3834 - (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) هو محمد بن الفضل السَّدوسي، قال (أَخْبَرَنَا أَبُو عَوَانَةَ) بفتح العين المهملة، الوضَّاح بن عبد الله اليشكري (عَنْ بَيَانٍ) بفتح الموحدة وتخفيف المثناة التحتية، هو ابن بشر (أَبِي بِشْرٍ) بكسر الموحدة، الأحمسي المعلم الكوفي (عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ) بالحاء المهملة وبالزاي، واسمُ أبي حازم عوف، قدم المدينة طالبًا للنَّبي صلى الله عليه وسلم بعد ما قبضَ، وقد مرَّ غير مرة، أنَّه (قَالَ دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ) يعني الصِّديق رضي الله عنه
ج 16 ص 513
(عَلَى امْرَأَةٍ مِنْ أَحْمَسَ) بالمهملتين وفتح الميم، وهي قبيلةٌ من بُجَيلة، وأغربَ ابن التِّين فقال المراد امرأةٌ من الحُمس وهم من قريش.
(يُقَالُ لَهَا زَيْنَبُ) هي بنتُ المهاجر، روى حديثها محمَّد بن سعد في «الطبقات» من طريق عبد الله بن جابر الأحمسي عن عمَّته زينب بنت المهاجر قالت خرجتُ حاجَّة ... ، فذكر هذا الحديث.
وذكر أبو موسى المدينيُّ في «ذيل الصحابة» أنَّ ابن مندهْ ذكر في «تاريخ النساء» له أنَّ زينب بنت جابر أدركتْ النَّبي صلى الله عليه وسلم وروت عن أبي بكر رضي الله عنها وروى عنها عبد الله بن جابر وهي عمَّته. قال وقيل هي بنت المهاجر بن جابر. وذكر الدَّارقطني في «العلل» أنَّ في رواية شريك وغيره عن إسماعيل بن أبي خالد في حديث الباب أنها زينبُ بنت عوف. قال وذكر ابنُ عيينة عن إسماعيل أنها جدَّة إبراهيم بن المهاجر.
قال الحافظُ العسقلاني والجمعُ بين هذه الأقوال ممكنٌ بأنَّ من قال بنت المهاجر نسبها إلى أبيها، أو بنت جابر نسبها إلى جدِّها الأدنى، أو بنت عوف نسبها إلى جدِّها الأعلى، والله تعالى أعلم.
(فَرَآهَا لاَ تَكَلَّمُ، فَقَالَ مَا لَهَا لاَ تَكَلَّمُ؟) بحذف التاء في الموضعين (قَالُوا حَجَّتْ مُصْمِتَةً) بضم الميم وسكون المهملة، بلفظ اسم الفاعل؛ أي ساكتة، يُقال أَصْمت إِصْماتًا وصَمَت صُمُوتًا وصَمْتًا، والاسم الصُّمت بالضم.
(قَالَ لَهَا تَكَلَّمِي، فَإِنَّ هَذَا) أي ترك الكلام (لاَ يَحِلُّ، هَذَا) أي الإصمات (مِنْ عَمَلِ الْجَاهِلِيَّةِ) ووقع عند الإسماعيليِّ من وجه آخر عن أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه أنَّ المرأة قالت له كان بيننا وبين قومك في الجاهلية شرٌّ فحلفت أنَّ الله إن عافى من ذلك أن لا أكلِّم أحدًا حتى أحجَّ فقال (( إنَّ الإسلام يهدمُ ذلك فتكلَّمي ) ). وللفاكهي من طريق زيدِ بن وهب عن أبي بكر رضي الله عنه نحوه.
وقد استدلُّ بقول أبي بكر رضي الله عنه هذا أنَّ من حلفَ لا يتكلَّم لا ينعقدُ نذرُه واستُحِبَّ له أن يتكلَّم
ج 16 ص 514
ولا كفَّارة عليه؛ لأنَّ أبا بكر رضي الله عنه أطلقَ أنَّ ذلك لا يحلُّ، وأنَّه من فعل الجاهلية، وأنَّ الإسلام هدم ذلك ولم يأمرْها بالكفَّارة ولا يقولُ أبو بكر رضي الله عنه مثل هذا إلَّا عن توقيف فيكون في حكم المرفوعِ.
ويؤيِّد ذلك حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما في قصَّة أبي إسرائيل الذي نذرَ أن يمشيَ ولا يركبَ ولا يستظلَّ ولا يتكلَّم، فأمره النَّبي صلى الله عليه وسلم أن يركبَ ويستظلَّ ويتكلَّم [خ¦6704] . وحديث عليٍّ رضي الله عنه رفعه (( لا يُتْم بعد احتلامٍ، ولا صمت يوم إلى اللَّيل ) )أخرجه أبو داود.
وقال الخطَّابي في «شرحه» كان من نُسك أهل الجاهلية الصَّمت فكان يعتكف اليوم واللَّيلة ويصمتُ، فنُهوا عن ذلك وأُمروا بالنُّطق بالخير.
وقد تقدَّمت الإشارة إلى حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما في «كتاب الحجِّ» [خ¦1865] عن أنس، ويأتي الكلام عليه في كتاب «الأيمان والنُّذور» إن شاء الله تعالى [خ¦6704] .
وقال ابنُ قدامة في «المغني» ليس من شريعة الإسلام الصَّمت عن الكلام، وظاهرُ الأخبار التَّحريم، واحتجَّ بحديث أبي بكر وحديث علي رضي الله عنهما المذكور قال فإن نذرَ ذلك لم يلزمه الوفاءُ به، وبهذا قال الشَّافعي وأصحاب الرأي ولا نعلم فيه خلافًا. انتهى.
