فهرس الكتاب

الصفحة 5516 من 11127

3661 - (حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ) أي ابن نصير أبو الوليد السُّلمي الدِّمشقي، وقد مرَّ في «البيع» [خ¦2078] ، قال (أَخْبَرَنَا صَدَقَةُ بْنُ خَالِدٍ) أبو العبَّاس مولى أمِّ البنين بنت أبي سفيان بن حربٍ أخت معاوية رضي الله عنه الأموي الدَّمشقي، قال (أَخْبَرَنَا زَيْدُ بْنُ وَاقِدٍ) بكسر القاف، القرشي الدِّمشقي ثقةٌ قليلُ الحديث.

وليس له في البُخاري غير هذا الحديث الواحد، مات سنة ثمان وثلاثين ومائة.

(عَنْ بُسْرِ) بضم الموحدة وسكون السين المهملة (ابْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ) الحضرمي الشَّامي (عَنْ عَائِذِ اللَّهِ) بالذال المعجمة، من العوذ (أَبِي إِدْرِيسَ) عبد الله الخَوْلاني _ بفتح الخاء المعجمة وبالنون الشَّامي _ وقد مرَّ في «الإيمان» [خ¦18] ، وفي رواية عبدِ الله بن العلاء بن زيد عند البُخاري في «التفسير» [خ¦4640] حدَّثني بسر بن عُبيد الله حدَّثني أبو إدريس سألتُ أبا الدَّرداء رضي الله عنه.

(عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) واسمه عويمر الأنصاري، أنَّه (قَالَ كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ آخِذًا بِطَرَفِ ثَوْبِهِ، حَتَّى أَبْدَى عَنْ رُكْبَتَيْهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَّا صَاحِبُكُمْ) وفي رواية الكُشميهني بالإفراد (فَقَدْ غَامَرَ) بالغين المعجمة؛ أي خاصمَ ولابس الخُصومة ونحوها من الأمور، والمعنى دخلَ في غمرة الخُصومة، وهي مُعظمها والغامر الَّذي يرمِي بنفسهِ في الأمر العظيم كالحرب وغيره. وقيل هو من الغِمر _ بكسر المعجمة _ وهو الحقدُ؛ أي صنع أمرًا اقتضَى له أن يحقدَ على من صَنعه معه ويحقدُ الآخر عليه، وقيل من المعاجلة؛ أي سارع.

ووقع في «تفسير الأعراف» في رواية أبي ذرٍّ وحده ؛ أي المصنِّف . وذكر القاضِي عياض أنَّه في رواية المستملي وحدَهُ عن أبي ذرٍّ، وهو تفسيرٌ مستغربٌ والأوَّل أظهر.

وقد عزاهُ المحبُّ الطَّبري لأبي عبيدة بن المثنى أيضًا فهو سلف البخاري فيه، وقَسيم قوله (( أمَّا صاحبكم ) )محذوفٌ نحو وأمَّا غيره فلا أعلمه.

(فَسَلَّمَ) بتشديد اللام، من السلام، ووقع في رواية محمد بن المبارك

ج 16 ص 233

عن صدقةَ بن خالد عند أبي نُعيم في «الحلية» (( حتى سلَّم على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ) )ولم يقعْ في الحديث ذكر الرَّد وهو ممَّا يُحذف للعلم به (وَقَالَ إِنِّي كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ ابْنِ الْخَطَّابِ شَيْءٌ) وفي «التفسير» (( بيني وبينه محاورة ) ) [خ¦4640] ، وهو بالحاء المهملة؛ أي مراجعة. وفي حديث أبي أُمامة عند أبي يَعلى (( معاتبة ) ).

(فَأَسْرَعْتُ إِلَيْهِ) وفي «التفسير» (( فأغضب أبو بكر عمرَ، فانصرف عنه مغضبًا فاتبعه أبو بكر ) ) (ثُمَّ نَدِمْتُ) زاد محمدُ بن المبارك (( على ما كان ) ).

(فَسَأَلْتُهُ أَنْ يَغْفِرَ لِي) وفي «التفسير» «أن يستغفرَ له، فلم يفعلْ حتى أغلقَ بابه في وجهه» (فَأَبَى عَلَيَّ) زاد محمد بن المبارك (( فتبعتُه إلى البقيعِ حتى خرجَ من داره ) ).

(فَأَقْبَلْتُ إِلَيْكَ، فَقَالَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ ثَلاَثًا) أي أعاد هذه الكلمةَ ثلاث مرات (ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ نَدِمَ فَأَتَى مَنْزِلَ أَبِي بَكْرٍ، فَسَأَلَ أَثَمَّه) بفتح المثلثة وتشديد الميم والهمزة للاستفهام؛ أي أهنا (أَبُو بَكْرٍ؟ قَالُوا لاَ، فَأَتَى إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَلَّمَ، فَجَعَلَ وَجْهُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَمَعَّرُ) بالعين المهملة المشددة؛ أي يذهب نضارتهُ من الغضبِ، وأصله من المعرِ وهو الجدبُ، يقال أمعر المكان إذا أجدبَ، ويقال معناه يتغيَّر لونه من الضَّجر، ويُقال ذهب رونقه حتى صار كالمكان الأمعر. وفي «التفسير» «وغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم» .

وفي حديث أبي أُمامة عند أبي يَعلى في نحو هذه القصَّة فجلس عمر رضي الله عنه فأعرضَ عنه؛ أي النَّبي صلى الله عليه وسلم ثم تحوَّل فجلسَ بين يديهِ فأعرض عنه، فقال يا رسول الله ما أرى إعراضَك إلَّا لشيءٍ بلغك عنِّي فما خيرُ حياتي وأنت معرِضٌ عنِّي، فقال (( أنت الَّذي اعتذرَ إليك أبو بكر فلم تقبلْ منه ) ).

ووقع في حديث ابنِ عمر رضي الله عنهما عند الطَّبراني في نحو هذه القصَّة سألك أخوك أن تستغفرَ له فلا تفعل، فقال والذي بعثك بالحقِّ ما من مرَّة سألني إلَّا وأنا أستغفرُ له، وما خلقَ الله من أحد أحبَّ إليَّ منه بعدك، فقال أبو بكر رضي الله عنه وأنا والذي بعثك بالحقِّ كذلك.

ج 16 ص 234

(حَتَّى أَشْفَقَ أَبُو بَكْرٍ) أي حتى خافَ أبو بكر رضي الله عنه، وزاد محمد بن المبارك «أن يكون من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمر ما يكره» .

(فَجَثَا) بالجيم والمثلثة؛ أي برك (عَلَى رُكْبَتَيْهِ، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ أَنَا كُنْتُ أَظْلَمَ) أي من عمر رضي الله عنه في القصَّة المذكورة، وإنَّما قال ذلك القول لأنَّه الذي بدأ، كما تقدَّم في أوَّل القصَّة (مَرَّتَيْنِ) أي قال ذلك القول مرَّتين، ويحتمل أنَّه من قول أبي بكر رضي الله عنه فيكون معلَّقًا بقوله (( كنتُ أظلم ) ). قال الكرمانيُّ «مرَّتين» ظرف لقال، أو لقوله (( كنت ) ).

(فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي إِلَيْكُمْ فَقُلْتُمْ كَذَبْتَ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ صَدَقَ) ويُروى (وَوَاسَانِي) وفي رواية الكُشميهني وحده والأوَّل أوجه؛ لأنَّه من المواساة، وهي بلفظ المفاعلة من الجانبين، والمراد أنَّ صاحبَ المال يجعلُ يده ويد صاحبهِ في ماله سواء.

(بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَهَلْ أَنْتُمْ تَارِكُو لِي صَاحِبِي) وفي «التفسير» تاركون لي صَاحبي على الأصل. قال الحافظُ العسقلاني وهي الموجَّهة حتى قال أبو البقاء إنَّ حذف النون من خطأ الرُّواة؛ لأنَّ الكلمة ليست مضافة ولا فيها ألف ولام، وإنما يجوزُ الحذف في هذين الموضعين، ووجَّهه غيره بوجهين

أحدهما أن يكون «صاحبي» مضافًا إليه وفُصِل بين المضاف والمضاف إليه بالجار والمجرور عناية بتقديم لفظ الاختصاص.

وفي ذلك جمعٌ بين الإضافتين إلى نفسهِ تعظيمًا للصدِّيق رضي الله عنه، ونظيره قراءة ابن عامر (( وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادَهم شركائِهم ) )بنصب {أولادهِم} وخفضِ {شُركائهم} ، وفصلَ بين المضافين بالمفعول.

ومن نُظائره قول الشاعر

~فَرِشْنِي بخَيْرٍ لَا أَكُونَنْ ومِدْحَتِي كَناحِتِ يَوْمًا صَخْرةٍ بِعَسِيلِ

قوله «رشْنِي» أمرٌ من راشَ يريش، يُقال رشت فلانًا أصلحت حاله، والواو في «ومدحتي» للمصاحبة؛ أي مع مدحتي.

والاستشهاد فيه في قوله «يومًا» ، فإنَّه ظرف فُصِل به بين المضاف، وهو قوله «كناحت» ،

ج 16 ص 235

وبين المضاف إليه وهو «صخرة» ، والتَّقدير كناحت صخرة يومًا بعَسِيل، وهو بفتح العين المهملة وكسر السين المهملة، وهو قضيبُ الفيل، قاله الجوهري.

والثاني أن يكون استطالَ الكلمة فحذف النون، كما يحذفُ من الموصول المطوَّل، ومنه ما ذكروه في قوله تعالى {وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا} [التوبة 69] .

(مَرَّتَيْنِ) أي قال ذلك القول مرَّتين، وفي رواية محمد بن المبارك (( ثلاث مرات ) ) (فَمَا أُوذِيَ بَعْدَهَا) أي فما أُوذي أبو بكر رضي الله عنه بعد هذه القصَّة لما أظهره النَّبي صلى الله عليه وسلم من تعظيمه، قال الحافظ العسقلاني ولم أرَ هذه الزِّيادة في غير رواية هشام بن عمَّار.

وفي الحديث من الفوائد

فضل أبي بكر رضي الله عنه على جميع الصَّحابة رضي الله عنهم وأنَّ الفاضل لا ينبغِي له أن يُغاضبَ من هو أفضل منه. وفيه جوازُ مدح المرء في وجهه، ومحلُّه إذا أمنَ عليه الافتنان والاغترار. وفيه ما طبع عليه الإنسان من البشرية حتَّى حملَه الغضبُ على ارتكاب خلافِ الأولى لكن الفاضل في الدِّين يُسرع له الرُّجوع إلى الأولى؛ لقوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا} [الأعراف 201] .

وفيه أنَّ غير النَّبي صلى الله عليه وسلم ولو بلغ في الفضل الغاية فليس بمعصوم. وفيه استحباب سؤال الاستغفار والتَّحلُّل من المظلوم. وفيه أنَّ من غضبِ على صاحبه نسبه إلى أبيهِ أو جدِّه ولم يُسمِّه باسمه، وذلك من قول أبي بكر رضي الله عنه لما جاء وهو غضبان من عمر كان بيني وبين ابن الخطَّاب، فلم يذكره باسمه، ونظيره قوله صلى الله عليه وسلم (( إلا إن كان ابن أبي طالب يريد أن ينكحَ ابنتهم ) ). وفيه أنَّ الركبة ليست بعورة.

ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرةٌ. وقد أخرجه البخاريُّ في «التفسير» أيضًا [خ¦4640] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت