3340 - (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ) هو إسحاق بنُ إبراهيم بن نصر،
ج 15 ص 39
أبو إبراهيم السَّعدي البخاري، وكان ينزلُ بالمدينة بباب سَعْد، فالبخاري تارة يقول إسحاق بنُ نصر، فينسبه إلى جدِّه، وتارةً يقول إسحاق بن إبراهيم بن نصر، فينسبه إلى أبيه، وهو من أفراده.
(حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ) الطَّنافسي الحنفيُّ الإيادي الأجدب الكوفي، قال (حَدَّثَنَا أَبُو حَيَّانَ) بفتح المهملة وتشديد المثناة التحتية، يحيى بن سعيد بن حيَّان التيمي (عَنْ أَبِي زُرْعَةَ) بضم الزاي وسكون الراء وبالعين المهملة، واسمه هَرِمُ بنُ عَمرِو بن جريرِ بن عبد الله البَجلي.
(عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أنَّه (قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي دَعْوَةٍ) بفتح الدال؛ أي في ضيافة، وبكسرها في النَّسب، وبضمها في الحرب (فَرُفِعَ إِلَيْهِ الذِّرَاعُ) على البناء للمفعول. قال ابن التِّين والصَّواب رفعت، وكذا في الأصول ، إلا أنَّه جاز في المؤنث الذي لا فرج له تذكيره وتأنيثه، والذِّراع كذلك، ولذلك قال (وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ) يعني وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم تعجبه الذِّراع ويُحِبُّها، وكانت محبَّته لها لنضجها، وسرعةِ استمرائها مع زيادة لذَّتها وحلاوة مَذاقها، وبُعْدِهَا عن مواضعِ الأذى.
(فَنَهَشَ مِنْهَا نَهْشَةً) بالإعجام، وفي بعض الأصول بالإهمال، وكلاهما صحيحٌ، فالنَّهس، بالمهملة الأخذ بأطراف الأسنان، وبالمعجمة الأخذ بالأضراس. وقال القزاز النهش أخذ اللحم بالأسنان. وقيل هو القبض على اللَّحم، ونثرهِ عند أكله. وقال الأصمعيُّ هما واحدٌ، وهو أخذ اللَّحم بالفم، وخالفه أبو زيد، فذكر ما ذكرناه.
(وَقَالَ أَنَا سَيِّدُ الْقَوْمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أي الذي يفوق قومه، ويُفْزَعُ إليه في الشدائد، وخُصَّ يوم القيامة؛ لارتفاع سؤددهِ، وتسليم جميعهم له، ولكون آدم وجميع ولده تحت لوائهِ، ذكره القاضِي عياض.
وقال الكِرمانيُّ وتقييدُ سيادته بيوم القيامة لا يُنافي السِّيادة في الدُّنيا، وإنما خصَّه به؛ لأنَّ هذه القصة قصة يوم القيامة، وإذا كان هو سيدًا يوم القيامة، وهو أعظمُ من الدُّنيا، فبالأولى أن يكون سيِّدًا في الدنيا أيضًا.
ج 15 ص 40
فإن قيل قال صلى الله عليه وسلم (( لا تخيروا بين الأنبياء ) )، وقال (( لا تفضِّلوني على يونس بن متَّى عليه السلام ) )، فكيف قال ذلك؟
فالجواب أنَّه كان ذلك قبلَ إعلامه بسيادةِ ولد آدم، والفضائلُ لا تنسخُ إجماعًا، فبقيت القَبْلِيَّة، والذي قال في يونس من باب التَّواضع. وقد قيل إنَّ المنع في ذات النُّبوة والرِّسالة، فإنَّ الأنبياء عليهم السلام فيها على حدٍّ واحدٍ، إذ هي شيءٌ واحدٌ لا تفاضل فيها، وإنما التَّفاضل في زيادة الأحوال والكرامات والرُّتَبِ والأَلْطَاف.
(هَلْ تَدْرُونَ بِمَنْ يَجْمَعُ اللَّهُ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ) أي أرض واسعة مستويةٍ (فَيُبْصِرُهُمُ النَّاظِرُ) أي يحيط بهم بصرُ النَّاظر لا يخفى عليه منهم شيءٌ؛ لاستواءِ الأرض، وعدم الحِجَاب. ويُروى (( فيَنفذ البصر ) )بفتح الياء وبالذال المعجمة على الأكثر، ويروى بضم الياء. وقال أبو عُبيد معناه ينفذهم بصر الرَّحمن حتى يأتي عليهم كلَّهم. قال العينيُّ وهو كنايةٌ عن استيعابهم بالعلم، والله لا يخفى عليه شيءٌ، والصَّواب قول مَن قال فيبصرُ النَّاظر من الخلق. وعن أبي حاتم إنما هو بدال مهملة؛ أي يبلغ أولهم وآخرهم. وقال ابنُ الأثير والصَّحيح فتح الياء مع الإعجام.
