فهرس الكتاب
3803 - (حَدَّثَنِي) بالإفراد (مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى) قال (أَخْبَرَنَا فَضْلُ) بفتح الفاء وسكون المعجمة (ابْنُ مُسَاوِرٍ) بلفظ اسم الفاعل، من المساورة _ بالسين المهملة _ وهي المواثبة والمفاعلة، أبو مساور البصري (خَتَنُ أَبِي عَوَانَةَ) والخَتن بفتح المعجمة والمثناة الفوقية، وهو كلُّ من كان من أقارب المرأة مثل الأخ والأب، وأمَّا العامة فختنُ الرجل عندهُم زوج ابنته، وهو من أفراد البخاري، وليس له في البخاري إلَّا هذا الموضع، قال (حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ) الوضَّاح اليشكُري، وقد مرَّ غير مرَّة (عَنِ الأَعْمَشِ) سليمان بن مهران (عَنْ أَبِي سُفْيَانَ) طلحة بن نافع الواسطي المكي (عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أنَّه قال (سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ اهْتَزَّ الْعَرْشُ لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ) العرش في اللُّغة السَّرير، فإن كان المراد به السَّرير الذي حُمِل عليه، فمعنى الاهتزاز الحركة والاضطراب، وذلك فضيلة له كما كان رجف أُحد فضيلةً لمن كان عليه، وهو رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وإن كان المرادُ به عرشُ الرَّحمن فيرادُ منه حملته، ومعنى الاهتزاز السُّرور والاستبشار بقُدومه. ومنه اهتزَّت الأرضُ بالنَّبات إذا اخضرَّت وحسنت.
ويؤيِّده حديث إنَّ جبريل قال (( من هذا الميِّت الذي فتحتْ له أبواب السَّماء واستبشرَ به أهلها ) )أخرجَه الحاكم. وقيل هي علامة نصبها الله تعالى لموت من يموتُ من أوليائهِ ليشعر ملائكته بفضلهِ.
وقال الكرمانيُّ ويحتمل أن يكون اهتز نفس العرش حقيقة، والله على كلِّ شيءٍ قدير، وذلك للاستبشار بقدومِ روحه وأن يكون مجازًا عن تعظيم حالهِ، ومثلًا لكرامته عند الله، انتهى.
وقال الطِّيبي قالت طائفة هو على ظاهرهِ، واهتزاز العرشِ تحركه فرحًا بقدومِ سعد، وجعلَ الله في العرش تمييزًا، ولا مانع منه، كما قال تعالى {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} [البقرة 74] .
وقال المازريُّ هو على حقيقتهِ
ج 16 ص 450
ولا ينكر هذا من جهةِ العقل؛ لأنَّ العرش جسم والأجسام تقبلُ الحركة والسكون، وقيل المرادُ بالاهتزاز الاستبشار، ومنه قول العرب فلانٌ يهتزُّ للكرم لا يريدون اضطرابَ جسمهِ وحركتهِ، وإنما يريدون ارتياحَه إليه وإقبالَه عليه.
وقال الحربيُّ هو كناية عن تعظيمِ شأن وفاتهِ، فإنَّ العرب إذا عظَّموا أمرًا نسبوهُ إلى أعظم الأشياء، كما يقولون قامت بموت فلان القيامة، وأظلمتِ الدُّنيا لموت فلان، وقامت له القيامة.
وفي هذا منقبةٌ عظيمةٌ لسعد بن معاذ رضي الله عنه، وأمَّا كون المراد بالعرش السَّرير الذي حُمِل عليه، كما أوَّله به البراء رضي الله عنه على ما سيأتي في هذا الحديث فلا يستلزمُ ذلك له فضلًا؛ لأنَّه يشركه في ذلك كلُّ ميت إلَّا أنْ يُراد اهتزَّ حملة السَّرير فرحًا بقدومهِ على ربِّه فيتَّجه، والله تعالى أعلم.
(وَعَنِ الأَعْمَشِ) هو عطف على الإسناد الذي قبلَه؛ أي وروى أبو عَوانة عن سليمان الأعمش، أنَّه قال (أَخْبَرَنَا أَبُو صَالِحٍ) ذكوان الزَّيِّات، ويُقال له السَّمان أيضًا سكن الدَّار [1] ، وكان من الأئمَّة الثِّقات (عَنْ جَابِرٍ) أي ابن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما، وهذا من شأن البخاري في حديث أبي سفيان طلحة بن نافع صاحب جابر رضي الله عنه لا يخرجُ له إلَّا مقرونًا بغيرهِ، أو استشهادًا.
(عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ) أي مثل حديث أبي سفيان عن جابر رضي الله عنه (فَقَالَ رَجُلٌ) قال الحافظُ العسقلاني لم أقف على اسمه (لِجَابِرٍ) راوي الحديث رضي الله عنه (فَإِنَّ الْبَرَاءَ) بتخفيف الراء والمد، ابن عازب _ بالمهملة _ الخزرجي (يَقُولُ اهْتَزَّ السَّرِيرُ) يعني كيف تقول اهتز العرش، فإنَّ البراء بن عازب رضي الله عنه يقول اهتزَّ السرير؟؛ أي الذي حمل عليه.
(فَقَالَ) أي جابر رضي الله عنه في جواب ذلك الرجل (إِنَّهُ كَانَ بَيْنَ هَذَيْنِ الْحَيَّيْنِ) أي الأوس والخزرج (ضَغَائِنُ) بالضاد والغين المعجمتين، جمع ضغينة، وهي الحقد (سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ اهْتَزَّ عَرْشُ الرَّحْمَنِ لِمَوْتِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ) قال الخطَّابي إنما قال جابر رضي الله عنه ذلك؛ لأنَّ سعدًا رضي الله عنه كان من الأوس، والبراء رضي الله عنه خزرجي،
ج 16 ص 451
والخزرج لا تقرُّ للأوس بالفضل.
