فهرس الكتاب

الصفحة 4973 من 11127

3191 - (حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ) وقد مرَّ في (( الغسل ) ) [خ¦259] ، قال (حَدَّثَنَا أَبِي) هو حفص بن غياث، قال (حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ) قال (حَدَّثَنَا جَامِعُ بْنُ شَدَّادٍ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أنَّه(قَالَ دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

ج 14 ص 357

وَعَقَلْتُ نَاقَتِي بِالْباب فَأَتَاهُ نَاسٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، فَقَالَ اقْبَلُوا الْبُشْرَى يَا بَنِي تَمِيمٍ، قَالُوا قَدْ بَشَّرْتَنَا فَأَعْطِنَا مَرَّتَيْنِ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ نَاسٌ مِنْ الْيَمَنِ فَقَالَ اقْبَلُوا الْبُشْرَى يَا أَهْلَ الْيَمَنِ، إِذْ لَمْ يَقْبَلْهَا بَنُو تَمِيمٍ قَالَ قَدْ قَبِلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالُوا جِئْنَاكَ)هكذا رواية الأكثرين بكاف الخطاب، وفي رواية الكُشْمِيهنيِّ بلا كاف (نَسْأَلُكَ) زاد في (( التوحيد ) ) [خ¦7418] (( ونتفقه في الدين ) ) (عَنْ هَذَا الأَمْرِ) أي الحاضر الموجود، ولفظ الأمر يطلق ويراد به المأمور، ويراد به الحال والشأن، وكأنَّهم سألوا عن أحوال هذا العالم، وهو الظاهر، ويحتمل أن يكونوا سألوا عن أوَّل جنس المخلوقات. فعلى الأول يقتضي السِّياق أنَّه أخبر أنَّ أوَّل شيءٍ خلق منه السَّموات والأرض، وعلى الثاني يقتضي أنَّ العرش والماء تقدَّم خلقهما قبل ذلك. ووقع في الرواية الأولى (( يحدِّث عن بدء الخلق والعرش ) )أي عن بدء الخلق وحال العرش.

(قَالَ كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرُهُ) وفي الرواية الآتية في (( التوحيد ) ) [خ¦7418] (( ولم يكن شيءٌ قبله ) )، وفي رواية غير البخاريِّ (( ولم يكن شيءٌ معه ) )، والقصَّة متَّحدة، فاقتضى ذلك أنَّ الرواية وقعت بالمعنى. ويؤيِّد الأوَّل قوله صلى الله عليه وسلم في دعائه في صلاة اللَّيل كما تقدَّم من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما (( أنت الأوَّل فليس قبلك شيءٌ ) ). ووقع في هذا الحديث في بعض المواضع (( كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما عليه كان ) )وهي زيادةٌ ليست في شيءٍ من كتب الحديث نبَّه على ذلك الإمام تقي الدِّين ابن تيمية.

(وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ) أي لم يكن تحته إلَّا الماء، وفيه دليلٌ على أنَّ العرش والماء كانا مخلوقين قبل السموات والأرض. فإن قيل بين هذه الجملة وما قبلها منافاةٌ ظاهرًا؛ لأنَّ هذه الجملة تدلُّ على وجود العرش والماء، والجملة التي قبلها تدلُّ على أنه لم يكن شيءٌ؟ فالجواب أنَّه من باب الإخبار عن حصول الجملتين مطلقًا، أو الواو بمعنى ثم.

قال الطيبيُّ هو فصل؛

ج 14 ص 358

لأنَّ القديم من لم يسبقه شيءٌ ولم يعارضه في الأولية، لكن أشار بقوله (( وكان عرشهُ على الماء ) )إلى أنَّ الماء والعرش كانا مبدأ هذا العالم؛ لكونهما خلقا قبل خلق السموات والأرض، ولم يكن تحت العرش إذ ذاك إلَّا الماء، والمراد بقوله (( كان الله ) )الكون الأزليُّ، وبقوله (( وكان عرشه ) )الحدوث، فإن قيل إذا كان العرش والماء مخلوقين أوَّلًا فأيُّهما سابقٌ في الخلق؟ فالجواب الماء؛ لما روى أحمد والترمذي مصححًا من حديث أبي رزين العقيلي مرفوعًا (( إنَّ الماء خلق قبل العرش ) ). وروى السديُّ في «تفسيره» بأسانيد متعدِّدة (( إنَّ الله لم يخلق شيئًا ممَّا خلق قبل الماء ) ). وفي بعض الآثار (( إنَّ الله تعالى خلق درَّةً بيضاء فنظرَ إليها نظر اللُّطف فصارت ماء ) ).