وكلام الشافعية يقتضي أنَّ مسألة النَّذر ليست منقولة، فإنَّ الرَّافعي ذكر في كتاب النذر أنَّ في «تفسير أبي نصر القشيري» عن القفَّال قال من نذرَ أن لا يكلِّم الآدميين يحتمل أن يُقال يلزمه لأنَّه مما يُتقرَّب به. ويحتملُ أن يُقال لا؛ لما فيه من التَّضييق والتَّشديد، وليس ذلك من شرعنا، كما لو نذر الوقوف في الشَّمس.
قال أبو نصر فعلى هذا يكون نذر الصَّمت في تلك الشَّريعة لا في شريعتنا، ذكره في تفسير سورة مريم عند قولها {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا} [مريم 26] . وقال ابنُ الرِّفعة في قول الشيخ أبي إسحاق في «التنبيه»
ج 16 ص 515
ويكره له صمت يومٍ إلى اللَّيل.
قال في «شرحه» إذ لم يُؤثَر ذلك، بل جاءَ في حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما النَّهي عنه [خ¦6704] . ثمَّ قال نعم قد وردَ في شرعِ من قبلنا، فإن قلنا إنَّه شرعٌ لنا لم يُكره إلَّا أنَّه لا يُستحبُّ، قاله ابن يونس. قال وفيه نظرٌ؛ لأنَّ الماوردي قال رُوِي عن ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعًا (( صمتُ الصَّائم تسبيح ) ).
قال فإن صحَّ دلَّ على مشروعية الصَّمت، وإلَّا فحديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما أقل درجاتهِ الكراهة. قال وحيث قلنا إنَّ شرع من قبلنا شرعٌ لنا فذلك إذا لم يَرِدْ في شرعنَا ما يخالفُه. انتهى.
والحديث المذكور لا يثبت، وقد أوردهُ صاحب «مسند الفردوس» من حديث ابنِ عمر رضي الله عنهما، وفي إسناده الرَّبيع بن بدر، وهو ساقطٌ.
ولو ثبتَ لما أفاد المقصود لأنَّ لفظة (( صمتُ الصَّائم تسبيحٌ، ونومُه عبادةٌ، ودعاؤه مستجابٌ ) )فالحديث يُساق في أن أفعال الصَّائم كلها محبوبة، لا أنَّ الصَّمت بخصوصه مطلوبٌ. وقد قال الرُّوياني في «البحر» في أواخر الصيام فرع جرت عادة الناس بترك الكلام في رمضان، وليس له أصل في شرعنا بل في شرع من قبلنا، فيخرج جوازُ ذلك على الخلاف في المسألة، انتهى.
قال الحافظُ العسقلاني وليتعجب ممَّن نسبَ تخريج مسألة النَّذر إلى نفسه من المتأخرين.
وأمَّا الأحاديث الواردة في الصَّمت وفضله كحديث (( من صمتَ نجا ) )أخرجه الترمذيُّ من حديث عبد الله بن عَمرو بن العاص رضي الله عنهما.
وحديث (( أيسر العبادة الصَّمت ) )أخرجه ابنُ أبي الدنيا بسندٍ مرسلٍ، رجاله ثقاتٌ، إلى غير ذلك، فلا يُعارض ما جزم به الشيخ أبو إسحاق من الكراهة لاختلاف المقاصد في ذلك، فإنَّ الصَّمت المباح المرغوب فيه [1] ترك الكلام الباطل، وكذا المباح الذي يجرُّ إلى شيءٍ من ذلك.
والصَّمت المنهيُّ عنه ترك الكلام في الحقِّ لمن يستطيعه، وكذا المباح الذي يستوي طرفاهُ، والله تعالى أعلم.
(فَتَكَلَّمَتْ، فَقَالَتْ مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ) أي أبو بكر رضي الله عنه (امْرُؤٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، قَالَتْ أَيُّ الْمُهَاجِرِينَ؟ قَالَ مِنْ قُرَيْشٍ، قَالَتْ مِنْ أَيِّ قُرَيْشٍ؟ قَالَ إِنَّكِ لَسَؤلٌ) أي كثيرة السُّؤال
ج 16 ص 516
وهذه الصيغة يستوي فيها المذكر والمؤنث (أَنَا أَبُو بَكْرٍ، قَالَتْ مَا بَقَاؤُنَا عَلَى هَذَا الأَمْرِ الصَّالِحِ الَّذِي جَاءَ اللَّهُ بِهِ بَعْدَ الْجَاهِلِيَّةِ) أي على دين الإسلام، وما اشتملَ عليه من العدل ووضع كلِّ شيءٍ في محلِّه واجتماع الكلمة ونصرِ المظلوم.
(قَالَ) أي أبو بكر رضي الله عنه (بَقَاؤُكُمْ عَلَيْهِ مَا اسْتَقَامَتْ لَكُمْ أَئِمَّتُكُمْ) كذا في رواية الكُشميهني باللام، وفي رواية غيره بالباء.
ومحصَّل الاستقامة الدَّوام على طاعةِ الله تعالى وعدمِ الخروج عن حدودِ الله تعالى، ودقَّة البقاء بالاستقامة إذ باستقامتهِم تقامُ الحدود وتُؤخذُ الحقوق ويُوضعُ كلُّ شيءٍ في موضعه.
(قَالَتْ وَمَا الأَئِمَّةُ؟ قَالَ أَمَا كَانَ لِقَوْمِكِ رُؤُسٌ وَأَشْرَافٌ، يَأْمُرُونَهُمْ فَيُطِيعُونَهُمْ؟ قَالَتْ بَلَى، قَالَ فَهُمْ أُولَئِكَ عَلَى النَّاسِ) ومطابقة الحديث للترجمة في قوله (( هذا من عمل الجاهلية ) ).
[1] في هامش الأصل في نسخة المرغَّب فيه.