وقال الحافظُ العسقلاني وهو خطأ فاحشٌ فإن البراء أيضًا أوسي؛ لأنَّه ابن عازب بن الحارث بن عدي بن مُجدَّعة بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عَمرو بن مالك بن الأوس، يجتمع مع سعد بن معاذ في الحارث بن الخزرج، وليس هو الخزرج الذي يقابلُ الأوس، وإنما سمِّي على اسمه، نعم، الذي من الخزرج الذين هم مُقابلوا الأوس جابر رضي الله عنه، انتهى.
فإذا كان كذلك لا ينسبُ البراء إلى غرضِ النفس، وإنما حملَ لفظ العرش على مَعنى يحتملُه، إذ كثيرًا ما يُطلق ويُراد به السَّرير ولا يلزم بذلك قدح في عدالته، كما لا يلزم بذلك القول قدح في عدالة جابر.
قال الحافظُ العسقلاني وإنما قال جابر رضي الله عنه ذلك إظهارًا للحقِّ واعترافًا بالفضلِ لأهلهِ، فكأنَّه يعجب [2] من البراء كيف قال ذلك مع أنَّه أوسيٌّ، ثمَّ قال أنا وإن كنتُ خزرجيًا، وكان بين الأوس والخزرج ما كان لا يمنعني ذلك أن أقولَ الحقَّ، فذكر الحديث.
والعذر للبراء أنَّه لم يقصد تغطيةَ فضل سعد بن معاذ، وإنما فهمَ ذلك فجزمَ به، هذا الذي يليقُ أن يظنَّ به وهو دالٌّ على عدمِ تعصُّبه، ولمّا جزم الخطَّابي بما تقدَّم احتاج هو ومن تبعَه إلى الاعتذارِ عمَّا صدرَ من جابر في حقِّ البراءِ رضي الله عنهما، وقالوا في ذلك ما محصَّله إنَّ البراء معذورٌ؛ لأنَّه لم يقل ذلك على سبيلِ العداوة لسعد، وإنما فهم شيئًا محتملًا فحملَ الحديث عليه.
والعذرُ لجابر رضي الله عنه أنَّه ظنَّ أنَّ البراء أراد الغضَّ من سعد فساغَ له أن ينتصرَ له، والله أعلم، وقد أنكر ابنُ عمر رضي الله عنهما ما أنكره البراءُ، فقال إنَّ العرش لا يهتزُّ لأحد، ثمَّ رجعَ عن ذلك وجزمَ بأنَّه اهتز له عرش الرَّحمن أخرج ذلك ابن حبَّان من طريق مجاهد عنه، وقد وقع في حديث ابن عمر رضي الله عنهما عند الحاكم بلفظ (( اهتزَّ العرش فرحًا بسعد ) )، لكنَّه تأوَّله كما تأوَّله البراء بن عازب فقال اهتزَّ العرش
ج 16 ص 452
فرحًا بلقاءِ الله سعدًا حتى تفسَّخت أعوادُه على عواتقنَا.
قال ابنُ عمر رضي الله عنهما يعني عرش سعدٍ الذي حُمِل عليه، وهذا من رواية عطاء بن السَّائب عن مجاهد عن ابن عمر، وفي حديث عطاء مقال؛ لأنَّه ممَّن اختلطَ في آخر عُمره، ويُعارض روايته أيضًا ما صحَّحه الترمذيُّ من حديث أنس رضي الله عنه قال لما حُمِلتْ جنازة سعد بن معاذ قال المنافقون ما أخفَّ جنازته فبلغَ ذلك النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال (( إنَّ الملائكة كانت تحمله ) ).
وزاد ابنُ سعد في «الطبقات» لما قال المنافقون ذلك قال صلى الله عليه وسلم (( لقد نزلَ سبعون ألف ملكٍ شهدوا جنازة سعدٍ ما وطئوا الأرضَ قبل اليوم ) ). وقال الحاكم الأحاديث التي تصرِّح باهتزاز عرش الرحمن مخرَّجة في «الصحيحين» وليس لمعارضها ذكر في الصَّحيح، انتهى.
وقد رُوِي اهتزازُ العرش لسعدٍ عن جماعة غير جابر رضي الله عنه، منهم أبو سعيد الخُدري، وأُسيد بن حُضير، ورُمَيثة، وأسماء بنت يزيد بن السَّكن، وعبد الله بن بدرٍ وابن عمر بلفظ «اهتز العرش فرحًا بسعد» ، وحذيفة بن اليمان، وعائشة عند ابن سعد، والحسن ويزيد بن الأصم مرسلًا، وسعد بن أبي وقاص في «كتاب أبي عَروبة الحراني» .
وفي «الإكليل» بسند صحيحٍ أنَّ جبريل عليه السلام أتى النَّبي صلى الله عليه وسلم حين قُبِضَ سعد فقال (( من هذا الميت الذي فتحتْ له أبواب السَّماء واستبشرَ بموته أهلها ) ).
وذكر العينيُّ أنَّ سعدًا رضي الله عنه كان رجلًا جسيمًا وكان تفوحُ من قبرهِ رائحةُ المسكِ، وأخذَ إنسان قبضةً من تراب قبرهِ فذهبَ بها، ثمَّ نظرَ إليها بعد ذلك فإذا هي مسكٌ رضي الله تعالى عنه.
[1] أي المدينة.
[2] في هامش الأصل في نسخة تعجب.