فهرس الكتاب

الصفحة 5738 من 11127

3841 - (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) بضم النون، الفضل بن دُكين، قال (أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ) هو ابنُ عيينة، قاله العيني. وقال الحافظ العسقلاني هو الثَّوري (عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْر) الكوفي (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) أي ابن عبد الرحمن، ولأحمد عن عبد الرحمن بن مهدي عن الثوري حدثنا عبد الملك بن عُمير. ولمسلم من هذا الوجه عن عبد الملك حدثنا أبو سلمة (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) ولمسلم من طريق إسرائيل عن عبد الملك عن أبي سلمة بن عبد الرحمن سمعت أبا هريرة رضي الله عنه.

(قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا الشَّاعِرُ، كَلِمَةُ لَبِيدٍ) كلمة «أصدق» أفعلُ تفضيل يدلُّ على المبالغة في الصِّدق في رواية مسلم من طريق شريك عن عبد الملك (( أشعر كلمة تكلَّمت بها العرب كلمة لبيد. .. إلى آخره ) ).

وقد رُوِيت هذه اللَّفظة بألفاظ مختلفة (( أصدق كلمة ) ) (( أصدق بيت قاله الشاعر ) )كما رواه مسلم من طريق شعبة وزائدة عن عبد الملك بلفظ (( إنَّ أصدقَ بيتٍ قاله الشَّاعر ) )، وليس في رواية شعبة «إن» ، ويروى (( أصدقُ بيت قالتْه الشُّعراء ) ). ويروى (( أشعرُ كلمةٍ قالتها العربُ ) )ذكرهُ ابن مالك في «شرحه للتَّسهيل» .

قال الحافظُ العسقلاني فلولا أن في حفظِ شريك مقالًا لرفع هذا اللَّفظ، يعني لفظُ «أشعر» الإشكالَ

ج 16 ص 522

الذي أبداهُ السُّهيلي على رواية الصَّحيح بلفظ (( أصدق ) )، إذ لا يلزم من لفظ «أشعر» أن يكون أصدق. انتهى.

وسيأتي الإشكالُ الذي أبداه السُّهيلي على رواية الصَّحيح.

وكل الرِّوايات المذكورة من وصف المعاني مُبالغة بما يوصف به الأعيان كقولهم شعر شاعر، وخوف خائف، وموت مائت، ثم يُصاغ منه أفعل باعتبار ذلك المعنى، فيُقال شعرك أشعر من شعره، وخوفي أخوفُ من خوفه.

ثمَّ إن قوله «كلمة» من إطلاق الكلمة على الكلام، والمراد هنا البيت الذي ذكر شطره. ويحتمل أن يرادَ القصيدة كلها، ويؤيِّد الأوَّل رواية مسلم بلفظ (( أصدقُ بيت ) ).

(أَلاَ كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلاَ اللَّهَ بَاطِلٌ) كلمة (( ألا ) )حرف استفتاحٍ، فتُصدَّر بها الجملة الاسميَّة والفعلية، ولفظ (( كل ) )إذا أُضيف إلى النَّكرة يقتضِي عموم الإفراد، وإذا أضيف إلى المعرفة يقتضِي عموم الأجزاء يظهرُ ذلك في كلُّ رمانٍ مأكولٌ، وكلُّ الرُّمانِ مأكولٌ، فالأوَّل صحيحٌ دون الثاني.

وقوله (( ما خلا الله ) )كلمةُ «خلا» و «عدا» إذا وقعا صلة لـ «ما» المصدريَّة وجب أن تكونا فعلين؛ لأنَّ الحرف لا يوصلُ بالحرف فوجبَ أن يكونا فعلين فوجبَ النَّصب، فلفظة الجلالة منصوبةٌ بقوله «خلا» ، وقوله «كلُّ شيء» مبتدأ، وقوله «باطلٌ» خبره.

فإن قيل كيف يُوصف كلُّ شيءٍ بالبطلان مع اندراج الطَّاعات والعبادات في ذلك، وهي حقٌّ لا محالة؟ وكذا قوله صلى الله عليه وسلم في دعائه باللَّيل (( أنت الحقُّ، وقولُك الحقُّ، والجنَّة حقٌّ، والنار حقٌّ. .. إلى آخره ) ) [خ¦1120] وهذا هو الإشكال الذي أبداه السُّهيلي.

فالجواب أنَّ المراد من قوله (( ما خلا الله ) )ما عداه وما عدا صفاته الذَّاتية، والفعلية من رحمته وعذابه وغير ذلك، فلذلك ذكر الجنة والنار، أو المراد بالبطلان الفناء والزَّوال لا الفساد، وكلُّ شيءٍ سوى الله تعالى جائزٌ عليه الفناء لذاتهِ حتى الجنَّة والنار، وإنما تبقيان بإبقاءِ الله تعالى لهما وخَلْقِ الدَّوام لأهلهما، وكذا كلُّ شيءٍ لا يزولُ فبإبقاء الله تعالى، والحقُّ على الحقيقة من لا يجوزُ عليه الزَّوال لذاته.

