فهرس الكتاب
3666 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) قال (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ) أنَّه (قَالَ أَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ مِنْ شَيْءٍ مِنَ الأَشْيَاءِ) أي من أصناف المال وغيرها (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أي في طلب ثواب الله، وهو أعمُّ من الجهاد وغيره من العبادات (دُعِيَ مِنْ أَبْوَابِ _ يَعْنِي الْجَنَّةَ _) كذا وقع هنا، وكأن لفظ «الجنَّة» سقط من بعض الرُّواة فلأجل مُراعاة المخالفة على اللَّفظ زاد «يعني» ، وقد تقدَّم في «الصِّيام» من وجه آخر عن الزُّهري بلفظ (( من أبوابِ الجنَّة ) )بغير تردُّد.
(يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا خَيْرٌ) لفظ (( خير ) )بمعنى فاضلٌ لا بمعنى أفضل، وإن كان اللَّفظ قد يُوهم ذلك ففائدتُه زيادة ترغيبِ السَّامع في طلب الدُّخول من ذلك الباب، وتقدَّم في أوائل «الجهاد» بيان الدَّاعي من وجهٍ آخر عن أبي هريرة رضي الله عنه ولفظه [خ¦2841] (( دَعَاه خزنةُ الجنَّة كل خزنة باب أيْ فلُ هلم ) )ولفظة «فلُ» ، لغة في فلان، وهي بالضم، وكذا ثبت في الرواية، وقيل إنها ترخيمها فعلى هذا فتفتح اللام.
ج 16 ص 242
(فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلاَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلاَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الْجِهَادِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ) وقع هذا الحديث ذكر أربعة أبواب من أبواب الجنة. قال الحافظُ العسقلاني وتقدَّم في أوائل «الجهاد» [خ¦3257] أن أبواب الجنة ثمانية، وبقي من الأركان الحج، فله باب بلا شكٍّ، وأما الثلاثة الأخر
فمنها باب الكاظمين الغيظ العافين عن الناس. رواه أحمدُ بن حنبل عن روح بن عبادة عن الأشعث عن الحسن مرسلًا إن لله بابًا في الجنَّة لا يدخله إلَّا من عفَا عن من ظلمه.
ومنها الباب الأيمن، وهو باب المتوكِّلين الذي يدخل منه من لا حساب عليه ولا عذاب.
وأمَّا الثالث فإنَّه باب الذِّكر فإن عند الترمذيِّ ما يُومئ إليه، ويحتملُ أن يكون باب العلم انتهى.
(فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ مَا عَلَى هَذَا الَّذِي يُدْعَى مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ) أي من أحد تلك الأبواب، ففيه إضمار، أو هو من باب توزيع الأفراد على الأفراد؛ لأنَّ الجمعَ والموصول كلاهما عامان و «ما» للنَّفي.
(مِنْ ضَرُورَةٍ) أي من ضرر إذ المقصود دخول الجنة، فلا ضرر لمن دخل من أي باب دخل (وَقَالَ وَهَلْ يُدْعَى مِنْهَا كُلِّهَا أَحَدٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟) وفي «الصيام» [خ¦1897] (( فهل يُدعى أحدٌ من تلك الأبواب كلها؟ ) ).
(فَقَالَ نَعَمْ، وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ يَا أَبَا بَكْرٍ) قال العلماءُ الرَّجاء من الله، ومن نبيِّه واقع، ووقع في حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما عند ابن حبَّان في نحو هذا الحديث التَّصريح بالوقوعِ لأبي بكرٍ رضي الله عنه ولفظه (( أجل فأنت هو يا أبا بكر ) ).
وفيه إشعارٌ بقلَّة من يُدعى من تلك الأبواب كلِّها، والمراد ما يتطوع به من الأعمال المذكورة لا واجباتها، لقلَّة من يجتمع له العملُ بجميع أنواع التَّطوعات، وأمَّا الواجبات فلا بدَّ منها لجميع المسلمين، ومن ترك شيئًا من الواجبات إنَّما يُخاف عليه أن يُنادى من أبواب جهنَّم.
