فهرس الكتاب
3667 - 3668 - (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) هو إسماعيلُ بن أبي أويس، ابن أخت مالك بن أنس قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد (سُلَيْمَانُ بْنُ بِلاَلٍ) أبو أيوب القرشي التَّيمي (عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ) أنَّه (قَالَ أَخْبَرَنِي عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَاتَ وَأَبُو بَكْرٍ بِالسُّنْحِ) جملة حالية. و «السُّنْح» بضم السين المهملة وسكون النون بعدها حاء مهملة، وضبطه أبو عُبيد البكري بضم النون، وقال إنَّه منازل بني الحارث بن الخزرجِ بالعوالي، وبينه وبين المسجد النَّبوي ميلٌ، وبه ولد عبد الله بن الزُّبير رضي الله عنهما، وكان أبو بكر رضي الله عنه نازلًا بها، ومعه ابنته أسماء رضي الله عنها، وسكنَ هناك أبو بكر رضي الله عنه لما تزوَّج ابنه خارجة الأنصارية.
(قَالَ إِسْمَاعِيلُ) هو شيخُ المصنِّف ابن أبي أويس (يَعْنِي بِالْعَالِيَةِ) أراد به تفسير قول عائشة (( بالسَّنح ) )والعوالي أماكن بأعلى أراضِي المدينة وأدناها من المدينة على أربعة أميالٍ وأبعدها من جهةِ نجدٍ ثمانية، والنِّسبة إليها علوي على غيرِ قياس.
(فَقَامَ عُمَرُ يَقُولُ وَاللَّهِ مَا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) إنما حلفَ عمر رضي الله عنه بهذا بناءً على ظنِّه حيث أدَّى اجتهاده إليه (قَالَتْ) أي عائشة رضي الله عنها (وَقَالَ عُمَرُ وَاللَّهِ مَا كَانَ يَقَعُ فِي نَفْسِي إِلاَّ ذَاكَ) أي عدم الموت (وَلَيَبْعَثَنَّهُ اللَّهُ) أي ليبعثنَّ الله محمدًا في الدنيا (فَلَيَقْطَعَنَّ) أي محمد صلى الله عليه وسلم (أَيْدِيَ رِجَالٍ وَأَرْجُلَهُمْ) وهم الذين قالوا بموته (فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ) أي من السُّنح(فَكَشَفَ عَنْ
ج 16 ص 245
رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَبَّلَهُ، فَقَالَ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي)أي أنت مفدَّى بأبي وأمِّي، وقد مرَّ في أوَّل «الجنائز» [خ¦1241] قالت عائشةُ رضي الله عنها أقبلَ أبو بكر على فرسهِ من مسكنه بالسُّنح حتى نزل فدخلَ المسجد، فلم يكلِّم النَّاس حتى دخلَ على عائشة، فتيمَّم النَّبي صلى الله عليه وسلم وهو مسجًى ببرد حبرةٍ، فكشف عن وجههِ ثمَّ أكبَّ عليه فقبَّله، ثمَّ بَكى، فقال بأبي وأمي.
(طِبْتَ حَيًّا وَمَيِّتًا) أي في حالة حياتك وحالة مماتكَ (وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ يُذِيقَنَّكَ اللَّهُ الْمَوْتَتَيْنِ أَبَدًا) وأراد بالموتتين الموت في الدنيا، والموت في القبر، وهما الموتتان المعروفتان المشهورتان، ولعلَّ هذا هو الحكمة في تعريف الموتتين؛ أي المعروفتين المشهورتين الواقعتين لكلِّ أحدٍ غير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
والحاصل أنَّ حياته صلى الله عليه وسلم في القبر لا يتعقَّبها موت بل يستمر حيًا إذ الأنبياء عليهم السلام أحياء في قبورهِم، وأمَّا سائر الخلق، فإنَّهم يموتون في القبور ثمَّ يحيون يوم القيامة، ومذهبُ أهل السنَّة أنَّ في القبر حياةً وموتًا، فلا بدَّ من ذوق الموتتين لكلِّ أحدٍ غير الأنبياء عليهم السلام، فلا تَمَسُّكَ بهذا لمن أنكرَ الحياة في القبرِ وهم المعتزلة ومن نحا نحوهم.
وقد أُجيب أيضًا بأنَّ المراد به نفي الموت اللاَّزم من الذي أثبته عمر رضي الله عنه بقوله ليبعثَّنه الله في الدنيا؛ ليقطع أيدي القائلين بموته وأرجلهم، فليس فيه نفي موت عالم البرزخ.
وفي ذلك بيان رجحان علم أبي بكر على عمر فمن دونه رضي الله عنهم، وكذلك رجحانه عليهم لثباته في مثل ذلك الأمر العظيم.
(ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ أَيُّهَا الْحَالِفُ عَلَى رِسْلِكَ) بكسر الراء وسكون السين؛ أي اتتئد في الحلف أو كن على رِسْلك؛ أي هينتك وتؤدتك ولا تستعجلْ، وتقدَّم في «الجنائز» [خ¦1241] أنَّ أبا بكر رضي الله عنه خرجَ وعمر يكلِّم الناس، فقال اجلسْ فأبى فتشهَّد أبو بكر رضي الله عنه فمالَ الناس إليه
ج 16 ص 246
وتركوا عمر رضي الله عنه.
(فَلَمَّا تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ جَلَسَ عُمَرُ) .
(فَحَمِدَ اللَّهَ أَبُو بَكْرٍ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَالَ أَلاَ مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا، فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لاَ يَمُوتُ. وَقَالَ اللهُ تَعَالَى {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} [الزمر 30] ) فإن الكلَّ بصددِ الموت، وفي عداد الموتى (وَقَالَ) أي الله تعالى ( {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ} ) أي مضت ( {مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ} ) فسيخلو كما خلوا بالموت أو القتل ( {أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ} ) إنكارٌ لارتدادهم وانقلابهم على أعقابهم عن الدِّين بخلوِّه بموت أو قتل، بعد علمهم بخلوِّ الرُّسل قبله وبقاء دينهم متمسكًا به. وقيل الفاء للسَّببية والهمزة لإنكار أن يجعلوا خلوَّه صلى الله عليه وسلم بموته أو قتله سببًا لانقلابهم على أعقابهم بعد وفاته.
رُوِي أنَّه لما رَمى عبدُ الله بن قمئة الحارثي رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بحجرٍ فكسر رَباعيته وشجَّ وجهه، فذبَّ عنه مصعب بن عُمير وكان صاحب الرَّاية حتى قتله ابنُ قمئة، وهو يرى أنَّه قتل النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال قد قتلت محمدًا وصرخَ صارخ، قيل وهو الشَّيطان ألا إنَّ محمدًا قد قتل، فانكفأَ الناس؛ أي انصرفوا، وجعل الرَّسول صلى الله عليه وسلم يدعو (( إليَّ عباد الله ) )فانحازَ إليه ثلاثون من أصحابه جمّوا وحموه حتى كشفوا عنه المشركين وتفرَّق الباقون.
وقال بعضُهم ليت ابن أُبيٍّ يأخذ لنا أمانًا من أبي سفيان، وقال ناسٌ من المنافقين لو كان نبيًا لما قُتل ارجعوا إلى إخوانكُم ودينكم، فقال أنس بن النَّضر عمُّ أنس بن مالك يا قوم إن كان قتل محمد فإنَّ رب محمد حيٌّ لا يموت، وما تصنعون بالحياة بعده فقاتلوا على ما قاتل عليه، ثمَّ قال اللَّهمَّ إني أعتذرُ إليك ممَّا يقولون، وأبرأ منه، وشدَّ سيفه، فقاتل حتَّى قتل.
( {وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ} ) أي يرجع كافرًا بعد الإسلام ( {فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا} ) بارتداده بل يضرُّ نفسه ( {وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} [آل عمران 144] ) على نعمةِ الإسلام بالثَّبات عليه كأنسٍ
ج 16 ص 247
وأضرابه.
(قَالَ فَنَشِجَ النَّاسُ يَبْكُونَ) بفتح النون وكسر الشين المعجمة بعدها جيم، يقال نَشِجَ الباكي إذا غصَّ في حلقه البكاء من غير انتحابٍ، والنَّحيب بكاءٌ مع صوتٍ، قاله ابنُ فارس، والنَّشيج ما يعرض في حلق الباكي من الغصة، وقيل النَّشيج بكاء معه صوت نقله الخطَّابي، وقيل هو بكاء معه ترجيعٌ، كما يردد الصَّبي بكاءه في صدرهِ.
(وَاجْتَمَعَتِ الأَنْصَارُ إِلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ) هو سعدُ بن عُبادة _ بضم المهملة _ ابن دليم بن حارثة الخزرجي ثمَّ السَّاعدي، وكان كبير الخزرجِ في ذلك الوقت، وكان نقيبَ بني ساعدة، وصاحب رايةِ الأنصار في المشاهدِ كلها وشهد بدرًا عند البعض، وكان سيِّدًا جوادًا غيورًا وجيهًا في الأنصار ذا رئاسةٍ وسيادةٍ وكرمٍ، ولم يبايعْ أبا بكر ولا عمر رضي الله عنهما، وسار إلى الشَّام فأقامَ بحوران إلى أن مات سنة خمس عشرة، ولم يختلفوا أنَّه وجد ميتًا على مغتسله، قيل إنَّ قبره بالمنيحةِ قرية من غوطةِ دمشق، وهو مشهورٌ يزار إلى اليوم.
(فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ) وسقيفة موضع مسقَّف كالسَّاباط كان مجتمعَ الأنصار ودارَ ندوتهم، وساعدة هو ابنُ كعب بن الخزرج، وقال ابنُ دريد ساعدة اسمٌ من أسماء الأسد.
(فَقَالُوا مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ) إنَّما قالوا ذلك كما سيجيءُ بناء على عادة العرب أن لا يَسُود القبيلة إلَّا رجل منهم، ولم يعلموا حينئذٍ أن حكم الإسلام بخلاف ذلك، فلمَّا سمعوا أنَّه صلى الله عليه وسلم قال (( الخلافة في قريشٍ أذعنوا لذلك وبايعوا الصِّدِّيق رضي الله عنه ) ).
ذكر ابنُ إسحاق في آخر «السِّيرة» أنَّ أُسيد بن حُضير في بني عبد الأشهل انحازوا إلى أبي بكرٍ رضي الله عنه ومن معه وهؤلاء من الأوس، وفي حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما عن عمر رضي الله عنه تخلَّفت عنَّا الأنصارُ بأجمعهَا في سقيفةِ بني سَاعدة، فيُجمع بأنهم اجتمعوا أولًا ثمَّ انصرفوا وذلك أنَّ الخزرج والأوس كانوا فريقين، وكان بينهم في الجاهليَّة من الحروب ما هو مشهورٌ فزال ذلك بالإسلام، وبقيَ من ذلك شيء من النَّفوس، فكأنَّهم اجتمعوا أولًا فلمَّا رأى أُسيد ومن معه من الأوسِ أبا بكرٍ ومن معه افترقوا من الخزرجِ إيثارًا لتأمير المهاجرين عليهم دون الخزرج.
ج 16 ص 248
وفيه أنَّ عليًا والزُّبير ومن كان معهما تخلفوا في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر رضي الله عنهم (فَذَهَبَ إِلَيْهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَر وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ) وفي رواية ابن عبَّاس رضي الله عنهما (( فقلت له يا أبا بكر انطلقْ بنا إلى إخواننا من الأنصار ) ). وزاد أبو يَعلى من رواية مالك عن الزُّهري فيه (( فبينا نحن في منزلِ رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رجل يُنادي من وراء الجدار أن اخرجْ إليَّ يا ابن الخطَّاب فقلت إليك عنِّي فأنا عنك شاغلٌ؛ يعني بأمرِ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إنَّه قد حدثَ أمر، إنَّ الأنصار اجتمعوا في سقيفة بني ساعدة فأدركوهم قبل أن يُحدثوا أمرًا يكون فيه حربٌ، فقلت لأبي بكر انطلق. فذكره، فانطلقنا نؤمُّهم حتى لقينا رجلان صالحان فقالا لا عليكم أن لا تقربُوهم واقضوا أمركُم، قال فقلت والله لنأتينَّهم فانطلقنَا فإذا بين ظَهرانيهم رجلٌ مزمَّل، فقلت من هذا؟ فقالوا سعد بن عبادة ) ).
وذكر في آخر الحديث عن عروة أنَّ الرجلين اللَّذين لقياهم هما عويم بن ساعدة بن عابس بن قيس بن النُّعمان من بني مالك بن عوف، ومعن بن عدي بن الجعد بن العجلاني حليفهم، وهما من الأوس أيضًا، وكذا وقعت تسميتها في رواية ابن عُيينة عن الزهري أخرجه الزُّبير بن بكَّار.
(فَذَهَبَ عُمَرُ يَتَكَلَّمُ فَأَسْكَتَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ وَاللَّهِ مَا أَرَدْتُ بِذَلِكَ إِلاَّ أَنِّي قَدْ هَيَّأْتُ كَلاَمًا قَدْ أَعْجَبَنِي خَشِيتُ) بالخاء المعجمة، من الخشية بمعنى الخوف، ويروى بالحاء والسين المهملتين، من الحسبان (أَنْ لاَ يَبْلُغَهُ أَبُو بَكْرٍ) وفي رواية ابن عبَّاس رضي الله عنهما (( قال عمر أردت أن أتكلَّم وقد زوَّرت _ أي هيأت وحسنت _ مقالةً أعجبتني أريدُ أن أقدِّمها بين يدي أبي بكرٍ، وكنت أداري منه بعضَ الحد
ج 16 ص 249
_ أي الحدة _ فقال على رِسْلك، فكرهتُ أن أُغضبه )) .
(ثُمَّ تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ فَتَكَلَّمَ أَبْلَغَ النَّاسِ) بنصب (( أبلغ ) )على الحال، ويجوز الرفع على الفاعلية؛ أي تكلم رجل هذه صفته. قال العينيُّ وارتفاعُه على أنَّه خبر مبتدأ محذوفٍ أولى فالتقدير فتكلَّم أبو بكر هو أبلغ الناس.
وقال السُّهيلي النَّصب أوجه ليكون تأكيدًا لمدحهِ وصرف الوهم عن أن يكون أحد موصوفًا بذلك غيره، وأبلغ أفعل التَّفضيل من البلاغة، وهي في الكلام مطابقته لمقتضى الحال مع فصاحته، والحال في العرف هي الأمور الدَّاعية إلى التكلم على الوجه المخصوص. وفي رواية ابن عبَّاس رضي الله عنهما (( قال قال عمر رضي الله عنه والله ما ترك كلمة أعجبتني في تزويري إلَّا قالها في بديهتهِ وأفضل حتى سكت ) ).
(فَقَالَ فِي كَلاَمِهِ نَحْنُ الأُمَرَاءُ وَأَنْتُمُ الْوُزَرَاءُ) أي قال أبو بكر في جملة كلامه هذا، كأنه أراد بهذا أنَّ الإمارة؛ أعني الخلافة لا تكون إلَّا في المهاجرين، وأراد بقوله (( وأنتم الوزراء ) )أنتم المستشارون في الأمور تابعون للمهاجرين؛ لأنَّ مقام الوزارة الإعانة والمشورة والاتباع.
ووقع في رواية حميد بن عبد الرحمن بيان ما قال في روايته فتكلم أبو بكر فلم يترك شيئًا أُنزل في الأنصار ولا ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأنهم إلَّا ذكره. ووقع في رواية ابن عبَّاس رضي الله عنهما بيان بعض ذلك الكلام وهو (( أما بعد فما ذكرتم من خيرٍ فأنتم أهله، ولن يعرفَ العرب هذا الأمر إلَّا لهذا الحي من قريش هم أوسط العرب نسبًا ودارًا ) )، وعُرف بذلك المراد بقوله بعد في هذه الرِّواية «هم أوسطُ العرب دارًا وأعربهم أحسابًا» ، والمراد بالدَّار مكَّة، وقال الخطابي أراد بالدَّار أهل الدار، ومنه قوله (( خير دور الأنصار بنو النجار ) ).
وقوله (( أحسابًا ) )المراد به الفِعال الحسَان، مأخوذ من الحساب إذا عدوا مناقبهم، فمن كان أكثر مناقب كان أعظمَ حسبًا، ويقال النَّسب للآباء والحسبُ للأفعال.
(فَقَالَ حُبَابُ) بضم المهملة وبموحدتين الأولى خفيفة (ابْنُ الْمُنْذِرِ)
ج 16 ص 250
بلفظ الفاعل من الإنذار؛ أي ابن عَمرو بن الجموح الخزرجي الأنصاري ثم السُّلمي كان يُقال له ذو الرأي، وهو الذي أشار على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أن ينزلَ يوم بدر على مائهِ للقاء القوم فنزلَ جبريل، وقال الرأي ما أشار به حُباب، مات رضي الله عنه في خلافة عمر رضي الله عنه.
(لاَ وَاللَّهِ لاَ نَفْعَلُ) يعني لا نرضى أن تكون الإمارة فيكم (مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ) أراد أن يكون أمير من المهاجرين وأمير من الأنصار. وزاد في رواية ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّه قال (( أنا جُذَيْلُها المُحَكَّكُ، وعُذَيْقُها المُرَجَّبُ ) ).
العُذيق بالذال المعجمة تصغير عذق، وهو النَّخلة. والمرجَّب بالجيم، معناه تدعم النَّخلة إذا كثر حملها. والجُذيل بالتصغير أيضًا وبالجيم، والجذل عودٌ ينصبُ للإبل الجرباء لتحتكَّ به. والمحكَّك بكافين الأولى مفتوحة، فأراد أن يُسْتشفى برأيه.
ووقع عند ابنِ سعد من رواية يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد فقام حُباب بن المنذر وكان بدريًا فقال منَّا أمير ومنكم أميرٌ، فإنا والله ما ننفس عليكم هذا الأمر، ولكنَّا نخافً أن يليهُ أقوامٌ قتلنا آباءهُم وإخوتهم، قال فقال له عمر رضي الله عنه إذا كان ذلك فمتْ إن استطعتَ، قال فتكلَّم أبو بكر رضي الله عنه فقال نحن الأمراء وأنتم الوزراء، وهذا الأمرُ بيننا وبينكم، قال فبايع النَّاس وأولهم بشير بن سعد والد النُّعمان.
وعند أحمد من طريق أبي نضرةَ عن أبي سعيد فقام خطيب الأنصار فقال إنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استعمل رجلًا منكم قرنَهُ برجلٍ منَّا فتبايعوا على ذلك، فقام زيدُ بن ثابت رضي الله عنه فقال إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان من المهاجرين وإنما الإمامُ من المهاجرين فنحنُ أنصار الله كما كنَّا أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر رضي الله عنه جزاكم الله خيرًا فبايعوهم.
ووقع في آخر «مغازي موسى بن عقبة» عن ابن شهاب أن أبا بكر رضي الله عنه قال في خطبته وكنَّا معشرَ
ج 16 ص 251
المهاجرين من أوَّل الناس إسلامًا ونحن عشيرته وأقاربهُ وذوو رحمه، ولن تصلحَ العربُ إلَّا لرجلٍ من قريشٍ، فالنَّاس لقريش تبعٌ، وأنتم إخواننا في كتاب الله، وشركاؤنا في دين الله، وأحبُّ النَّاس إلينا، وأنتم أحقُّ النَّاس بالرِّضا بقضاء الله والتَّسليم لفضيلةِ إخوانكم، وأن لا تحسدُوهم على خيرٍ، وقال فيه إن الأنصار، قالوا أولًا نختارُ رجلًا من المهاجرين، فإذا مات اخترنا رجلًا من الأنصار، فإذا مات اخترنا رجلًا من المهاجرين كذلك أبدًا، فيكون أجدر أن يشفقَ القرشي إذا زاغَ أن ينقضَ عليه الأنصاري، وكذلك الأنصاري قال فقال عمر رضي الله عنه لا والله لا يخالفنا أحدٌ إلَّا قتلناه، فقام حُباب بن المنذر فقال كما تقدَّم، وزاد وإن شئتُم كَرَّرناهَا خُدْعة؛ أي أعدنا الحرب، قال فكثرَ القول حتّى كادَ أن يكون بينهم حربٌ، فوثبَ عمر رضي الله عنه فأخذ بيد أبي بكر رضي الله عنه.
وعند أحمد من طريق حميد بن عبد الرَّحمن بن عوف قال توفِّي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر في طائفة من المدينة ... فذكر الحديث قال فتكلَّم أبو بكر فقال ولقد علمتَ يا سعدُ أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال _ وأنت قاعد _ (( قريش ولاة هذا الأمر ) )فقال له سعد صدقتَ.
(فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لاَ) يعني لا نرضَى بما تقول (وَلَكِنَّا الأُمَرَاءُ، وَأَنْتُمُ الْوُزَرَاءُ) ثمَّ بيَّن وجه خصوصيَّة المهاجرين بالإمارة بقوله (هُمْ) أي قريش (أَوْسَطُ الْعَرَبِ دَارًا) أي من جهة الدَّار، وأراد بها مكَّة، وقال الخطابي أراد بالدَّار أهل الدار، وأراد بالأوسط الأخير والأشرف. ومنه يقال فلانٌ من أوسط النَّاس؛ أي من أشرفِهم وأحسبِهم؛ ويقال هو من أوسط قومه؛ أي خيارهم.
(وَأَعْرَبُهُمْ) بالموحدة (أَحْسَابًا) أي أشبههم شمائل وأفعالًا، والأحساب _ بفتح الهمزة _ جمع حسيب مأخوذٌ من الحساب؛ يعني إذا حسبَ مناقبهم فمن كان يعدُّ لنفسه
ج 16 ص 252
ولأبيه مناقب أكثر كان أحسب.
(فَبَايِعُوا عُمَرَ أَوْ أَبَا عُبَيْدَةَ بْن الجَرَّاحِ) هذا قول أبي بكر رضي الله عنه يقول للمهاجرين والأنصار (( بايعوا عُمَرَ وبايعوا أبا عُبيدة ) )وإنما قال ذلك حتَّى لا يتوهَّموا أنَّ له غرضًا في الخلافة. وأضاف إلى عمر أبا عبيدة حتى لا يظنوا أنَّه يحامي عمر، فلمَّا قال أبو بكر رضي الله عنه هذه المقالة (قَالَ عُمَرُ بَلْ نُبَايِعُكَ أَنْتَ) وفي رواية ابن عبَّاس رضي الله عنهما عن عمر رضي الله عنه (( وقد رضيتُ لكم أحدَ هذين الرَّجلين وأخذَ بيدِي ويد أبي عبيدة ) )فلم أكره ممَّا قال غيرها.