(وَيُسْمِعُهُمُ) بضم الياء من الإسماع (الدَّاعِي، وَتَدْنُو مِنْهُمُ الشَّمْسُ، فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ أَلاَ تَرَوْنَ إِلَى مَا أَنْتُمْ فِيهِ، إِلَى مَا بَلَغَكُمْ؟) بدل من قوله (( إلى ما أنتم فيه ) ) (أَلاَ تَنْظُرُونَ) كلمة ألا في الموضعين للعرض، والتَّحضيض، وهي بفتح الهمزة وتخفيف اللام (إِلَى مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ، فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ أَبُوكُمْ آدَمُ، فَيَأْتُونَهُ فَيَقُولُونَ يَا آدَمُ أَنْتَ أَبُو الْبَشَرِ، خَلَقَكَ اللهُ بِيَدِهِ، وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ) الإضافة إلى الله؛ لتعظيم المضاف وتشريفه كقولهم عبد الخليفة كذا.
(وَأَمَرَ الْمَلاَئِكَةَ فَسَجَدُوا لَكَ، وَأَسْكَنَكَ الْجَنَّةَ، أَلاَ تَشْفَعُ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلاَ تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ وَمَا بَلَغَنَا؟) بفتح الغين هو الصَّحيح؛ لأنَّه تقدم ما بلغكم، ولو كان بسكون الغين
ج 15 ص 41
لقال بلغهم، وقيل بالسكون، وله وجه.
(فَيَقُولُ رَبِّي غَضِبَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلاَ يَغْضَبُ بَعْدَهُ مِثْلَهُ) المراد من الغضب لازمه وهو إرادةُ إيصال العذاب. وقال النَّووي المراد من غضبِ الله ما يظهر من انتقامه فيمن عصاهُ، وما يشاهده أهل الجمع من الأهوال التي لم تكن ولا يكون مثلها، ولا شك أنَّه لم يقعْ قبل ذلك اليوم مثله، ولا يكون بعده مثله.
(وَنَهَانِي عَنِ الشَّجَرَةِ فَعَصَيْتُهُ، نَفْسِي نَفْسِي) أي نفسي هي التي تستحقُّ أن يُشْفَعَ لها، إذ المبتدأ والخبر إذا كانا متَّحدين، فالمراد بعض لوازمه، أو قوله (( نفسي ) )مبتدأ، والخبر محذوفٌ.
(اذْهَبُوا إِلَى غَيْرِي، اذْهَبُوا إِلَى نُوحٍ) بيان لقوله (( اذهبوا إلى غيري ) ) (فَيَأْتُونَ نُوْحًا، فَيَقُولُونَ يَا نُوحُ، أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ) وإنما قالوا له ذلك؛ لأنهَّ آدم الثَّاني، أو لأنَّه أوَّلُ رسولٍ هَلَكَ قومُه، أو لأنَّ آدم ونحوه خرج بقوله إلى أهلِ الأرض؛ لأنَّها لم يكن لها أهلٌ حينئذ، أو لأنَّ رسالته كانت بمنزلة التربية للأولاد. وفي «التوضيح» قولهم (( أنت أوَّل الرسل إلى أهل الأرض ) )هو الصَّحيح، قاله الدَّاودي.
وروي أنَّ آدم عليه السلام نبيٌّ رسولٌ. وقد رويَ في ذلك حديث عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وقيل هو نبي، وليس برسولٍ، وقيل رسولٌ وليس بنبي. انتهى. وقال ابن بطَّال آدم ليس برسولٍ، نقله عنه الكرماني. قال العينيُّ الصَّحيح أنَّه نبي رسولٌ، وقد نزل عليه جبريل، وأنزلَ عليه صحفًا، وعلَّم أولاده الشَّرائع. وقولُ ابنِ بطَّالٍ غيرُ صحيحٍ. وأمَّا قول مَن قال إنَّه رسول، وليس بنبيٍّ، فظاهر الفساد؛ لأنَّ كلَّ رسولٍ نبي، ومن لازمِ الرِّسالة النبوة. انتهى.
وقال الحافظُ العسقلاني أمَّا كونه أوَّلَ الرُّسل فقد استشكل بأن آدم كان نبيًا، وبالضَّرورة يعلم أنَّه كان على شَرِيْعَةٍ من العبادة، وأنَّ أولاده أخذوا ذلك عنه.
فعلى هذا فهو رسولٌ إليهم، فيكون هو أوَّل الرُّسل، فيحتمل أن تكون الأوَّلية في قول أهل الموقف
ج 15 ص 42
لنوح عليه السلام مقيدةٌ بقولهم (( إلى أهل الأرض ) )؛ لأنَّه في زمن آدم لم يكن للأرضِ أهل، أو لأنَّ رسالة آدم إلى أولاده كانت كالتَّربية للأولاد.
واستشكلَه بعضُهم بإدريس، ولا يرد؛ لأنَّه اختلف في كونه جدًّا لنوح عليه السلام.
(وَسَمَّاكَ اللهُ عَبْدًا شَكُورًا) قال تعالى {إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا} [الإسراء 3] . وروى عبد الرَّزَّاق بسند مقطوعٍ «أنَّ نوحًا عليه السلام كان إذا ذهبَ إلى الغائط قال الحمدُ لله الذري رَزقني لذَّته، وأبقى فيَّ قوَّته، وأذهبَ عنِّي أذاه» .
(أَمَا تَرَى) بفتح الهمزة وتخفيف الميم، وهي حرفُ استفتاحٍ بمنزلة ألا، وكلمة ألا بعدها في الموضعين للعَرْضِ والتَّحضيض.
(إِلَى مَا بَلَغَنَا، أَلاَ تَشْفَعُ لَنَا إِلَى رَبِّكَ؟ فَيَقُولُ رَبِّي غَضِبَ الْيَوْمَ غَضَبًا لَمْ يَغْضَبْ قَبْلَهُ مِثْلَهُ، وَلاَ يَغْضَبُ بَعْدَهُ مِثْلَهُ، نَفْسِي نَفْسِي، ائْتُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، بَيَّن ذلك بقوله (فَيَأْتُونِي) أصله فيأتونني، حذف نون الجمع بلا جازمٍ ولا ناصِبٍ لغة.
(فَأَسْجُدُ تَحْتَ الْعَرْشِ، فَيُقَالُ يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ) على البناء للمفعول من التَّشفيع، وهو قبولُ الشَّفاعة (وَسَلْ تُعْطَهُ) هو على البناء للمفعول أيضًا من الإعطاء (قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ لاَ أَحْفَظُ سَائِرَهُ) أي باقي الحديث؛ لأنَّه مطول، عُلِمَ من سائر الرِّوايات، وقد بيَّنها غيرُه وحفظها.
حتَّى قال ابنُ التِّين وقول نوح ائتوا النَّبي وَهَمٌ؛ إنما دلَّهم على إبراهيم عليه السلام، وإبراهيم دلَّهم على موسى عليه السلام، وموسى دلَّهم على عيسى عليه السلام، وعيسى دلَّهم على نبينا صلى الله عليه وسلم.
وذكر الغزاليُّ رحمه الله أنَّ بين إتيانهم من آدم إلى نوحٍ عليهما السلام ألف سنة، وكذا كلُّ نبيٍّ حتى يأتوا نبينا صلى الله عليه وسلم. قال والرُّسل يوم القيامة على منابر، والعلماء العاملون على كراسي، وهم رؤساء أهلِ المحشر، ومن يشفع للنَّاس منهم رؤساء أتباع الرُّسل، وأوَّل الشُّفعاء يوم القيامة نبينا صلى الله عليه وسلم. فإن قيل روى أبو الزَّعراء عن ابن مسعود رضي الله عنه
ج 15 ص 43
نبيكم رابعُ أربعةٍ جبريل، ثمَّ إبراهيم، ثمَّ موسى، وعيسى عليهم السلام، ثمَّ «نبيكم صلى الله عليه وسلم» . فالجواب أنَّه قال البخاري أبو الزَّعراء لا يُتَابَع عليه، والمشهورُ المعروف أنَّ نبينا صلى الله عليه وسلم هو أوَّل شافع.
ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرةٌ.
وقد أخرجه البُخاري في التَّفسير أيضًا [خ¦4712] ، وأخرجه مسلم في الإيمان، والترمذيُّ في الزُّهد والأطعمة، والنَّسائي في الوليمة والتفسير، وابن ماجه في الأطعمة.