3330 - (حَدَّثَنَا بِشْرُ) بكسر الموحدة وسكون الشين المعجمة (ابْنُ مُحَمَّدٍ) أبو محمَّدٍ المروزيُّ، قال (أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ) هو ابنُ المبارك المروزيُّ، قال (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَهُ) .
قال الحافظ العسقلانيُّ لم يَسْبِق للمتنِ المذكور طريقٌ يعود عليها هذا الضمير، فكأنَّه يشير به إلى أنَّ اللفظ الذي حدَّثه به شيخهُ هو بمعنى اللفظ الَّذي ساقه.
وتعقَّبه العينيُّ بأنَّه ما فيهِ كفايةٌ للمقصود، ولا له التئامٌ من جِهةِ المعنى والتَّركيب؛ لأنَّ الذي يذوقُ دقائق التَّراكيب لا يرضى بهذا الذي ذكره، بل الظاهر أنَّ هاهنا وقع سقوط جملة؛ لأنَّ لفظة نحوه أو مثله، لا تذكر إلَّا إذا مضى حديث بسندٍ ومتن، ثمَّ إذا أريد إعادته بذكر سندٍ آخر يذكر سنده، ويذكر عقيبه لفظ نحوه، أو مثله؛ أي نحو المذكور، ولا يُعَادُ ذِكْرُ المتن اكتفاء بذكر السَّند فقط؛ لأنَّ لفظ نحوه يُنْبِئُ عن ذلك.
والذي يظهر لي بالحَدْس أنَّ البخاريَّ روى قبل هذا عن محمَّد بن رافع، عن عبد الرَّزَّاق، عن مَعْمَر، عن همام، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (( لولا بنو إسرائيل لم يَخْبُثِ الطَّعامُ، ولم يَخْنَزِ اللَّحمُ، ولولا حوَّاء لم تخن أنثى زوجَها الدَّهر ) ).
ثمَّ رواه عن بشر بن محمد، عن عبد الله، عن مَعْمر، عن همَّام، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، ثمَّ قال نحوه؛ أي نحو الحديث المذكور، ثم فسَّر ذلك بقوله (( يعني لولا بنو إسرائيل ... إلى آخره ) ).
وإنَّما ذَكَرَ لفظ (( يعني ) )إشارةً إلى أنَّ المتن الذي ذكره عبد الله بن المبارك، عن مَعمر يغاير المتن الذي رواه عبد الرَّزَّاق، عن مَعمر ببعض زيادة، وهو قوله (( لم يخبث الطَّعام ) )، وفي آخره لفظ (( الدهر ) ).
وسيأتي عند البخاريِّ هذه الرِّواية، أعني رواية عبد الرَّزَّاق عن مَعمر بهذا اللَّفظ في ذِكْرِ موسى عليه السلام.
ج 15 ص 16
(يَعْنِي لَوْلاَ بَنُو إِسْرَائِيلَ لَمْ يَخْنِزِ اللَّحْمُ) بالخاء المعجمة وكسر النون وبالزاي؛ أي لم ينتن. ويقال أيضًا خَنِز، بكسر النون، يخنَز، بفتحها، من باب عَلِم يعلَم، والأوَّل من باب ضرَب يَضْرِب، والخنَز التَّغيُّر والنَّتن، ويقال خَزَنَ يَخْزِن، على القَلْب، مثل جذب وجبذ. وقال ابنُ سيده خَنِز اللَّحم والتَّمرُ والجَوز خُنوزًا فهو خَنِز إذا فَسَدَ.
وعن قتادة كان المنُّ والسَّلوى يسقط على بني إسرائيل من طلوعِ الفجر إلى طلوع الشَّمس كسقوط الثَّلج، فيؤخذُ منه بقدر ما يغني ذلك اليوم إلَّا يوم الجمعة، فإنَّهم يأخذون له وللسبت، فإن أخذوا أكثر من ذلك فَسَدَ ما ادَّخروا، فكان ادِّخارُهم فسادًا للأطعمة عليهم وعلى غيرهم. وقيل لما نزلتِ المائدة عليهم أُمِرُوا أن لا يدَّخروا فادَّخروا، وقيل يحتملُ أن يكون من اعتدائهم في السبت.
وقيل كان سببه أنَّهم أُمِرُوا بترك ادِّخار السَّلوى، فادَّخروه حتَّى أنتن، فاستمرَّ نتن اللُّحوم من ذلك الوقت، أو لمَّا صار الماء في أفواههم دمًا وأنتنوا بذلك سرى ذلك النَّتن إلى اللَّحم وغيره عقوبةً لهم.
وفي «الحلية» لأبي نعيمٍ عن وَهْبِ بن مُنبِّه قال وجدت في بعض الكتب عن الله عزَّ وجلَّ لولا أنِّي كتبت الفساد على الطَّعام؛ لخَزَنَه الأغنياءُ عن الفقراءِ.
وقال القاضي البيضاوي لولا أنَّ بني إسرائيل سَنُّوا ادِّخار اللَّحم حتَّى خَنَز؛ لَمَا ادُّخِرَ، فَلَمْ يَخْنَزْ. وقيل لم يكن اللَّحم يخنز حتَّى مُنِعَ بنو إسرائيل عن ادِّخاره فلم ينتهوا عنه، فاختنزَ ما ادَّخروه عقوبةً لهم.
(وَلَوْلاَ حَوَّاءُ) بالمد، سمِّيت بذلك؛ لأنَّها أمُّ كلِّ حيٍّ، أو لأنَّها خُلِقَت من ضلع آدم عليه السلام القُصَيْرَى اليسرى، وهو حيٌّ قبل دخوله الجنَّة، وقيل فيها، ومعنى خُلِقَت .. أُخْرِجَتْ كما تُخْرَجُ النَّخلةُ من النَّواة.
ومعنى لولا حواء (لَمْ تَخُنْ أُنْثَى زَوْجَهَا) أنَّها دعت آدم عليه السلام إلى الأكل من الشَّجرة. وذكر الماورديُّ أنَّها البرُّ، وقيل التِّين، وقيل الكافور، وقيل الكرم، وقيل شجرة الخلد التي كانت الملائكة تأكل منها.
وقال الحافظ العسقلانيُّ إشارة إلى ما وقع من حوَّاء من تزيينها لآدم الأكل من الشَّجرة حتَّى وقع ذلك، فمعنى خيانتها أنَّها قبلت ما زيَّن لها إبليس حتَّى زينته لآدم، ولما كانت هي أم بنات آدم أشبهنها
ج 15 ص 17
بالولادةِ، ونَزَعَ العِرْقُ، فلا تكاد امرأةٌ يَسْلم من خيانتها زوجُها بالفعل أو القول.
ومطابقةُ الحديث للترجمة من حيث إنَّ خَلْقَ حواء عليها السلام مضافٌ إلى خلق آدم عليه السلام.