3356 - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ) قال (أَخْبَرَنَا مُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقُرَشِيُّ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرَّحمن بن هرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أنَّه (قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اخْتَتَنَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، وَهْوَ ابْنُ ثَمَانِينَ سَنَةً) جملة حالية. قال القاضي عياض جاء في هذا الحديث من رواية مالك والأوزاعي، وهو ابنُ مائة وعشرين سنة، وعاش بعد ذلك ثمانين سنة. وقال ابنُ قتيبة عاش مائة وسبعين سنة، وقد مرَّ الخلاف فيه فيما مضى عن قريب [خ¦3349] (بِالْقَدُومِ) في رواية الأَصيلي والقَابِسي بالتشديد. وقال الكِرماني رُوي بتخفيف الدال وتشديدها، فقيل آلة النَّجار، يقال لها القَدُوْم، بالتخفيف لا غير. وأمَّا القدوم الذي هو مكان بالشَّام ففيه التشديد والتخفيف، فمن رواه بالتشديد أراد القرية، وما روي بالتخفيف فيحتمل القرية والآلة، والأكثرون على التخفيف وإرادة الآلة. انتهى.
وقال النَّووي لم يختلف الرُّواة على مسلم في التخفيف، وأنكر يعقوبُ بن شيبة التَّشديد أصلًا، واختلف في المراد به فقيل هو اسم مكان، وقيل اسم آلة النَّجار وهو بالتخفيف لا غير، وعلى الأوَّل فيه اللغتان، هذا قول الأكثر، وعكسه الدَّاودي، ثم قيل هي قرية بالشَّام، وقيل هو مقيل لإبراهيم عليه السَّلام.
وقال الحازمي بالتخفيف قرية كانت عند حلب، وقيل هو اسم مجلس إبراهيم بحلب. وقال ثعلب هو اسم موضع. وقال ابن وضَّاح هو جبل بالمدينة. وقال ابن دريد قَدوم بالفتح والتخفيف ثنية بالسراة، وكذا قال البكري. وحكى البكري عن محمَّد بن جعفر اللُّغوي أنَّ المكان مشدَّد لا تدخله الألف واللام، ومن رواه في حديث إبراهيم، فإنما عنى به الآلة.
وقال الجوهري القدوم الذي يُنْحَت به، مخفف، ولا تقول قدوم بالتشديد. وقال ابن السِّكيت والجمع قُدُم، والرَّاجح أنَّ المراد في الحديث الآلة؛ فقد روى أبو يعلى من طريق علي بن رباح قال أُمِرَ إبراهيمُ بالختان، فاختَتنَ بالقَدوم، فاشتدَّ عليه، فأوحى الله إليه عَمِلْتَ قبل أن نأمرُكَ بآلتهِ، فقال يا ربِّ، كرهتُ أن أُؤخِّر أمْرَك.
ولمَّا اختتنَ إبراهيم عليه السَّلام صار الختان سنَّة معمولًا بها في ذرِّيته،
ج 15 ص 112
وهو حكم التَّوراة على بني إسرائيل كلِّهم، ولم يزالوا يختتنون إلى زمن عيسى عليه السَّلام، فغيَّرت طائفة من النَّصارى ما جاء في التَّوراة من ذلك، وقالوا المقصود غُلْفَةُ القَلْبِ لا غُلْفَةُ الذَّكَر، فتركوا المشروع من الختان بضربٍ من الهذيان. وهو عند الشَّافعي واجب. وعند أكثر العلماء سنَّة، وإنَّما يجب بعد البلوغ، ويستحب في السَّابع، ومحلُّه الفروع.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرة.
- (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بن نافع الحمصي، قال (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة الحمصي، قال (أَخْبَرَنَا أَبُو الزِّنَادِ) عبد الله بن ذكوان (وَقَالَ بِالْقَدُومِ مُخَفَّفَةً) يعني روى أبو الزناد بالقَدُوم حال كونها مخففة الدال. وقال القرطبي أكثر الرُّواة على أنَّه بالتخفيف؛ يعنى به الآلة، وهو قول أكثر أهل اللُّغة أيضًا في الآلة. قال يعقوب بنُ شيبة الآلة، لا تُشَدَّد.
واعلم أنَّ قوله (( حدَّثنا أبو اليمان ... إلى قوله مخففة ) )وقع في بعض النسخ بعد قوله (( ورواه محمَّد بن عمرو، عن أبي سلمة ) )، وفي نسختنا كما في نسخة العيني وقع كما تراه، فلذلك جعلنا متابعة عبد الرَّحمن بن إسحاق، ومتابعة عجلان، ورواية محمَّد بن عَمرو لشعيب الذي روى عنه أبو اليمان في التخفيف.
وأمَّا على تلك النسخة، فتكون المتابعتان لقُتيبة بن سعيد في كون عمر إبراهيم عليه السَّلام حين اختتن ثمانين سنة، وينبغي التَّنبيه في هذا الموضع حتى لا يختلطَ الكلام، والله أعلم بالمرام.
(تَابَعَهُ) أي تابع شعيبًا (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ) بن عبد الله الثَّقفي المدني، وفيه مقالٌ، استشهدَ به البخاري، وروى له في الأدب (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) وصل هذه المتابعة مُسَدَّد في «مسنده» عن بِشر بن المفضَّل عنه، ولفظه (( اختتن إبراهيمُ بعد ما مرَّت به ثمانون واختتن بالقَدُوم ) )يعني مخففة. وقال النَّووي لم يختلف الرواة عند مسلم بالتخفيف.
(وَتَابَعَهُ) أي تابع شعيبًا، أو عبدَ الرَّحمن بن إسحاق (عَجْلاَنُ) مولى فاطمة بنت عتبة بن ربيعة القرشي، والد محمَّد بن عجلان (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) وهذه المتابعة وصلها أحمد، عن يحيى القطان، عن محمَّد بن عجلان، عن أبيه عجلان، عن أبي هريرة رضي الله عنه.
ج 15 ص 113
(وَرَوَاهُ) أي وروى الحديث المذكور (مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) أي ابن عبد الرَّحمن بن عوف رضي الله عنه. ووصله أبو يعلى في «مسنده» من هذا الوجه، ولفظه (( اختتن إبراهيمُ عليه السَّلام على رأس ثمانين سنة ) )، فاتَّفقت هذه الرِّوايات على أنَّه كان ابنُ ثمانين سنة عند اختتانه. ووقع في «الموطَّأ» موقوفًا عن أبي هريرة رضي الله عنه. وعند ابن حبَّان مرفوعًا (( أنَّ إبراهيم اختتن وهو ابنُ مائة وعشرين سنة ) ).
والظَّاهر أنَّه سقطَ من المتن شيءٌ، فإن هذا المقدار مقدار عمره، قاله الحافظ العسقلاني، والله تعالى أعلم.