فإن قيل روى أحمد والترمذي مصححًا من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه مرفوعًا (( إنَّ أوَّل ما خلق الله القلم ثمَّ قال اكتب، فجرى بما هو كائنٌ إلى يوم القيامة ) ). واختاره الحسن وعطاء ومجاهد، وإليه ذهب ابن جرير وابن الجوزي. وحكى ابن جرير عن محمد بن إسحاق أنَّه قال (( أوَّل ما خلق الله تعالى النُّور والظُّلمة، ثمَّ ميَّز بينهما فجعل الظُّلمة ليلًا أسود مظلمًا، وجعل النُّور نهارًا أبيض مبصرًا ) ).

وقيل أوَّل ما خلق الله نور محمد صلى الله عليه وسلم، فما التوفيق بين هذه الروايات؟ فالجواب أنَّ الأولية أمرٌ نسبيٌّ، وكلُّ شيءٍ قيل فيه إنَّه أوَّل فهو بالنَّسبة إلى ما بعده، فقيل أوَّلية القلم بالنِّسبة إلى ما عدا العرش والماء.

وحكى أبو العلاء الهمداني أنَّ للعلماء قولين في أيِّهما خلق أولًا العرش أو القلم؟ قال والأكثر على سَبْق خَلْقِ العرش، واختار ابنُ جرير ومَن تبعه الثاني. وروى ابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال (( لمَّا خلق اللوح المحفوظ لمسيرة خمسمائة [1] عام فقال للقلم قبل أن يخلق الخلق وهو على العرش اكتب، فقال وما أكتب؟، قال علمي في خلقي إلى يوم القيامة ) )، ذكره في تفسير سبحان.

فهذا لو صحَّ؛ لكان رافعًا للنِّزاع،

ج 14 ص 359

لكن في إسناده ابن لهيعة، وهو ضعيفٌ.

(وَكَتَبَ) أي قدَّر وأثبت (فِي الذِّكْرِ) أي في محلِّ الذِّكر وهو اللَّوح المحفوظ عن وصول الشَّياطين إليه، وهو فوق السَّماء السَّابعة (كُلَّ شَيْءٍ) أي كلُّ الكائنات (وَخَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ) هكذا جاءت هذه الأمور الثَّلاثة معطوفة بالواو، ووقع في الرواية التي في التوحيد [خ¦7418] (( ثمَّ خلق السموات والأرض ) )ولم يقع بلفظ ثم، إلَّا في ذكر خلق السموات والأرض. وقد روى مسلم من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا (( إنَّ الله قدَّر مقادير الخلائق قبل أن يخلقَ السَّموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء ) ). وهذا الحديث يؤيِّد رواية من روى (( ثمَّ خلق السَّموات والأرض ) )باللَّفظ الدالِّ على الترتيب، والله تعالى أعلم.

(فَنَادَى مُنَادٍ) وفي الرواية الأخرى (( فجاء رجلٌ فقال يا عمران ) ). قال الحافظ العسقلانيُّ ولم أقف على اسمه في شيءٍ من الرِّوايات (ذَهَبَتْ نَاقَتُكَ يَا ابْنَ الْحُصَيْنِ) أي انفلتت. ووقع في الرواية الأولى (( راحلتك أو ذهبت راحلتك ) )بالنصب أو بالرفع، ويؤيد الثاني قوله (( ذهبت ناقتك ) )في هذه الرواية.

(فَانْطَلَقْتُ فَإِذَا هِيَ يَقْطَعُ) بلفظ الماضي من التقطُّع (دُونَهَا) أي عندها (السَّرَابُ) بالرفع فاعل تقطع، والسراب هو الَّذي تراه نصف النَّهار كأنَّه ماء، والمعنى فإذا هي انتهى السَّراب عندها. وقال الحافظ العسقلانيُّ أي يحول بيني وبين رؤيتها، وهو غير ظاهرٍ (فَوَاللَّهِ لَوَدِدْتُ) أي تمنَّيت وأحببت (أَنِّي كُنْتُ تَرَكْتُهَا) لئلا يفوت منِّي سماع كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي التوحيد [خ¦7418] (( أنَّها ذَهَبَتْ ولم أقم ) )، يعني أنَّه قام قبل أن يكملَ النَّبي صلى الله عليه وسلم حديثه، فتأسَّف على ما فاته من ذلك.

وفي الحديث جواز السُّؤال عن مبدأ الأشياء والبحث عن ذلك وجواز جواب

ج 14 ص 360

العالم بما يستحضره من ذلك، وعليه الكفُّ إن خشي على السَّائل ما يدخل على معتقده من إيهامٍ أو شكٍّ أو تقصيرٍ، فلا يجيبه وينهاه عن ذلك. وفيه ما كانوا عليه من الحرص على تحصيل العلم. وفيه أنَّ جنس الزمان ونوعه حادث، وأنَّ الله أوجد هذه المخلوقات بعد أن لم تكن لا عن عجز بل مع القدرة.

ومطابقةُ الحديث للترجمة كمطابقة الحديث السابق، إذ هذا طريقٌ آخرٌ لحديث عمران بن حصين رضي الله عنه.

[1] هكذا في الأصل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت