فهرس الكتاب

الصفحة 5022 من 11127

3234 - (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ) شيخه هذا من أفراده، قال (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ) هو محمَّدُ بن عبد الله بن المثنَّى بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري البصري (عَنِ ابْنِ عَوْنٍ) هو بفتح المهملة وبالنون، عبدُ الله بن عون بن أرطبان، أبو عون المزني البصري، أنَّه قال (أَنْبَأَنَا الْقَاسِمُ) هو ابن محمَّد بن أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنهم (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا) أنَّها (قَالَتْ مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ أَعْظَمَ) أي دخل في أمر عظيم، أو مفعوله محذوف.

(وَلَكِنْ قَدْ رَأَى جِبْرِيلَ فِي صُورَتِهِ) أي في هيئته وحقيقته (وَخَلْقُهُ) أي وخلقته التي خلق عليها (سَادًّا مَا بَيْنَ الأُفُقِ) نصب على الحالية من جبريل؛ أي مطبقًا ما بين أفق السَّماء. وقال أحمد بإسناده عن أبي وائل، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال (( رأى رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جبريلَ في صورته، وله ستمائة جناح، كلُّ جناح منها قد سدَّ الأفق، يسقط من جناحه من التَّهاويل والدُّر والياقوت

ج 14 ص 453

ما الله به عليم )) . والتَّهاويل الألوان المختلفة.

وقال ابنُ الكلبي سأل رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جبريلَ أن يأتيهِ في صورته التي خلقه الله عليها، فقال له لا تستطيع أن تثبت فقال بلى، فظهر له في ستمائة جناح سدَّ الأفقَ جناحٌ منها، فشاهد رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أمرًا عظيمًا فصعقَ. وهذا معنى قوله تعالى {وَلَقَدْ رَآَهُ نَزْلَةً أُخْرَى} .

وقد ثبت أنَّ جبريل عليه السَّلام كان يأتي النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في صورة دحية الكلبي، وتارةً كان يأتي في صورة أعرابي، ورآه مرَّتين في صورته التي خُلِقَ عليها، مرَّة منهبطًا من السَّماء إلى الأرض، ومرَّة عند سدرة المنتهى، كما مرَّ آنفًا، وجبريل هو أمينُ الوحي وخازن القدس، ويقال له الرُّوح الأمين، وروح القدس، والنَّاموس الأكبر، وطاوس الملائكة.

ومعنى جبر عبد، وأيل، اسم من أسماء الله تعالى، فمعناه عبد الله، وفيه أربع عشرة لغة، وقد ذكرها العيني في (( التَّاريخ الكبير ) )في فضل خلق الملائكة.

واعلم أنَّ إنكار عائشة رضي الله عنها الرُّؤية لم تذكرها رواية، إذ لو كان معها رواية فيه لذَكَرَتْها، وإنَّما اعتمدت على الاستنباط من الآيات، وهو مشهور قول ابن مسعود، وعن أبي هريرة مثلها. وعن ابن عبَّاس أنَّه رآه بعينه، روي ذلك عنه بطرق. وروى ابن مردويه في (( تفسيره ) )عن الضَّحَّاك وعكرمة عنه في حديث طويل، وفيه (( فلمَّا أكرمني ربِّي برؤيته بأن أثبت بصري في قلبي، أحدَّ بصري بنوريَّة نور العرش ) ).

وروى اللالكائي من حديث حمَّاد بن سلمة، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما مرفوعًا (( رأيت ربِّي عزَّ وجلَّ ) ). ومن حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال (( رأيت ربِّي عزَّ وجلَّ ) )الحديث.

وذكر ابن إسحاق أنَّ ابن عمر رضي الله عنهما أرسل إلى ابن عبَّاس رضي الله عنهما يسأله هل رأى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ربَّه؟ فقال نعم. والأشهر عنه أنَّه رآه بعينيه. وروي عنه أنَّ الله تعالى اختص موسى عليه السَّلام بالكلام، وإبراهيم عليه السَّلام بالخلَّة، ومحمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بالرُّؤية.

وقال الماوردي قيل إنَّ الله قسم كلامه ورؤيته بين محمَّد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

ج 14 ص 454

وبين موسى عليه الصَّلاة والسَّلام، فرآه محمَّد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مرَّتين، وكلَّمه موسى عليه الصَّلاة والسَّلام مرَّتين. وحكى أبو الفتح الرَّازي، وأبو اللَّيث السَّمرقندي هذه الحكاية عن كعب. وحكى عبد الرَّزَّاق عن الحسن أنَّه كان يحلف بالله لقد رأى محمَّد ربَّه. وحكى النقَّاش عن أحمد أنا أقول بحديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما بعينيه رآه، حتَّى انقطع نفس أحمد.

وقال الأشعريُّ وجماعة من أصحابه إنَّه رآه ببصره، وعيني رأسه. وقال كلُّ آية أوتيها نبيٌّ من الأنبياء فقد أوتي مثلها نبيَّنا محمَّد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وخصَّ من بينهم بتفضيل الرُّؤية. فإن قلت قال الله تعالى {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ} [الأنعام 103] ، وقال {لَنْ تَرَانِيْ} [الأعراف 143] .

فالجواب أنَّ المراد بالإدراك الإحاطة، ونفي الإحاطة لا يستلزم نفي نفس الرُّؤية. وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما (( لا تحيط به، ونحن نقول به ) ). وقيل لا تدركه أبصار الكفَّار. وقيل لا تدركه الأبصار، وإنَّما يدركه المبصرون، وليس في الشَّرع دليل قاطع على استحالة الرُّؤية، ولا امتناعها، إذ كل موجود فرؤيته جائزة غير مستحيلة، وأمَّا قوله {لَنْ تَرَانِيْ} [الأعراف 143] فمعناه في الدُّنيا.

وذكر القاضي أبو بكر أنَّ موسى عليه السَّلام رأى ربَّه، فلذلك صعق، وأنَّ الجبل رأى ربَّه، فلذلك صار دكًّا، استنبطه من قوله تعالى {وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي} ثمَّ قال {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا} [الأعراف 143] ، فرآه الجبل فصار دكًّا، ورآه موسى عليه السَّلام فصعقَ، والله تعالى أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت