3833 - (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ) المعروف بابن المديني، قال (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) هو ابنُ عُيينة (قَالَ كَانَ عَمْرٌو) هو ابنُ دينار، وفي رواية الإسماعيليِّ من طريق عبد الرحمن بن بشر عن سفيان حدَّثنا عمرو بن دينار (يَقُولُ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ) التَّابعي الكبير الفقيه (عَنْ أَبِيهِ) هو المسيَّب بن حزن (عَنْ جَدِّهِ) حَزْن _ بفتح المهملة وسكون الزاي وبالنون _ ابن أبي وهب بن عَمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي.
وسعيد هذا هو أبو محمد المدني مات سنة أربع وتسعين في خلافة الوليد بن عبد الملك، وهو ابنُ خمس وسبعين سنة. وكان المسيَّب _ بتشديد المثناة التحتية المفتوحة وحكي كسرها _ ممَّن بايع تحت الشجرة وكان تاجرًا. وقال النَّووي لم يروِ عن المسيَّب إلَّا ابنه سعيد. قال وفيه ردٌّ على الحاكم أبي عبد الله الحافظ فيما قال لم يخرِّج البخاري عن أحدٍ ممَّن لم يروِ عنه إلَّا راوٍ واحدٍ، قال ولعلَّه أرادَ من غير الصَّحابة.
وأمَّا حزن فكان من أشراف قريش في الجاهلية وقد أسلم يوم الفتح. وقال أبو عمر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لحزن (( ما اسمك؟ ) )قال حزن، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( بل أنت سهل ) )فقال لا أُغيِّر اسمًا سمَّانيه أبي، ويروى أنه قال له إنما السُّهولة للحمار. قال سعيد بن المسيَّب فما زالت الحُزونة تُعرف فينا حتى اليوم.
(قَالَ) أي إنه قال (جَاءَ سَيْلٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ) أي قبل الإسلام (فَكَسَا مَا بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ) أي غطى ما بين جبلي مكَّة المشرفَيْن عليها، ويروى ، قيل أي ملأَ ما بين الجبلين اللَّذين في جانبي الكعبة.
(قَالَ سُفْيَانُ) هو ابنُ عيينة، الراوي (وَيَقُولُ) أي عَمرو المذكور (إِنَّ هَذَا لَحَدِيثٌ لَهُ شَأْنٌ) أي قصَّة طويلة. وذكر موسى بن عُقبة أنَّ السَّيل كان يأتي من فوق الرَّدم الذي بأعلى مكَّة فيخربه فتخوفوا أن يدخلَ
ج 16 ص 510
الماء الكعبة فأرادوا تشييدَ بنيانها فكان أوَّل من طلعها وهدمَ منها شيئًا الوليد بن المغيرة، وذكر القصَّة.
وحاصلها أنَّه لما بلغ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم خمسًا وثلاثين سنة أجمعت قريش لبنيان الكعبة، وكانوا يهمُّون لذلك ليسقفوها ويهابون هدمها وأنَّها كانت رضمًا مبنيَّة بالحجارة فوق القامة فأرادوا رفعها وتسقيفَها، وذلك أنَّ نفرًا سرقوا كنز الكعبة من البئر التي كانت في جوف الكعبة على يمين من دخلها، وكان عمقها ثلاثة أذرع حفرها إبراهيمُ وإسماعيل عليهما السلام؛ ليكون فيها ما يُهدى للكعبة، وكان اسمُ البئر أخسف، وكان الذي وُجِدَ عنده الكنز هو دُويك مولى بني مليح بن عَمرو من خُزاعة فقطعتْ قريش يدَه، وكان البحر قد رمى بسفينةٍ إلى جدَّة لرجل من تجَّار الروم فتحطمتْ، فأخذوا خشبها فأعدوه لتسقيفها، وكان بمكَّة رجل قبطي نجار فتهيأ لهم في أنفسهم بعض ما يُصلحها وكانت حيَّة تخرج من بئر الكعبة التي كانت يطرحُ فيها ما يُهدى لها كلَّ يوم فتشرف على جدارِ الكعبة، وكانت ممَّا يَهابونها، فبينما هي تشرفُ على جدارِ الكعبة ذات يوم، كما تصنعُ بعث الله إليها طائرًا فاختطفَها فذهبَ بها، فقالت قريش إنَّا لنرجو أن يكون الله رضيَ ما أردنا، عندنا عامل وعندنا خشب وكفانا الله الحيَّة.
ثمَّ اجتمعت القبائلُ من قريش فجمعوا الحجارةَ لبنائها كل قبيلة على حدة، ثم بنوها حتى بلغ البُنيان موضعَ الركن _ يعني الحجر الأسود _ فاختصموا فيه كلِّ قبيلة تريد أن ترفعَه إلى موضعه دون الأخرى، فآخر الأمر أنَّ أبا أميَّة بن المغيرة بن عبد الله بن عمران بن مخزوم وكان عامئذٍ أسنَّ قريش كلهم قال يا معشرَ قريش اجعلوا بينكُم فيما تختلفون فيه أوَّل من يدخل من باب هذا المسجد يقضِ بينكم، ففعلوا، فكان أوَّل داخل
ج 16 ص 511
رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فلمَّا رأوه قالوا هذا الأمين رضينا، هذا محمدًا صلى الله عليه وسلم، فلمَّا انتهى إليه الخبرُ قال صلى الله عليه وسلم (( هلم إليَّ ثوبًا ) )فأُتِيَ به فأخذ الركن _ يعني الحجر الأسود _ فوضعه فيه بيدهِ، ثمَّ قال لتأخذ كلُّ قبيلةٍ بطرفٍ من الثَّوب، ثمَّ ارفعوه جميعًا ففعلوا حتى إذا بلغوا به موضعَه، وضعه هو بيدِهِ صلى الله عليه وسلم.
هذا وأخرج الترمذيُّ من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما وصحَّحه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (( نزلَ الحجر الأسود من الجنَّة وهو أشدُّ بياضًا من اللَّبن فسوَّدته خطايا بني آدم ) ). ومن حديث عبد الله بن عَمرو رضي الله عنهما مرفوعًا وموقوفًا قال (( الركن والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنَّة طمسَ الله نورهما، ولو لم يطمسْ نورهما لأضاءا ما بين المشرقِ والمغرب ) ).
ومن حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحجر الأسود (( والله ليبعثه الله يوم القيامة، وله عينان يُبصر بهما، ولسانٌ ينطقُ به، يشهدُ لمن استلمه بحقٍّ ) ).
وفي كتاب الأزرقي جعل إبراهيم عليه السلام طولَ بناء الكعبة في السَّماء تسعة أذرعٍ وطولها في الأرض ثلاثين ذراعًا، وعرضُها في الأرض اثنين وعشرين ذراعًا، وكانت بغير سقفٍ وجعل بابها ملصقًا بالأرض.
ولما بنتها قريش جعلوا طولها في السَّماء ثمانية عشر ذراعًا، ونقصوا من طُولها في الأرض ستَّة أذرعٍ وشبرًا تركوها في الحِجْر، ورفعوا بابها من الأرض. ولما بناها ابن الزُّبير جعلَ طولها في السَّماء عشرين ذراعًا، وفي رواية زاد فيه (( تسعة أذرع ) )فكان طولها سبعة وعشرين ذراعًا، وأدخلَ فيها ما أخرجته قريش من سعتها، ولم يغيِّر الحجَّاج طولها حين هدمَها، ولكنَّه أخرج ما أدخله ابن الزُّبير وهو الذي يسمَّى الآن الحِجر _ بكسر الحاء _ والحَطيم وهو الآن على ذلك، شرَّفنا الله تعالى بزيارتها وبزيارةِ روضةِ نبيه صلى الله عليه وسلم.
وقال الكرماني الحكمةُ في أنَّ البيت حُفِظ في طوفان نوح عليه السلام من الغرقِ، ورُفِع إلى السَّماء، وفي هذا السَّيل قد غرق أنَّه لعلَّه كان ذلك عذابًا وهذا لم يكن عذابًا. انتهى.
وتعقَّبه العيني بأنَّه تصرُّفٌ عجيب لأنَّه لما جاء الطُّوفان كان البيت المعمور موضع البيت، ولما أهْبَطَ الله آدم عليه السلام إلى الأرض حمل إليه ليستأنسَ به، ثمَّ رُفِعَ في أيَّام الطُّوفان، هكذا رُوي عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما. وقيل لما نزلَ آدمُ عليه السلام إلى الأرض أنزلَ إليه خيمةً من ياقوتةٍ حمراء يطوف بها آدم عليه السلام ويأتي إليه من الهندِ. وقيل لما آل الأمرُ إلى شيث
ج 16 ص 512
عليه السلام بنى البيت.
وذكر ابنُ هشام أنَّ الماء لم يَعْلُه حين الطُّوفان، ولكنَّه قام حوله وبقيَ هو في هواء إلى السَّماء وأنَّ نوحًا عليه السلام طافَ به هو ومن معه في السَّفينة، ثمَّ بناها إبراهيمُ وإسماعيل عليهما السلام (1) .
ويروى أنَّ بين بناء إبراهيم عليه السلام الكعبة، وبَيْن أن بعثَ الله تعالى محمدًا صلى الله عليه وسلم ثلاثة آلاف سنة.
ثمَّ إنَّ للكعبة حرمًا له حكمه في الحُرمة تشريفًا لها، وهو ما أحاطَ بها من جوانبها، وحدُّه من المدينة على ثلاثة أميالٍ، ومن اليمن والعراق على سبعةٍ، ومن الجُدَّة على عشرة.
وقيل إنَّ الخليل عليه السلام لما وضعَ الحجر الأسود في الرُّكن أضاء منه نورٌ وصل إلى أماكن الحدود، فجاءت الشَّياطين فوقفتْ عند الأعلام فبناها الخليل عليه السلام. رواه مجاهد عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما. وقيل إنَّ الله عزَّ وجلَّ لما أهبطَ آدم عليه السلام أهبط بيتًا من ياقوتة أضاءَ له ما بين المشرق والمغرب فنفرتِ الجنُّ والشَّياطين وأقبلوا ينظرونَ، فجاءت الملائكة فوقفوا مكان الحرم، وكان آدم عليه السلام يطوفُ به ويأنسُ به، فقيل هذا هو السَّبب في بُعْد بعض الحدود وقُرْب بعضها، والله تعالى أعلم.
ومطابقة الحديث للترجمة في قوله «جاء سيلٌ في الجاهلية» ، وقد أخرجه البخاري في (( الأدب ) ) [خ¦6193] أيضًا.
[1] في هامش الأصل وفي (( تفسير أبي الليث ) )روى وكيع بإسناده عن علي وابن عباس رضي الله عنهما في قوله {والبيت المعمور} قالا هو بيت في السماء حيال الكعبة يزوره كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه إلى يوم القيامة، وقال بعضهم بناه الملائكة قبل أن يُخلق آدم عليه السلام، وقال بعضهم هو البيت الذي بناه آدم عليه السلام بمكة فرفعه الله تعالى أيام الطوفان إلى السماء بحيال الكعبة، وقال بعضهم أنزل الله تعالى بيتًا من ياقوتة في زمان آدم عليه السلام ووضع بمكة فكان آدم يطوف به وذريته من بعده إلى زمان طوفان نوح عليه السلام فرفع إلى السماء وهو البيت المعمور، قيل وهو في السماء السابعة، ويقال في السماء السادسة، ويقال في السماء الرابعة، والله تعالى أعلم. منه.