإذا كُبِّر جُعِلَ كجَمْعِ اليَد.
وقال القاضي رواية جمع الكف تخالف بيضة الحمام وزرُّ الحجلة، فتوفَّق على وفق الرِّوايات الكثيرة؛ أي كهيئة الجمع، لكنَّه أصغر منه في قدر بيضة الحمام. وروي عن عائشة رضي الله عنها كتينة صغيرة تضرب إلى الدُّهمة، وكان ممَّا يلي الفقار، ولابن أبي عاصم عذرة كعذرة الحَمام؛ أي قرطِمته وقِرطِمتاه، بكسر القاف نقطتان على أصل منقاره.
وفي (( تاريخ نيسابور ) )مثلُ البُندقة مكتوب فيه باللَّحم محمَّد رسول الله.
وقال الحافظُ العسقلاني في رواية (( أثر المحجم أو كركبة عنز أو كشامةٍ خضراء أو سوداء، ومكتوبٌ فيها محمَّد رسول الله، أو سِرْ فإنَّك المنصور ) )لم يثبت منها شيء، وتصحيح ابن حبَّان ذلك وهم، والله تعالى أعلم.
(فَزَبَرَنِي) بالزاي والباء الموحدة والراء، من الزَّبْر وهو النَّهي عن الإقدام على ما لا ينبغي (أَبِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعْهَا) أي اتركها (ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ أَبْلِي) أمرٌ من الإبلاء، يقال أبليت الثَّوب إذا جعلته عتيقًا، ويقال البلاء للخير والشَّر؛ لأنَّ أصله الاختبار، وأكثر ما يستعملُ في الخير مقيَّدًا (وَأَخْلِقِي) بالقاف، أمرٌ من الإخلاق بمعنى أبلي، ويجوز أن يكون كلاهما من الثُّلاثي إذ خلُق بالضم وأَخْلَق بمعنى، وكذا بلي بالكسر وأبلى، وليس ذلك من عطف الشيء على نفسه؛ لأن في المعطوف تأكيدًا وتقوية ليس في المعطوف عليه كقوله تعالى {كَلَّا سَيَعْلَمُونَ*ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ} [النبأ 4 - 5] على أنَّ تغاير اللَّفظين كاف في صحَّة العطف. وفي رواية أبي ذرٍّ بالفاء، من إخلاف الثَّوب جَعْلُه خلفًا للآخر، والمشهور بالقاف.
وقال صاحب (( العين ) )أَبْلِ وأَخْلِقْ؛ أي عِشْ فخرِّق ثيابك وارفعها.
(قَالَ عَبْدُ اللَّهِ) هو ابنُ المبارك، وقال الكِرماني وفي بعضها أي البخاري،
ج 14 ص 92
والصَّحيح هو الأوَّل (فَبَقِيَتْ) أي أم خالد (حَتَّى ذَكَرَ) بالذال وبالراء على صيغة المجهول، من الذِّكر، والضَّمير فيه يرجعُ إلى القميص؛ أي ذكر دهرًا طويلًا، ويروى على صيغة بناء الفاعل والضَّمير للقميص أيضًا؛ أي حتَّى ذكر دهرًا طويلًا يقال شيخ يذكر الزَّمان الفلاني، ويحتمل أن يكون الضَّمير للرَّاوي؛ أي حتَّى ذكر الرَّاوي ما نسيَ من طول مدَّته، ويروى بلفظ بناء المعلوم؛ أي بقيت حتَّى ذكرت دهرًا طويلًا.
قال الكرمانيُّ وفي بعضها بلفظ المجهول؛ أي حتَّى صارت مذكورة عند النَّاس لخروجها عن العادة، وفي رواية أبي الهيثم بدال ونون، من الدُّكنة وهي الغبرة، وهي لون يضربُ إلى السَّواد؛ أي عاشت عيشًا طويلًا حتَّى تغيَّر لون قميصها فاسودَّ من طول ما لُبِسَ، ورجَّحه أبو ذرٍّ. وفي بعض النُّسخ ولفظ دهر، محذوف في كتاب ابن بطَّال، وذكره ابن السَّكن، وهو تفسير هذه الرِّواية كأنَّه أرادَ بقي هذا القميص مدَّة طويلة من الزَّمان فنسيها الرَّاوي فعبَّر عنها بقوله (( ذكر دهرًا ) )أي زمانًا يحسب تحديده.
وفي الحديث جواز لبس القميص الأصفر؛ لأنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر على والد أمِّ خالد، وفيه المسامحة للأطفال في اللَّعب بحضرة آبائهم وغيرهم، وكان صلى الله عليه وسلم على خلق عظيمٍ. وفيه الدُّعاء لمن يلبس جديدًا بقوله أَبْلِ وأَخْلِق، أو أَبْلِ وأَخْلِفْ. وفيه جواز الرَّطانة بغير العربية؛ لأنَّ الكلام بغير العربية يحتاج المسلمون إليه للتكلُّم به مع رسل العجم، وقد أمر الشَّارع صلى الله عليه وسلم زيد بن ثابت أن يتعلَّم بكلام العجم.
وقال ابن التِّين وإنَّما يُكْرَه أن يتكلَّم بالعجميَّة إذا كان بعض من حضر لا يفهمها فيكون كناجي القوم دون ثالث.
قال الدَّاودي إذا لم يعرفها اثنان فأكثر يلزم أن يجوز ذلك. ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله (( سنه سنه ) )وقد مرَّ بيانه. والحديث قد أخرجه
ج 14 ص 93
البخاري في (( اللِّباس ) ) [خ¦5823] ، وفي (( هجرة الحبشة ) ) [خ¦3874] ، و (( الأدب ) )أيضًا [خ¦5993] ، وأخرجه أبو داود في (( اللِّباس ) ).