3357 - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ تَلِيْدٍ) بفتح المثناة الفوقية وكسر اللام وسكون التحتية وآخره دال مهملة، وهو سعيدُ بن عيسى بن تليد، أبو عثمان (الرُّعَيْنِيُّ) بضم الراء وفتح المهملة وإسكان التحتية وبالنون، البصري المشهور، مات سنة سبع عشرة ومائتين، وهو من أفراده، أنَّه قال (أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ) هو عبدُ الله بن وَهْبٍ المصري (قَالَ أَخْبَرَنِي جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ) بالزاي (عَنْ أَيُّوبَ) السَّختياني (عَنْ مُحَمَّدٍ) أي ابن سيرين (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ إِلاَّ ثَلاَثًا) أي ثلاث كذبات، كما في الطريق الثاني.
3358 - (ح) تحويل من سند إلى آخر (وَحَدَّثَنَا) الأَولى ترك الواو مع حاء التَّحويل (مُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبٍ) ضدُّ مبغوض، أبو عبد الله البصري، قال (أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ إِلَّا ثَلاَثَ كَذَبَاتٍ) قال أبو البقاء الجيِّد أن يقال بفتح الذال في الجمع؛ لأنَّه جمع كَذْبة، بسكون الذال، وهو اسمٌ لا صفة؛ لأنَّك تقول كَذَبَ كَذْبة، كما تقول رَكَعَ رَكْعَة، ولو كان صفة يسكن في الجمع.
وقد استشكلَ هذا الحصر في ثلاث؛ لأنَّه جاء في رواية مسلم من حديث أبي زُرْعة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال «أتُيَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يومًا بلحم، فرُفِعَ إليه الذِّراعُ» ، الحديث.
وهو حديثٌ طويل في الشَّفاعة وفيه (( اذهبوا إلى إبراهيم فيأتون إبراهيم ) )الحديث وذكر كذباتهِ، ثمَّ ساقه من طريق أخرى من هذا الوجه، وقال في آخره وزاد في قصَّة إبراهيم (( وذكر قوله في الكوكب {هَذَا رَبِّي} ، وقوله لآلهتهم {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} ، وقوله
ج 15 ص 114
{إِنِّي سَقِيمٌ} )) .
وجه الاستشكال أنَّ ذِكْرَ الكَوْكَبِ يقتضي أنَّ كَذَبَاته أربع، وهو يعارضُ الحصر في حديث الباب.
وقال الحافظُ العسقلاني الذي يظهرُ أنَّه وهم من بعض الرُّواة، فإنَّه ذكر قوله في الكوكب بدل قوله في سارة، والذي اتَّفقت عليه الطُّرق ذِكْرُ سارة دونَ الكوكب، وكأنَّه لم يُعَدْ، مع أنَّه أَدْخَلَ مِن ذِكْرِ سارةَ لِمَا نُقِلَ أنَّه قال ذلك في حال الطُّفولِيَّة فلم يَعُدَّها؛ لأنَّ حال الطُّفولية ليست بحال تكليفٍ، كما قاله ابن إسحاق.
وقيل إنما قال ذلك بعد البلوغ، لكنَّه قال على طريق الاستفهام الذي يُقصدُ به التَّوبيخ، أو التَّهكم، وقيل قاله على طريق الاحتجاج على قومه تنبيهًا على أنَّ الذي يتغيَّر لا يصلح للرُّبوبية، وهذا قول الأكثر أنَّه قال قاله توبيخًا لقومه، أو تهكمًا بهم، وهو المُعْتَمدُ، وكلُّ ذلك لا يطلق عليه الكذب، ولهذا لم يُعَدَّ في الكَذَبَات، وأمَّا وجه إطلاق الكذب على الأمور الثلاثة؛ فلكونه قال قولًا يعتقده السَّامع كذبًا، لكنَّه إذا حقَّق لم يكن كذبًا؛ لأنَّه من باب المعاريض المحتملة للأمرين، فليس بكذبٍ محضٍ.
قال الماورديُّ أمَّا الكذبُ فيما طريقه البلاغ عن الله عزَّ وجلَّ، فالأنبياء عليهم السلام معصومون عنه، وأمَّا في غيره، فالصَّحيح امتناعُه فيؤوَّلُ ذلك بأنَّه كذبٌ بالنسبة إلى السَّامعين، أمَّا في نفس الأمر فلا، إذ معنى {إِنِّي سَقِيمٌ} سأسقم؛ لأنَّ الإنسان عرضة للأسقامِ، واسم الفاعل يستعملُ بمعنى المستقبل كثيرًا، ويحتمل أنَّه أراد إني سقيمٌ بما قُدِّر علي من الموت، أو سقيمُ الحجَّة على الخروج معكم.
وحكى النَّووي عن بعضهم أنَّه كان تأخذُه الحمَّى في ذلك الوقت، وهو بعيدٌ؛ لأنَّه لو كان كذلك لم يكن كذبًا لا تصريحًا ولا تعريضًا، وأما قوله {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} فقال القرطبي قاله ممهدًا للاستدلال على أنَّ الأصنام ليست بآلهة، وقطعًا لقومه في قولهم إنَّها تضرُّ وتنفعُ، وهذا الاستدلال يتجوَّز فيه الشَّرط المتَّصل، ولهذا أردف قوله {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ} بقوله {فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ} [الأنبياء 63] .
قال ابنُ قتيبة معناه إن كانوا ينطقون فقد فعلَه كبيرهم هذا، فالحاصل أنَّه مشروط بقوله
ج 15 ص 115
{إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ} ، ويحتمل أنَّه أسند إليه ذلك؛ لكونه السبب لذلك.
وعن الكسائي أنَّه كان يقف عند قوله بل فعله؛ أي فَعَلَه مَن فَعَلَه كائنًا من كان، وكبيرهم هذا مبتدأ وخبر مستقلٌّ، ولا يخفى تكلُّفه، وأمَّا قوله (هَذِهِ أُخْتِي) فيُعْتَذَرُ عنه بأنَّ مرادهَ أنَّها أخته في الإسلام، كما سيأتي واضحًا.
قال ابنُ عقيل دَلالة العقل تصرف إطلاق الكذب على إبراهيم عليه السَّلام، وذلك أنَّ العقل قطع بأنَّ الرَّسول ينبغي أن يكون موثوقًا به؛ ليُعْلَم صدقُ ما جاء به عن الله عزَّ وجلَّ، ولا ثقةَ مع تجويز الكذب عليه، فكيف مع وجود الكذب منه، وإنما أطلقَ عليه ذلك؛ لكونه بصورةِ الكذب عند السَّامع، وعلى كلِّ تقديرٍ فلم يصدر ذلك؛ أي ما يُطلق عليه الكذب، وإن لم يكن في الحقيقة كذلك من إبراهيم عليه السَّلام إلَّا في حال شدَّة الخوف؛ لعلوِّ مقامهِ، وإلَّا فالكذبُ المحضُ في مثل تلك المقامات يجوز، وقد يجبُ لتحمل أخفِّ الضَّررين دفعًا لأعظمها.
فقد اتَّفق الفقهاء على أنَّ الكذب جائزٌ، بل واجب في بعض المقامات، كما أنَّه لو طلب ظالم وديعة؛ ليأخذها غصبًا وجبَ على المودع عنده أن يكذبَ بمثل أنَّه لا يعلم موضِعَها، بل يحلفُ عليه، والله تعالى أعلم.
(ثِنْتَيْنِ مِنْهُنَّ فِي ذَاتِ اللَّهِ) أي كذبتين من هذه الكذبات الثَّلاث كانتا في ذات الله؛ أي لأجله، وإنَّما خصَّ هاتين الثنتين بأنَّهما في ذات الله تعالى؛ لأن قصَّة سارة وإن كانت أيضًا في ذات الله، لكنها تضمَّنت حظًّا لنفسه، ونفعًا له، بخلاف الثنتين الأخريين، فإنَّهما كانتا في ذات الله محضًا.
وقد وقع في رواية هشام بن حسَّان (( أنَّ إبراهيم لم يكذب قط إلَّا ثلاث كَذَبَات كلُّ ذلك في ذات الله تعالى ) ). وعند أحمد من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما (( والله إن جادل بهنَّ إلَّا عن دين الله ) ).
(قَوْلُهُ {إِنِّي سَقِيْمٌ} وَقَوْلُهُ {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيْرُهُمْ} ) بيان للثنتين المذكورتين، وأمَّا قوله {إِنِّيْ سَقِيْمٌ} فقاله حين خرجوا إلى معيدهم؛ لئلا يخرجوه معهم، فإنَّه كان أغلب أسقامهم الطَّاعون، وكانوا يخافون العدوى، فلذلك تولوا عنه مُدبرين، فذهبَ إلى
ج 15 ص 116
آلهتهم في خفية ففعل ما فعل. وأمَّا قوله {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيْرُهُمْ} فقاله حين جعل أصنامهم جذاذًا؛ أي قُطَاعًَا، إلا كبيرًا للأصنام استبقاه وكسر غيره، وقالوا له {مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآَلِهَتِنَا} وقالوا {سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ} ، وقالوا له {أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآَلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ*قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} .
(وَقَالَ بَيْنَا هُوَ) أي إبراهيم عليه السَّلام (ذَاتَ يَوْمٍ وَسَارَة) أي ومعه سارة، بتخفيف الراء، أم إسحاق عليه السَّلام (إِذْ أَتَى) جواب بينا؛ أي إذ أتى إبراهيم (عَلَى جَبَّارٍ مِنَ الجَبَابِرَةِ) يعني مرَّ عليه، وفي رواية مسلم (( وواحدة في شأن سارة ) )أي وخصلة واحدة من الثَّلاث المذكورة في شأن سارة، فإنَّه قَدِمَ أرضَ جبَّار ومعه سارَة، وكانت أحسنَ النَّاس، واسم هذا الجبَّار عَمرو بن امرئ القيس بن سبأ، وكان على مصر، ذكره السُّهيلي، وهو قول ابن هشام في «التيجان» .
وقيل اسمه صادوف، بالفاء، حكاه ابنُ قتيبة، وأنَّه كان على الأردن، وقيل سفيان بن علوان بن عبيد بن عويج بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح عليه السَّلام، حكاه الطَّبري. ويقال إنَّه أخو الضَّحَّاك الذي ملك الأقاليم، وقيل إنَّه ملك حران.
وقال علماء السير أقام إبراهيم بالشَّام مدَّة فقحط الشام، فسار إلى مصر ومعه سارة، وكان بها فرعون وهو أوَّل الفراعنة عاش دهرًا طويلًا، فأتى إليه رجلٌ، وقال إنَّه قدم رجل ومعه امرأة من أحسن الناس، وجَرَى لَه مَعَهُ ما ذُكِرَ في الحديث.
(فَقِيلَ لَهُ إِنَّ هَاهُنَا رَجُلًا) كذا في رواية المُسْتملي، وفي رواية غيره (مَعَهُ امْرَأَةٌ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ) وفي «صحيح مسلم» في حديث الإسراء الطَّويل من رواية ثابت، عن أنس رضي الله عنه في ذكر يوسف (( أُعْطِيَ شَطْرَ الحُسْن ) ). زاد أبو يعلى من هذا الوجه (( أُعطِي يوسفُ وأمُّه شطرَ الحُسن ) )يعني سارة. وفي رواية الأعرج الماضية في أواخر البيوع [خ¦2217] (( هاجر إبراهيم بسارة فدخلَ بها قرية فيها ملك، أو جبَّار، فقيل دخلَ إبراهيم بامرأة هي من أحسنِ النَّاس ) ).
واختُلِفَ في والد سارة فقيل اسمه هاران، قيل هو ملك حران، وأنَّ إبراهيم تزوجها
ج 15 ص 117
لما هاجر من بلاد قومه إلى حرَّان، وقيل هي ابنة أخيه، وكان ذلك جائزًا في تلك الشَّريعة، حكاه ابنُ قتيبة والنَّقاش، واستُبْعِدَ، وقيل بل هي بنتُ عمِّه، وتوافق الاسمان، وقد قيل في اسم أبيها توبل.
(فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ) أي أرسل هذا الجبَّارُ إلى إبراهيم عليه السَّلام (فَسَأَلَهُ عَنْهَا، فَقَالَ مَنْ هَذِهِ؟) أي فقال الجبَّار مَنْ هذه المرأة (قَالَ أُخْتِي، فَأَتَى سَارَةَ) هذا ظاهر في أنَّه سأله عنها أولًا، ثمَّ أعلمها بذلك؛ لئلا تكذبه عنده. وفي رواية هشام بن حسان أنَّه قال إنَّ هذا الجبَّار إنْ يعلم أنَّكِ امرأتي يغلبني عليك، فإن سألك فأخبريه أنِّك أختي في الإسلام، فلمَّا دخل أرضَه رآها بعضُ أهل الجبَّار، فأتاه فقال لقد قدمَ أرضك امرأةٌ لا ينبغي لها أن تكون إلَّا لك، فأرسل إليها، الحديث.
فيمكن أن يجمعَ بينهما بأنَّ إبراهيم عليه السَّلام أحسَّ بأن المَلِكَ سيطلبها منه، فأوصاها بما أوصاها، فلمَّا وقع ما خشيه أعاد عليها الوصيَّة واختُلِفَ في السبب الذي حمل إبراهيم عليه السَّلام على هذه الوصيةِ مع أنَّ ذلك الظَّالمَ كان يُريد اغتصابها على نفسها أختًا كانت أو زوجة.
فقيل كان من دين ذلك الملك أن لا يتعرَّض إلَّا لذوات الأزواج، كذا قيل، ويحتاج إلى تتمَّة وهو أنَّ إبراهيم عليه السَّلام أراد دفع أعظم الضَّررين بارتكاب أخفهما، وذلك أنَّ اغتصاب الملك إيَّاها واقعٌ لا محالة، لكن إن علم أنَّ لها زوجًا في الحياة حملته الغيرةُ على قتلهِ وعذابه، أو حَبْسهِ وإضراره، بخلاف ما إذا علم أنَّ لها أخًا، فإنَّ الغيرة حينئذٍ تكون من قِبَلِ الأخِ خاصَّة لا من قِبَلِ المَلِك، فلا يبالي به. وقيل أراد إن علم أنَّكِ امرأتي ألزمني بالطلاق.
(فَقَالَ يَا سَارَةُ، لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وَغَيْرَكِ) قيل يشكلُ عليه كون لوط عليه السَّلام كان معه كما قال تعالى {فَآَمَنَ لَهُ لُوطٌ} [العنكبوت 26] ، ويمكن أن يُجاب بأنَّ مراده بالأرض الأرض التي وقع له فيها ما وقع، ولم يكن لوط معه إذ ذاك. فإن قيل ذكر أهل السِّير أنَّ إبراهيم عليه السَّلام سار إلى مصر ومعه سارة ولوط. فالجواب
ج 15 ص 118
أنَّه يمكن أنَّه سار معه إلى مصر، ولم يدخلها معه، والله تعالى أعلم.
(وَإِنَّ هَذَا سَأَلَنِي فَأَخْبَرْتُهُ أَنَّكِ أُخْتِي، فَلاَ تُكَذِّبِينِي، فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا فَلَمَّا دَخَلَتْ عَلَيْهِ) أي دخلت سارةُ على الجبار (ذَهَبَ يَتَنَاوَلُهَا بِيَدِهِ فَأُخِذَ) على البناء للمفعول؛ أي اختنقَ حتى ركضَ برجله كأنَّه مصروع، كذا في أكثر الرِّوايات، وفي بعضها (( ذهبَ يناولها يده ) ). وفي رواية مسلم (( فأرسل إليها فأُتِىَ بها، فقامَ إبراهيمُ يصلِّي، فلمَّا دخلت عليه لم يتمالك أن بسطَ يدَه إليها فقُبِضَتْ يدُه قبضةً شديدةً ) )، وفي رواية أبي الزِّناد، عن الأعرج من الزيادة (( فقام إليها فقامتْ تَوَضَّأُ وتُصَلِّي، فغُطَّ حتى ركضَ برجله ) ).
وقوله فغُط، بضم المعجمة، والغطُّ صوت النَّائم من شدَّة النَّفخ، وقال ابن التِّين إنَّه ضُبِطَ في بعض الأصول فغَط، بفتح الغين، والصَّواب ضمها، وقوله حتَّى ركضَ برجلهِ؛ يعني أنَّه اختنق حتى صار كأنَّه مصروعٌ، ويمكن الجمع بأنَّه عوقب تارةً بقبض يده وتارةً بانصراعه، وعند أهل السير فلمَّا دخلتْ عليه ورآها أهوى إليها فتناولَ بيده فيَبِستْ، وفي رواية الأعرج المذكورة (( فدعتْ ) )من الدُّعاء، ولفظه (( فقالت اللَّهمَّ إن كنتَ تعلمُ أني آمنت بك وبرسولك وأحصنتُ فرجي إلَّا على زوجي، فلا تسلِّط علي الكافر ) ).
ويجاب عن قولها إن كنت تعلم، مع كونها قاطعة بأنَّه سبحانه وتعالى يَعْلَمُ بأنها ذكرته على سبيل الفرض هضمًا لنفسها.
(فَقَالَ ادْعِي اللَّهَ لِي وَلاَ أَضُرُّكِ، فَدَعَتِ اللَّهَ فَأُطْلِقَ) وفي رواية مسلم (( فقال ادعي الله أن يُطْلِقَ يدي ففَعَلَتْ ) )، وفي رواية أبي الزِّناد المذكورة (( قال أبو سلمة قال أبو هريرة رضي الله عنه قالت اللَّهمَّ إن يمت يقل هي التي قتلته قال فأرسل ) ) (ثُمَّ تَنَاوَلَهَا ثَانِيَة) ويروى بالألف واللام، وفي رواية الأعرج (( فقامتْ تَوَضَّأُ وتُصَلِّي ) ).
(فَأُخِذَ مِثْلَهَا أَوْ أَشَد) وفي رواية مسلم (( فقُبِضت أشدَّ من القبضة الأولى ) ) (فَقَالَ ادْعِي اللَّهَ لِي وَلاَ أَضُرُّكِ، فَدَعَتْ فَأُطْلِق) وعند أهل السير (( فعل ذلك ثلاثًا ) )
ج 15 ص 119
(فَدَعَا بَعْضَ حَجَبَتِه) بفتح المهملة والجيم والموحدة، جمع حاجب، وفي رواية مسلم (( ودعا الذي جاء بها ) ). قال الحافظُ العسقلاني ولم أقف على اسمه (فَقَالَ إَنَّكَ لَمْ تَأْتِنِي بِإنْسَانٍ إِنَّمَا أَتَيْتَنِي بِشَيْطَانٍ) وفي رواية الأعرج (( ما أرسلتُم إلي إلَّا شيطانًا، أرجعوها إلى إبراهيم ) )، وفي رواية مسلم (( إنما جئتني بشيطانٍ ولم تأتني بإنسان فأخْرِجْها من أرضي وأعْطِها هاجر ) )، والمراد من الشَّيطان المتمرِّد من الجنِّ، وكانوا قبل الإسلام يعظِّمون أمر الجنِّ جدًا، ويرون كلَّ ما يقعُ من الخوارق من فِعْلِهم وتصرُّفهم.
(فَأَخْدَمَهَا هَاجَرَ) أي وهبها لها خادمًا اسمها هاجرَ لتخدمها؛ لأنَّه أعظمها أن تخدمَ نفسها، ويقال آجر، وكذلك في بعض روايات مسلم بهمزة بدل الهاء، وهي كذلك في رواية الأعرج أيضًا، والجيم مفتوحة على كلِّ حالٍ، وهو اسم سرياني، ويقال إنَّ أباها كان من ملوك القِبطِ، وأصلها من قريةٍ بأرض مصر، يقال لها حَفْن، بفتح المهملة وسكون الفاء، وهي أمُّ إسماعيل عليه السَّلام.
(فَأَتَتْهُ) أي فأتت سارة إبراهيم عليه السَّلام، وفي رواية الأعرج (( فأقبلتْ تمشي فلمَّا رآها إبراهيم ) ) (وَهُوَ قَائِمٌ) جملة حالية (يُصَلِّي، فَأَوْمَأَ بِيَدِهِ) أي أشار بيده (مَهْيَم) بفتح الميم وسكون الهاء وتخفيف المثناة التحتية المفتوحة وآخره ميم، كذا رواية الأكثرين، وفي رواية المُسْتَملي مقصورًا، وفي رواية ابن السَّكن بنون بدل الميم، وكأنَّ المُسْتَملي لما سَمِعَها بنون ظنَّها نون تنوين، وهي كلمة يستفهمُ بها، معناها ما حالُك وما شأنُك وما الخبر، ويقال إنَّ إبراهيمَ الخليلَ عليه السَّلام أوَّلُ من قال هذه الكلمة.
(قَالَتْ رَدَّ اللَّهُ كَيْدَ الكَافِرِ، أَوِ الفَاجِرِ، فِي نَحْرِه) هذا مَثَلٌ تقوله العرب لمن أراد أمرًا باطلًا فلم يصلْ إليه (وَأَخْدَمَ وَلِيْدَة) أي جارية للخدمة، ويروى ، وفي رواية مسلم (( كفَّ الله يدَ الفاجر وأخدم خادمًا ) )، وفي رواية الأعرج (( أشعرتِ أنَّ الله كبتَ الكافر وأخدمَ وليدة ) )، ومعنى كَبَت، بفتح الكاف والموحدة ثم بمثناة، ردَّه خاسئًا، ويقال أصله كبد؛ أي بلغ الهم كبده ثمَّ أبدلت الدال تاء.
(قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَتِلْكَ) أي تلك الجارية يعني هاجر (أُمُّكُمْ يَا بَنِي مَاءِ السَّمَاء)
ج 15 ص 120
أراد بهم العرب وخاطبهم بذلك؛ لأنَّهم يعيشون بالمطر ويلازمون القلوات التي فيها مواقع القَطْرِ لأجل مواشيهم ورعي دوابهم، ففيه تمسك لمن زعم أنَّ العرب كلِّهم من ولد إسماعيل عليه السَّلام.
قال ابن حبَّان في «صحيحه» كلُّ من كان من ولد إسماعيل يقال له ماء السَّماء؛ لأنَّ إسماعيل عليه السَّلام ولد هاجر وقد ربي بماء زمزم، وهي من ماء السَّماء، وقيل سُمُّوا بذلك لخلوص نسبهم وصفائه، فأشبه ماء السَّماء، وقيل أرادَ بماء السَّماء زمزم؛ لأنَّ الله تعالى لما نبعها لهاجر، فعاش ولدها بها، فصاروا كأنهم أولادها، وعلى هذا فلا متمسك فيه.
وقال القاضي عياض والأظهرُ عندي أنَّه أرادَ بذلك الأنصار، نسبهم إلى جدِّهم عامر ماء السَّماء بن حارثة بن الغطريف بن امرئ القيس البَطْرِيق بن ثعلبة بن مازن بن الأزد بن الغوث بن نَبَت بن مالك بن زيد بن كَهلان بن سَبأ بن يَشْجُبَ بن يعْرُبَ بن قَحطان، وعامر هذا هو جدُّ الأوس والخزرج ابنا حارثة بن ثعلبة بن عَمرو بن عامر ماء السَّماء، وأمُّهما قيلةُ بنت الأرقم بن عَمرو بن حفنة، وقيل قيلة بنت كاهل بن عَذْرة بن سعد بن قضاعة، حكى ذلك ابنُ الكلبيِّ والهمداني.
قال صاحب «التوضيح» ما ذكره القاضي عياض فيه نظرٌ، فإنَّ الأنصار لَيْسُوا مِنْ وَلَدِ إسماعيلَ بنِ هاجر، ولا يُعْلَم لها ولدٌ غيره، ثمَّ إنَّ ما ذُكِرَ من أنَّ العربَ كلَّهم من ولد إسماعيل إنما يتأتَّى على الشَّاذ أنَّ العرب جميعَها من ولد إسماعيل عليه السَّلام إلَّا قبائل استثنيت، والله تعالى أعلم.
ثمَّ إنهم قالوا إنما سمِّي عامر بماء السَّماء؛ لأنَّه كان إذا قحط الناس أقام لهم ماله مقامَ المطر.
وفي الحديث مشروعيَّة أن يقال أخي في غير النَّسب ويراد به الأخوَّة في الإسلام. وفيه إباحةُ المعاريض والرُّخصة في الانقياد للظَّالم. وفيه قبول صلة الملك الظَّالم وقبول هديَّة المشرك. وفيه إجابة الدُّعاء بإخلاص النِّية، وكفاية الرَّب لمن أخلصَ في الدُّعاء بالعمل الصَّالح. وفيه ابتلاء الصَّالحين لرفع درجاتهم. وفيه أنَّ من نابه أمر مهم من الكرب ينبغِي له أن يفزعَ إلى الصَّلاة. وفيه أنَّ الوضوء كان مشروعًا
ج 15 ص 121
للأمم قبلنا، وليس مختصًا بهذه الأمَّة ولا بالأنبياء؛ لثبوت ذلك عن سارة، والجمهور على أنَّها ليست بنبية، وإن ذهب بعضُهم إليه.
فائدة وقد يروى أنَّ الله تعالى كشفَ لإبراهيم عليه السَّلام حتى رأى حال المَلِك مع سارة معاينة، وأنه لم يصل منها إلى شيءٍ.
ومطابقة الحديث للتَّرجمة في قوله (( لم يكذبْ إبراهيم عليه السَّلام ) )، وقد أخرجه البخاريُّ من طريقين الأوَّل عن سعيد بن تليد وصرَّح برفعه، والثاني عن محمَّد بن محبوب وهو غيرُ مرفوع، والحديث في الأصل مرفوع، وأخرجه في النِّكاح أيضًا [خ¦5084] ، وقد مرَّ أيضًا في آخر كتاب البيوع، في باب شراء المملوك من الحربي [خ¦2217] من طريق أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة رضي الله عنه، وليس فيه قضيَّة الكذب، وفيه باقي القصَّة، على اختلاف في المتن بزيادة أو نقصان. وأخرجه مسلم في الفضائل.