3424 - (حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ) بفتح الميم، البجلي الكوفي، قال (حَدَّثَنَا مُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) الحزامي، وليس بالمخزومي، واسم جدِّ الحِزَامي عبدُ الله بن خالد بن حزام، واسم جدِّ المخزومي الحارث بن عبد الله (عَنْ أَبِي الزِّنَادِ) بكسر الزاي وتخفيف النون، عبد الله بن ذكوان (عَنِ الأَعْرَجِ) عبد الرحمن بن هُرمز (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه (قَالَ قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ) عليهما السلام (لأَطُوفَنَّ) وفي رواية الحمُّوْيِ والمُسْتملي
ج 15 ص 323
وهما لغتان. يقال طافَ بالشَّيء، وأطاف به إذا دار حوله وتكرَّر عليه، وهو هنا كنايةٌ عن الجماع، واللام فيه جواب قسمٍ محذوفٍ؛ أي والله لأطوفنَّ، ويؤيِّده قوله في آخرهِ (( لم يحنث ) )لأنَّ الحنث لا يكون إلَّا عن قسم، والقَسَم لا بدَّ له من مُقْسَم به.
(اللَّيْلَةَ) نصب على الظرفية (عَلَى سَبْعِينَ امْرَأَةً) كذا هنا من رواية مغيرة، وفي رواية شعيب، كما سيأتي في الأيمان والنذور فقال [خ¦6639] (( تسعين ) ). وقد ذَكَرَ المصنِّف ذلك عَقِبَ هذا الحديث، ورجَّح تسعين، بتقديم المثناة على سبعين، وذكر أنَّ أبا الزِّناد رواه كذلك، وقد رواه سفيان بن عُيينة عن ابن أبي سفيان فقال سبعين بتقديم السين، وكذا هو في «مسند الحميدي» عن سفيان، وكذا أخرجه مسلم من رواية ورقاء، عن أبي الزناد.
وأخرجه الإسماعيليُّ والنَّسائي وابن حبَّان من طريق هشام بن عروة، عن أبي الزِّناد وقال «مئة امرأةٍ» ، وكذا قال طاوس، عن أبي هريرة رضي الله عنه، كما سيأتي في الأيمان والنذور [خ¦6639] من رواية معمر [خ¦5242] ، وكذا قال أحمد عن عبد الرزاق من رواية هشام بن حجير، عن طاوس «تسعين» ، وسيأتي في كفارة الأيمان [خ¦6720] .
ورواه مسلم عن عبد بن حُميد عن عبد الرَّزَّاق فقال (( سبعين ) )، وسيأتي في التوحيد من رواية أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه (( كان لسليمان ستون امرأة ) ) [خ¦7469] . ورواه أحمدُ وأبو عَوَانة من طريق هشام، عن ابن سيرين فقال «مئة امرأة» ، وكذا قال عمران بن خالد، عن ابن سيرين عند ابن مَرْدويه، وتقدَّم في الجهاد [خ¦2819] من طريق جعفر بن ربيعة، عن الأعرج، فقال «مئة امرأة، أو تسع وتسعين» على الشك.
فمحصل الرِّوايات ستون، وسبعون، وتسعون، وتسع وتسعون، ومائة، والجمع بينهما أنَّ السِّتين كنَّ حرائر، وما زاد عليهنَّ كنَّ سراري، أو بالعكس. وأمَّا السبعون فللمبالغة، وأما التسعون والمائة فكن دون المائة وفوق التسعين فمن قال تسعون،
ج 15 ص 324
ألغى الكسر، ومن قال مائة، جبره، ومن ثمَّة وقع التَّردد في رواية جعفر.
وأمَّا قول بعضِ الشُّرَّاح ليس في ذكر القليل نفيُ الكثير، وهو من مَفهوم العدد، وليس بحجَّة عند الجمهور، فليس بكاف في هذا المقام، وقد حكى وهبُ بن منبِّه في المبتدأ أنَّه كان لسليمان عليه السلام ألفُ امرأة؛ ثلاثمائة مُمَهَّرة وسبعمائة سَرِية.
وروى الحاكم في «المستدرك» من طريق أبي مَعشر، عن محمد بن كعب قال بلغنا أنَّه كان لسليمان عليه السلام ألفُ بيت من قوارير على الخشب فيها ثلاثمائة صَرِيحةٍ وسبعمائةِ سريةٍ.
(تَحْمِلُ كُلُّ امْرَأَةٍ فَارِسًا يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) قاله على سبيل التَّمني للخير، وإنما جزمَ به؛ لأنَّه غلب عليه الرَّجاء لكونه قصدَ به الخيرَ وأَمْرَ الآخرة لا لِغَرض. قال بعضُ السلف نبَّه صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث على أنَّه التَّمني والإعراض عن التَّفويض، قال ولذلك نسيَ الاستثناء ليمضي فيه القدر.
(فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ) وفي رواية (( قل إن شاء الله ) )، وفي رواية معمر عن طاوس على ما سيأتي [خ¦5242] (( فقال له الملك ) ). وفي رواية هشام بن حُجير (( فقال له صاحبه ) )قال سفيان يعني المَلَك. وهذا يدلُّ على أنَّ تفسير صاحبه بالمَلَك ليس بمرفوعٍ، ووقع في «مسند الحميدي» عن سفيان (( فقال له صاحبه، أو الملك ) )بالشَّك، ومثلها لمسلم.
وفي الجملة ففيه ردٌّ على من فسَّر صاحبه بأنَّه الذي عنده عِلْمٌ من الكتاب، وهو آصف، بالمد وكسر المهملة وبالفاء، ابن بَرْخِيا، بفتح الموحدة وسكون الراء وكسر المعجمة بعدها تحتانية.
وقال القرطبيُّ في قوله (( فقال له صاحبه أو الملك ) )إن كان صاحبَه فيعني به وزيرَه من الإنس أو الجنِّ، وإن كان المَلَك فهو الذي يأتيه بالوحي. قال وقد أبعدَ من قال المراد به خاطرُه.
وقال النَّووي قيل المراد بصاحبهِ المَلَكُ، وهو الظَّاهر من لفظه، وقيل القرين، وقيل صاحبٌ له آدمي.
وقال الحافظ العسقلاني ليس بين قوله صاحبه والملك منافاة إلَّا أنَّ لفظ صاحبه أعم فمن ثَمَّةَ نشأ لهم الاحتمال، ولكن الشَّك لا يؤثر في الجزمِ فمن جزمَ بأنَّه المَلَك حجَّة على من لم يجزم.
ج 15 ص 325
(فَلَمْ يَقُلْ) قال القاضي عياض وفي رواية (( فنسي ) ). قال الحافظ العسقلاني وهي رواية ابن عيينة عن شيخيه، وفي رواية معمر (( قال ونسي أن يقول إن شاء الله ) ). ومعنى قوله (( فلم يقل ) )أي بلسانه لا أنه أبى أن يفوِّض إلى الله بل كان ثابتًا في قلبه، لكنَّه نسيَ أن يجريه على لسانهِ.
(فَلَمْ تَحْمِلْ) وزاد في رواية (( فطاف بهنَّ ) )، وفي رواية ابن عيينة (( فأطاف بهنَّ ) ) (شَيْئًا إِلاَّ وَاحِدًا سَاقِطًا شِقُّهُ) ويروى (( إحدى شقيه ) )، وفي رواية شعيب (( فلم تحملْ منهنَّ إلَّا امرأة واحدةٌ جاءتْ بشقِّ رجلٍ ) ). وفي رواية أيُّوب عن ابن سيرين (( ولدت شقَّ غلام ) )، وفي رواية هشام عنه (( نصف إنسان ) )، وهي رواية معمر.
حكى النقاش في «تفسيره» أنَّ الشِّقَّ المذكور هو الجسدُ الذي أُلقي على كرسيِّه، وقد تقدَّم قول غير واحدٍ من المفسِّرين أنَّ المراد بالجسدِ المذكور شيطان.
قال الحافظُ العسقلاني وهو المعتمدُ.
(فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ قَالَهَا) أي لو قال سليمان عليه السلام إن شاء الله (لَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) وفي رواية شعيب (( لو قال إن شاء الله ) )وزاد في آخره (( فرسانًا أجمعون ) )، وفي رواية ابن سيرين (( لو استثنى لحملتْ كلُّ امرأةٍ منهنَّ فولدت فارسًا يقاتلُ في سبيل الله ) )، وفي رواية طاوس (( لو قال إن شاء الله لم يحنث، وكان دَركًا لحاجته ) )، كذا عند المصنف من رواية هشام بن حُجَير [خ¦6720] .
وعند مسلم مثله من رواية مَعمر، وعند المصنف من طريق معمر [خ¦5242] (( وكان أرجى لحاجته ) )وقوله (( دَرَكًا ) )بفتحتين، من الإدراك، وهو كقوله تعالى {لَا تَخَافُ دَرَكًا} أي لحاقًا، والمراد أنَّه كان يحصلُ له ما طلبَ ولا يلزم من إخبارهِ صلى الله عليه وسلم بذلك في حقِّ سليمان عليه السلام في هذه القصَّة أن يقعَ ذلك لكلِّ من استثنى في أمنيتهِ بل في الاستثناء رجاء الوقوع، وفي تركِ الاستثناء خشيةُ عدمِ الوقوع، والله تعالى أعلم.
وفي الحديث قصدُ فِعْلِ الخيرِ وتعاطِي أسبابه، وأنَّ كثيرًا من المباح والملاذ يصيرُ مستحبًا بالنِّيَّة
ج 15 ص 326
والقصد. وفيه استحبابُ الاستثناء لمن قال سأفعلُ كذا، وأنَّ إتباعَ المشيئةِ اليمينَ يرفعُ حُكمها، وهو متَّفق عليه بشرط الاتصال، وسيأتي بيان ذلك في الأيمان والنُّذور [خ¦6639] إن شاء الله تعالى.
وقد استدلَّ بهذا الحديث من قال إنَّ الاستثناء إذا عقب اليمين ولو تخلَّل بينهما شيءٌ يسيرٌ لا يضرُّ؛ فإنَّ الحديث دلَّ على أنَّ سليمان عليه السلام لو قال إن شاءَ الله، عَقِبَ قَوْلِ الملك له قلْ إن شاء الله؛ لأفاد مع التَّخلُّل بين كَلَامَيهِ بمقدارِ كَلَام المَلَك. وأجاب القُرطبي باحتمال أن يكون الملك قال ذلك في أثناءِ كلام سليمان عليه السلام، وهو احتمالٌ ممكنٌ، وإن كان بعيدًا، فسقطَ به الاستدلال المذكور. وفيه أن الاستثناءَ لا يكون إلَّا باللَّفظ ولا يكفي فيه النية، وهو اتِّفاق إلَّا ما حُكي عن بعض المالكية.
وفيه ما خُصَّ به الأنبياءُ من القوَّة على الجِمَاعِ الدال على صحَّة البُنية وقوَّة الفحوليَّة وكمال الرُّجوليَّة مع ما هم فيه من الاشتغالِ بالعبادة والعلوم، وقد وقعَ للنَّبي صلى الله عليه وسلم من ذلك أبلغَ المعجزة؛ لأنَّه مع اشتغالهِ بعبادة ربِّه وعلومهِ ومعالجةِ الخلق وكان مقللًا من المآكل والمشارب، وهو مقتضَ لضعفِ البدن على كثرةِ الجماعِ مع ذلك كان يطوفُ على نسائهِ في ليلةٍ بغُسلٍ واحدٍ وهنَّ إحدى عشرة امرأة، وقد تقدَّم في كتاب الغسل [خ¦284] .
ويقال إنَّ كلَّ من كان أتقى لله فشهوتُه أشدُّ؛ لأنَّ الذي لا يتَّقي يتفرَّج بالنَّظر ونحوه. وفيه جواز الإخبار عن الشَّيء ووقوعه في المستقبلِ بناءً على غلبة الظَّن؛ فإنَّ سليمان عليه السلام جزمَ بما قال ولم يكن ذلك عن وحي وإلَّا لوقع، كذا قيل.
وقال القرطبيُّ لا يُظَنُّ بسليمان عليه السلام أنَّه قطع بذلك على ربِّه إلَّا من جَهِلَ حال الأنبياء عليهم السلام وأدَبَهم مع الله تعالى.
وقال ابنُ الجوزي فإن قيل من أين لسليمان عليه السلام أن يُخْلَقَ من مائه هذا العَدَدُ في ليلةٍ لا جائزٌ أن يكون بوحي؛ لأنَّه ما وَقَعَ، ولا جائزٌ أن يكون الأمر في ذلك إليه؛ لأنَّ الإرادة
ج 15 ص 327
لله تعالى؟
قال والجواب أنَّه من جنس التَّمني على الله والسُّؤال له أن يفعلَ، والقسم عليه كقول أنس بن النَّضر والله لا تُكْسَرُ ثنيَّتُها.
وقال الحافظُ العسقلاني يحتمل أن يكون أُوحي إليه بذلك مقيَّدًا بشرطِ الاستثناء فنسيَ الاستثناء، فلم يقع ذلك لفقدانِ الشَّرط، ومن ثمَّة ساغَ له أوَّلًا أن يحلفَ.
وأبعدَ من استدلَّ به على جوازِ الحلف على غلبةِ الظَّنِّ، وفيه جوازُ السَّهو على الأنبياءِ عليهم السلام وأنَّ ذلك لا يقدحُ في علوِّ منصبهم، وفيه جوازُ إضمار المقسم به في اليمين لقوله (( لأطوفنَّ ) )مع قوله عليه السلام (( لم يحنث ) )فدلَّ على أنَّ اسم الله فيه مقدَّر، فإن قال أحدٌ بجوازِ ذلك، فالحديث حجَّة له بناءً على أنَّ شرعَ من قبلنا شرعٌ لنا إذا وردَ تقريره على لسان الشَّارع، وإن وقعَ الاتِّفاق على عدمِ الجواز، فيحتاج إلى تأويلهِ؛ كأن يُقَال التَّلفظ باسم الله وَقَعَ في الأصل وإن لم يقع في الحكاية، وذلك ليس بممتنعٍ، فإن من قال (( والله لأطوفنَّ ) )قال لأطوفنَّ؛ لأنَّ اللَّافظ بالمركب لافظٌ بالمفرد، وفيه حجَّة لمن قال لا يشترط التَّصريح بمقسم به معيَّن فمن قال أحلفُ، أو أشهدُ، أو نحو ذلك، فهو يمين، وهو قول الحنفية، وقيَّده المالكيَّة بالنية، وقالت الشَّافعية ليست بيمين مطلقًا، وفيه جواز استعمال لو ولولا، وسيأتي الكلام عليه في باب مفرد عَقَدَه له المصنف في أواخر الكتاب إن شاء الله تعالى [خ¦7238 قبل] ، وفيه استعمالُ الكناية في اللَّفظ الذي يُسْتَقْبَحُ ذِكْرُه لقوله (( لأطوفنَّ ) )بدل قوله (( لأجامعنَّ ) ).
ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرةٌ.
(قَالَ شُعَيْبٌ) هو شعيبُ بن أبي حمزة الحمصي (وَابْنُ أَبِي الزِّنَادِ) هو عبدُ الرحمن بن عبد الله بن ذكوان، قال كلاهما في روايتهما (تِسْعِينَ) بدل سبعين، على ما سيأتي في الأيمان والنذور [خ¦6639] (وَهْوَ أَصَحُّ) قال البخاري وهو أصح؛ أي ما روياهُ من «تسعين» أصحُّ من رواية «سبعين» .
ج 15 ص 328