ولعلَّ هذا هو السِّرُّ في إثبات الألف واللَّام في قوله (( أنت الحقُّ وقولك الحقُّ ووعدُك الحقُّ ) )وفي حذفهما عند ذكر غيرهما، والله تعالى أعلم.

والنصف الأخير للبيت

~وَكُلُّ نَعِيْمٍ لَا مَحَالَةَ زَائِلُ

وهو من قصيدة من الطويل، وجملتها عشرة أبيات،

ج 16 ص 523

ذكرها العيني في «شرح الشواهد الكبرى» .

ومن جملتها قوله

~وَكُلُّ أُنَاسٍ سَوْفَ تَدْخُلُ بَيْنَهُمْ دُوَيْهِيَّةُ تَصْفَرُّ مِنْهَا الْأَنَامِل

~وَكُلُّ ابْنِ أُنْثَى لَو تَطَاوَلَ عُمْرُه إِلَى الغَايَةِ القُصْوَى فَلِلقَبْرِ آيِلُ

~وَكُلُّ امْرِئٍ يَوْمًا سَيَعْلَمُ سَعْيَه إِذَا حَصَلتْ عِنْدَ الإِلَهِ الحَصَائلُ

وفي إيراد البخاري ذلك في هذا الباب تلميحٌ إلى ما وقع لعثمان بن مظعون رضي الله عنه بسبب هذا البيت مع ناظمه لبيد بن ربيعة قبل إسلامه، والنَّبي صلى الله عليه وسلم يومئذٍ بمكة، وقريش في غاية الأذيَّة للمسلمين.

فذكرَ ابنُ إسحاق عن صالح بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوف عمَّن حدَّثه عن عثمان بن مَظعون أنَّه لما رجعَ من الهجرة إلى الحبشةِ دخل مكَّة في جوار الوليد بن المغيرة، فلمَّا رأى المشركين يؤذون المسلمين، وهو آمنٌ ردَّ على الوليد جوارهُ، فبينما هو في مجلسٍ لقريش وقد وفدَ عليهم لبيدُ بن ربيعة، فقعد ينشدُهم من شعره، فقال لبيد [1]

~أَلَا كُلُّ شَيٍء مَا خَلَا اللهَ بَاطِلُ

فقال عثمان بن مظعون صدقت. فقال لبيد

وَكُلُّ نَعِيمٍ لَا مَحَالَةَ زَائلُ

فقال عثمان كذبت نعيم الجنَّة لا يزول، فقال لبيد متى كان يُؤذىَ جليسُكم يا معشرَ قريش، فقام رجلٌ منهم فلطمَ عثمان فاخضرَّت عينه، فلامَه الوليد على ردِّ جواره، فقال قد كنت في ذمَّة منيعةٍ، فقال عثمان إنَّ عيني الأخرى إلى ما أصاب أختها لفقيرة، فقال الوليد فعدْ إلى جوارك، فقال بل أرضى بجوارِ الله تعالى.

ثم إنَّ لبيدًا _ بفتح اللام وكسر الموحدة _ هو ابنُ ربيعة بن عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن الجعفري الكلابي العامري، شاعرٌ من فحول الشُّعراء، مُفْلَقٌ متقدِّم في الفصاحة، مجيد فارسٌ جوادٌ حكيمٌ، يكنى أبا عقيل، مخضرمٌ أدرك الجاهلية والإسلام، وهو عند ابن سلام من الطبقة الثالثة من شعراء الجاهلية، وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة وفد بنو جعفر، فأسلم وحسنَ إسلامه، وذكره في الصَّحابة البخاري، وابنُ أبي خيثمة وغيرهما.

وقال ابنُ قتيبة قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم

ج 16 ص 524

في وفدِ كلاب، وكان شريفًا في الجاهلية والإسلام.

ثم سكن الكوفة ومات بها في إمارة الوليد بن عقبة عليها في خلافة عثمان رضي الله عنه، قال مالك بن أنس بلغني أنه عاش مائة وأربعين سنة، وقيل عاش مائة وخمسين سنة، وقيل مات وهو ابنُ مائة وسبع وخمسين سنة.

وقال أكثر أهل العلم بالأخبار أنه لم يقل شعرًا منذ أسلم، وروي أنَّه قال لعمر رضي الله عنه لما سأله عمَّا قاله من الشعر في الإسلام قد أبدلني الله بالشِّعر سورة البقرة.

وقيل هو القائل

~وَلَقَدْ سَئمْتُ مِنَ الحَيَاةِ وَطُوْلِهَا وسُؤالِ هَذَا النَّاسِ كَيفَ لَبِيْدُ

وهذا يعكِّر على من قال إنَّه لم يقل شعرًا منذ أسلم إلَّا أن يريدَ القِطَعَ المطوَّلة لا البيت والبيتين، والله تعالى أعلم.

(وَكَادَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ أَنْ يُسْلِمَ) هو أُمَيَّة _ بضم الهمزة وتخفيف الميم المفتوحة وتشديد المثناة التحتية _ ابن أبي الصَّلْت بفتح المهملة وسكون اللام وبالفوقانية. واسم أبي الصَّلت عبدُ الله بن ربيعة بن عوف بن عقدة بن غِيَرة _ بكسر المعجمة وفتح التحتية _ ابن عوف بن ثقيف، أبو عثمان الثَّقفي، ويقال أبو الحكم، كان ممَّن طلب الدين ونظرَ في الكتب، ويُقال إنَّه دخل في النَّصرانية وأكثر في شعرهِ من ذكر التَّوحيد، قدم دمشق قبل الإسلام، وقيل إنه كان صالحًا يتعبَّد في الجاهلية ويُؤمن بالبعثِ وأدرك الإسلامَ ولم يسلم.

وقال الواقديُّ وكان قد تنبَّئ في الجاهليَّة في أوَّل زمانه وأنَّه كان في أوَّل عُمره على الإيمان، ثم زاغَ عنه، وأنَّه هو الذي أرادَ الله تعالى بقوله {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا} [الأعراف 175] الآية. وكذا روى ابنُ مَردويه في «تفسيره» بإسنادٍ قويٍّ عن عبد الله بن عَمرو بن العاص رضي الله عنهما، وروى من وجه آخر أنها نزلت في بلعام الإسرائيلي وهو المشهورُ، وروى الطَّبراني من حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما عن أبيه أنَّه سار مع أمية. فذكر قصَّةً وأنَّه سأله عن عُتبة بن ربيعة وعن سنِّه ورئاستهِ فأعلمَه أنَّه متَّصف بذلك، فقال أزرىَ به ذلك، فغضبَ أبو سفيان فأخبرهُ أميَّة أنَّه نظر في الكتب أنَّ نبيًا يبعث

ج 16 ص 525

من العرب أظلَّ زمانه قال فرجوتُ أن أكونه، قال ثم نظرتُ فإذا هو من بني عبد مناف، فنظرتُ فيهم فلم أرَ مثل عتبةَ، فلمَّا قال لي إنَّه رئيس، وإنَّه جاوز الأربعين عرفت أنَّه ليس هو. قال أبو سفيان فما مضت الأيَّام حتى ظهرَ محمد صلى الله عليه وسلم فقلتُ لأميَّة قال نعم إنَّه لهو، قلت أفلا تتَّبعه؟ قال أستحيِي من نُسَيَّات ثقيفٍ، إنِّي كنتُ أقولُ لهنَّ إنَّني أنا هو، ثمَّ أصير تابعًا لغلام من بني عبد مناف.

وذكر أبو الفرج الأصبهاني أنَّه قال عند موته أنا أعلم أنَّ الحنيفية حقٌّ، ولكن الشَّك يُداخلني في محمَّد. وقال أيضًا وقيل لما بعثَ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أخذَ أميَّة ابنيه وهربَ بهما إلى اليمن، ثمَّ عاد إلى الطَّائف، ومات في السنة الثانية من الهجرة.

ورُوِي أنَّه عاش حتى أدركَ وقعةَ بدرٍ ورثى من قُتِلَ بها من الكفَّار، كما سيأتي شيءٌ من ذلك في «أبواب الهجرة» [خ¦6147] ، ولموتهِ قصَّة طويلةٌ أخرجها البخاري في «تاريخه» ، والطَّبراني وغيرهما، وكان شاعرًا مجيدًا إلَّا أنَّه لقراءتهِ الكتب المنزلة كان يأتي في شعرهِ بأشياء لا يعرفُها العرب، فلذلك العلماءُ لا يحتجُّون بشعره.

وروى مسلم عن الشَّريد _ بفتح الشين المعجمة _ ابن سويد قال ردفتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا فقال (( هل معك من شعر أميَّة بن الصَّلت شيء؟ ) )قلت نعم قال (( هيه ) )فأنشدتُه بيتًا، فقال (( هيه ) )حتى أنشدته مائة بيت، فقال (( لقد كاد يُسلم في شعره ) ).

وروى الفاكهيُّ وابنُ مندهْ من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّ الفارعة بنت أبي الصَّلت أخت أميَّة أتت النَّبي صلى الله عليه وسلم فأنشدتْهُ من شعرِ أميَّة فقال (( آمنَ شعرهُ وكفرَ قلبه ) )، ويروى قال (( لقد كادَ أن يسلمَ في شعره ) ). ولفظة «كاد» ، من أفعال المقاربةِ وهو ما وضع لدنو الخبر رجاءً، أو حصولًا، أو أخذًا فيه، تقول كادَ زيدٌ أن يخرجَ وكاد أن يخرجَ.

فقوله صلى الله عليه وسلم (( وكادَ أميَّة بن الصَّلت أن يسلم ) )أي قارب أميَّة الإسلام، ولكنَّه لم يسلم.

ومطابقة الحديث للترجمة من حيث إنَّ كلاًّ من لبيد وأميَّة شاعرٌ من شعراء الجاهلية.

[1] في هامش الأصل وضم بعضهم إلى ذلك وعزاه إليه قوله

~سوى جنة الفردوس إن نعيمها يدوم ويبقى لا إلى الهُلك مائل

منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت