3331 - (حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ) بضم الكاف على صيغة التَّصغير، واسمه محمد بن العلاء (وَمُوسَى بْنُ حِزَامٍ) بكسر الحاء المهملة وتخفيف الزاي، أبو عمران الترمذيُّ العابد، نزل بلخ، وثَّقه النسائيُّ وغيره، وكان زاهدًا عالمًا بالسنَّة، وليس له في البخاريِّ إلَّا هذا الموضع.
(قَالاَ حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ) أي ابن الوليد، أبو عبد الله الجعفيُّ (عَنْ زَائِدَةَ) هو ابنُ قُدَامة، بضم القاف وتخفيف الدال المهملة، أبو الصلت الثَّقفي (عَنْ مَيْسَرَةَ) ضدُّ الميمنة، هو ابنُ عمارة (الأَشْجَعِيِّ) الكوفيِّ، وليس له في البخاريِّ سوى هذا الحديث، وقد ذكره في النكاح من وجهٍ آخر [خ¦5184] ، وله حديثٌ آخر في تفسير آل عمران [خ¦4557] .
(عَنْ أَبِي حَازِمٍ) بالمهملة والزاي، واسمه سلمان الأشجعيِّ الغطفاني (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أنَّه (قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًَا) أي تواصوا أيها الرِّجال في حقِّ النِّساء بالخير، ويجوز أن تكون الباء للتعدية، والاستفعال بمعنى الإفعال كالاستجابة بمعنى الإجابة، قال تعالى {فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي} [البقرة 186] ، {وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آَمَنُوا} [الشورى 26] .
وقال البيضاويُّ الاستيصاء قبولُ الوصيَّة؛ أي أوصيكم بهنَّ خيرًا، فاقبلوا وصيَّتي فيهنَّ، واعملوا بها واصبروا عليهنَّ وارفقوا بهنَّ، وأحسنوا عشرتهنَّ.
وقال الطيبيُّ السِّين للطلب مبالغة؛ أي اطلبوا الوصية من أنفسكم في حقهنَّ بخير.
وقال غيره استفعل على أصله، وهو طلب الفعل، فيكون معناه اطلبوا الوصيَّة من غيركم بهنَّ كمن يعود مريضًا فيستحبُّ له أن يحثَّ المريض على الوصيَّة، والوصية بالنساء آكد؛ لضعفهنَّ واحتياجِهنَّ إلى من يقومُ بأَمْرِهنَّ.
(فَإِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ) بكسر الضاد المعجمة وفتح اللام مفرد الضَّلوع، ويجوز تسكين اللام (أَعْوَجٍ) أي أُخْرِجَت كما تخرج النَّخلة من النَّواة. وفيه إشارةٌ إلى أنَّ حوَّاء
ج 15 ص 18
خلقت من ضِلَعِ آدم الأيسر. وقيل من ضلعه القصير، أو جعل مكانه لحم، روي ذلك عن عطاء، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما.
وقال الجوهريُّ هي الضِّلَع التي تلي الشَّاكلة، وتسمَّى الواهنة، وذلك أنَّ الله تعالى لمَّا أسكن آدم الجنَّة أقام مدَّةً فاستوحشَ، فشكا إلى الله الوحدة، فنام فرأى في منامه امرأةً حسناء، ثمَّ انتبه فوجدها جالسةً عنده، فقال من أنت؟ فقالت حوَّاء خلقني الله لتسكن إليَّ، وأسكن إليك.
وقال مجاهد إنَّما سمِّيتِ المَرأةُ مرْأةً؛ لأنَّها خُلِقَتْ من المَرْء، وهو آدمُ عليه السلام.
وقال مقاتل بن سليمان نام آدم نومةً في الجنَّة، فخُلِقَتْ حوَّاء من قُصَيْرَاه من شقِّه الأيمن من غير أن يتألَّم، ولو تألَّم لم يعطف رجلٌ على امرأةٍ أبدًا.
وقال ابن عبَّاس رضي الله عنهما لأَمَ الله تعالى موضع الضِّلَع لحْمًَا، ولمَّا رآها آدم قال أثاثيًا، بالثاء المثلثة، وهو سريانيٌّ، وتفسيره بالعربيَّة مرأة.
وقال الرَّبيع بن أنس خُلِقَتْ حوَّاء من طينة آدم عليه السَّلام، واحتجَّ بقوله تعالى {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ} [الأنعام 2] ، والأوَّل أصحُّ؛ لقوله تعالى {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ} [الأعراف 189] .
(وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلاَهُ) قيل وفيه دلالةٌ على أنَّها خلقت من ضِلَعه العليا، لا من الضِّلَع التي تلي الشَّاكلة، كما قال عطاء، وفسَّره الجوهريُّ على ما تقدَّم آنفًا، وفيه نظرٌ لا يخفى.
وقال الحافظ العسقلانيُّ فيه إشارةٌ إلى أنَّ أعوج ما في المرأة لسانها، وفي استعمال أعوج استعمالٌ لأفعلَ في العُيوب، وهو شاذٌّ، وفائدة هذه المقدِّمة أنَّ المرأة خُلِقَت من ضِلَعٍ أعوجٍ، فلا ينكر اعوجاجها، أو الإشارة إلى أنَّها لا تقبل الإقامة كما أنَّ الضِّلع لا تَقْبلها.
(فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ) قيل هو ضربُ مَثَلٍ للطَّلاق؛ أي إن أردت منها أن تترك اعوجاجها أفضى الأمر إلى طلاقها، ويؤيِّده قوله في رواية الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه عند مسلم (( وإن ذهبتَ تقيمها كسرتها، وكسرُها طلاقُها ) ). وقيل الحديث لم يذكر فيه النِّساء إلَّا بالتَّمثيل بالضِّلَع، والاعوجاج الَّذي في أخلاقهنَّ منه؛ لأنَّ الضِّلَع عوجاء، فلا يتهيَّأ الانتفاع بهنَّ إلَّا بالصَّبر على اعوجاجهنَّ.
وقيل الصَّواب في أعلى، وفي تقيمه، وفي كسرته، وفي تركته التأنيث؛ لأنَّ الضِّلع مؤنَّثٌ، وكذا يقال لم تزل عوجاء، ولهذا جاء في رواية مسلم المذكورة بهاء التأنيث.
وأجيب بأنَّ التذكير يجوز في المؤنث الَّذي ليس بزوج.
(وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ) ومطابقة
ج 15 ص 19
الحديث للترجمة من حيث إنَّه لما كان مشتملًا على بعض أحوال النِّساء، وهنَّ من ذريَّة آدم عليه السلام، والتَّرجمة مشتملةٌ على الذرِّيَّة.
وقد أخرجهُ البخاريُّ في «النكاح» أيضًا [خ¦5184] ، وكذا أخرجهُ مسلمٌ في «النكاح» ، والنسائيُّ في «عِشْرة النساء» .