(فَأَنْتَ سَيِّدُنَا، وَخَيْرُنَا، وَأَحَبُّنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قد أفردَ بعض الرُّواة هذا القدر من الحديث، فأخرجه الترمذيُّ عن إبراهيم بن سعيد الجوهري، عن إسماعيل بن أبي أويس، شيخ المصنف فيه بهذا الإسناد أنَّ عمر رضي الله عنه قال لأبي بكر (( أنت سيدنا ... ) )إلى آخره. وأخرجه ابن حبَّان من هذا الوجه، وهو أوضحُ ما يدخل في هذا الباب من هذا الحديث.
(فَأَخَذَ عُمَرُ بِيَدِهِ فَبَايَعَهُ، وَبَايَعَهُ النَّاسُ) وفي رواية ابن عبَّاس رضي الله عنهما عن عمر رضي الله عنه قال (( فكثر اللَّغطُ وارتفعتِ الأصوات حتى خشينَا الاختلاف، فقلتُ ابسطْ يدكَ يا أبا بكرٍ فبسطَ يده فبايعتُه وبايعه المهاجرون ثمَّ الأنصار ) ).
وفي «مغازي موسى بن عقبة» عن ابن شهابٍ قال فقامَ أُسيد بن الحُضير وبشير بن سعد وغيرهما من الأنصار فبايعوا أبا بكرٍ ثمَّ وثبَ أهل السَّقيفة يبتدرون البيعة.
ووقع في حديث سالم بن عُبيد عن البزَّار وغيره في قصَّة الوفاة فقالت الأنصار منَّا أميرٌ ومنكم أميرٌ، فقال عمر وأخذَ بيد أبي بكر السَّيفان في غمدٍ واحدٍ لا يصطلحان وأخذ بيد أبي بكرٍ فقال من له هذه الثلاثة {إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ} من هما؟ {إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ} من صاحبه؟ {لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} [التوبة 40] مع من؟ ثم بسط
ج 16 ص 253
يده فبايعه، ثمَّ قال بايعوا، فبايعه الناس.
(فَقَالَ قَائِلٌ) أي من الأنصار (قَتَلْتُمْ سَعْدَ) يعني سعد بن عبادة، وفي رواية أي كدتُم تقتلونه، وقال الكرماني هو كناية عن الإعراض والخذلان لا حقيقة القتل.
وتعقَّبه الحافظ العسقلاني بقوله ويردُّه ما وقع في رواية موسى بن عُقبة، عن ابن شهابٍ، فقال قائلٌ من الأنصار اتَّقوا سعد بن عُبادة لا تطئوه، فقال عمر اقتلوهْ قتله الله.
وأنت خبيرٌ بأنَّه لا وجه للرَّد المذكور، فإنَّه ليس المراد من قول عمر رضي الله عنه اقتلوه، حقيقةَ القتل، بل المراد منه أيضًا الإعراض عنه.
(فَقَالَ عُمَرُ قَتَلَهُ اللَّهُ) هو إخبارٌ عمَّا قدَّر الله تعالى من إهمالهِ وعدمِ صَيرورته خليفةً، أو دعاءٌ عليه في مقابلة إهمالهِ وعدم نصرتهِ للحقِّ ومخالفتهِ للجماعة، إذ روي أنَّه تخلَّف عن البيعةِ وخرج عن المدينة، ولم ينصرفْ إليها إلى أن مات بالشَّام في ولاية عمر رضي الله عنه.
قيل وجد ميتًا في مغتسلهِ وقد اخضرَّ جسده، ولم يشعروا بموتهِ حتى سمعوا قائلًا يقول _ ولا يرون شخصَه _
~قد قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة فرميناهُ بسهمين فلم نخط فؤاده.
وفي حديث مالك فقلتُ وأنا مغضبٌ قتل الله سعدًا، فإنَّه صاحب شرٍّ وفتنة.
وقال ابنُ التين إنَّما قالت الأنصار منَّا أميرٌ ومنكم أميرٌ على ما عرفوه من عادة العرب أن لا يتأمرَ على القبيلةِ إلَّا من يكون منها، فلمَّا سمعوا حديث (( الأئمة من قريش ) )رجعوا عن ذلك وأذعنوا.