ثم من يجتمع له ذلك إنما يُدعى من جميع الأبواب على سبيل التَّكريم وإلَّا فدخوله إنَّما يكون من بابٍ واحدٍ، ولعلَّه باب العمل الذي يكون أَغْلَب عليه، والله تعالى أعلم.
وقال الكرمانيُّ ويحتمل أن تكون الجنَّة كالقلعة التي لها أسوارٌ
ج 16 ص 243
محيطةٌ بعضها ببعض، وعلى كلِّ سورٍ منها بابٌ، فمنهم من يُدعى من الباب الأوَّل فقط، ومنهم من يتجاوزُهُ إلى الباب الدَّاخلاني [1] وهلم جرَّا، انتهى.
وتعقَّبه العيني بأنَّ هذا الذي ذكره لا يستبعدُه العقلُ، ولكن معرفةُ كيفيَّة الجنَّة وكيفية أبوابها، وغير ذلك موقوفة على السَّماع من الشَّارع، والله تعالى أعلم.
هذا وأمَّا ما أخرجَه مسلم عن عمر رضي الله عنه (( من توضَّأ ثمَّ قال أشهدُ أن لا إله إلَّا الله ... ) )الحديث، وفيه (( فُتحت له أبواب الجنَّة يدخلُ من أيِّها شاء ) )فلا يُنافي ما تقدَّم وإن كان ظاهرهُ أنَّه يُعارضه؛ لأنَّه يحملُ على أنَّها تُفتح له على سبيل التَّكريم، ثمَّ عند دخوله لا يدخلُ إلَّا من باب العمل الذي يكون أغلب عليه، كما تقدَّم.
تنبيه الإنفاقُ في الجهاد والحج والعلم ظاهرٌ، وأمَّا الإنفاقُ في غيرها فمشكلٌ، ويمكن أن يكون المراد بالإنفاق في الصَّلاة فيما يتعلَّق بوسائلها من تحصيلِ آلاتها من طهارةٍ وتطهيرِ ثوبٍ وبدنٍ ومكانٍ.
والإنفاق في الصِّيام بما يقوِّيه على فعلهِ وخلوص القصدِ فيه.
والإنفاق في العفوِ عن النَّاس يمكن أن يقعَ بتركِ ما يجبُ له من حقٍّ.
والإنفاق في التَّوكل بما ينفقه على نفسِهِ في مرضهِ المانع له من التَّصرف في طلب المعاش مع الصَّبر على المصيبة، أو ينفق على من أصابَهُ مثل ذلك طلبًا للثَّواب.
والإنفاق في الذِّكر على نحو من ذلك، والله تعالى أعلم، وقيل المرادُ بالإنفاقِ في الصَّلاة والصِّيام بذل النَّفس والبدن فيهما فإنَّ العرب تُسمِّي ما يبذله المرءُ من نفسه نفقةً، كما يُقال أنفقت في طلب العلمِ عمري وبذلت فيه نفسِي، وهذا مَعنى حسن.
وأبعد من قال المراد بقوله (( زوجين ) )النفس والمال؛ لأنَّ المال في الصَّلاة والصِّيام ونحوهما ليس بظاهر إلَّا بالتأويل المتقدِّم، وكذلك من قال النَّفقة في الصِّيام يقع بتفطير الصَّائم والإنفاق عليه؛ لأنَّ ذلك يرجعُ إلى باب الصَّدقة.
وفي الحديث من الفوائد أن من أكثرَ من شيءٍ
ج 16 ص 244
عُرف به وأنَّ أعمالَ البر قلَّما يجتمع جميعها لشخصٍ واحدٍ على السَّواء، وأنَّ الملائكة يحبون صالحي بني آدم ويفرحون بهم، وأنَّ الإنفاق كلَّما كان أكثر كان أفضل، وأنَّ تمني الخير في الدنيا والآخرة مطلوبٌ.
ومطابقة الحديث للترجمة في قوله (( وأرجو أن تكون منهم يا أبا بكر ) )ورجاء النَّبي صلى الله عليه وسلم واقعٌ كما تقدَّم.
وفيه أقوى دليل على فضيلةِ أبي بكر رضي الله عنه. وقد مرَّ الحديث في «كتاب الصَّوم» ، في باب «الريان للصَّائمين» [خ¦1897] .
[1] في مطبوع الكواكب الدراري الداخلي.