3855 - (حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) هو أخو أبي بكر بن أبي شيبة، وأبو شيبة اسمه إبراهيم، وهو جدهما لأنهما ابنا محمد بن أبي شيبة وكلاهما من شيوخ البخاري ومسلم قال
(أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ) هو ابنُ عبد الحميد (عَنْ مَنْصُورٍ) هو ابن المعتمر، أنَّه قال (حَدَّثَنِي) بالإفراد (سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، أَوْ قَالَ حَدَّثَنِي الْحَكَمُ) بفتح الحاء المهملة والكاف، هو ابن عُتيبة الكوفي؛ أي وقال منصور حدَّثني الحكم؛ يعني أن منصورًا شك في روايته بين سعيد بن جُبير وبين الحكم حيث قال حدَّثني سعيد بن جُبير، أو قال حدَّثني الحكم عن سعيد بن جُبير.
(عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ) أنَّه (قَالَ أَمَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبْزَى) بفتح الهمزة وسكون الموحدة وفتح الزاي مقصورًا، كوفي مولى خُزاعة أدرك النَّبي صلى الله عليه وسلم وصلى خلفه، وقد مرَّ في «التيمم» [خ¦338] (قَالَ سَلِ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ هَاتَيْنِ الآيَتَيْنِ مَا أَمْرُهُمَا) أي ما التَّوفيق بينهما حيث دلَّ الأولى على العفو عند التَّوبة، والثانية على وجوب الجزاء مطلقًا.
( {وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} ) كذا وقع في الرِّواية، والتي في التِّلاوة {وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} [الفرقان 68] هكذا في سورة الفرقان، وهي التي ذُكِرت في بقيَّة الحديث فتعين أنها المراد في أوَّله ( {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا} ) آخرها {فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا} [النساء 93] .
(فَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَقَالَ لَمَّا أُنْزِلَتِ الَّتِي فِي الْفُرْقَانِ، قَالَ
ج 17 ص 14
مُشْرِكُو أَهْلِ مَكَّةَ قَدْ قَتَلْنَا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ وَدَعَوْنَا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ، وَأَتَيْنَا الْفَوَاحِشَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ {إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ} الآيَةَ، فَهَذِهِ) أي آية سورة الفرقان (لأُولَئِكَ) أي لمشركي أهل مكة.
(وَأَمَّا الَّتِي فِي النِّسَاءِ الرَّجُلُ إِذَا عَرَفَ الإِسْلاَمَ وَشَرَائِعَهُ، ثُمَّ قَتَلَ فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ) وفي رواية زيادة قوله تعالى < {خَالِدًا فِيهَا} > فقد أجاب ابن عباس رضي الله عنهما بأن الآية التي في سورة الفرقان وهي الأولى في حقِّ الكفار، والتي في سورة النساء وهي الثانية في حقِّ المسلمين.
وفي رواية مسلم عن سعيد بن جُبير قال أمرني عبد الرَّحمن بن أبزى أن أسألَ ابن عباس رضي الله عنهما عن هاتين الآيتين {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ} [النساء 93] فسألته فقال لم ينسخها شيء وعن هذه الآية {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} [الفرقان 68] قال نزلت في أهل الشرك.
وفي رواية له عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال نزلت هذه الآية بمكة {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ} إلى قوله عز وجل {مُهَانًا} [الفرقان 68 - 69] فقال قال المشركون وما يغني عنا الإسلام وقد عدلنا بالله، وقد قتلنا النفس التي حرَّم الله، وآتينا الفواحش، فأنزل الله تعالى {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا} إلى آخر الآية قال فأما من دخل في الإسلام وعَقَلَهُ، ثم قتل فلا توبة له.
وفي رواية له عن سعيد بن جبير قال قلت لابن عباس رضي الله عنهما ألمن قتل مؤمنًا متعمدًا من توبة قال لا، قال فتلوت هذه الآية التي في الفرقان {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} إلى آخر الآية قال هذه آية مكية نسختها آية مدنية {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ} فادعى أن هذه الآية مدنية نسخت هذه الآية المكية وهي {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ} الآية.
هذا هو المشهور عن ابن عباس رضي الله عنهما. ورُوِي عنه أن له توبة وجواز المغفرة له لقوله تعالى وَمَنْ يَعْمَلْ
ج 17 ص 15
سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء 110] وهذه الرواية الثانية هي مذهب جميع أهل السنة والصَّحابة والتابعين ومن بعدهم.
قال النَّووي وما رويَ عن بعض السَّلف ممَّا يخالف هذا محمولٌ على التَّغليظ والتَّحذير من القتل، وليس في هذه الآية التي احتجَّ بها ابن عبَّاس رضي الله عنهما تصريح بأنَّه يخلَّد وإنما فيها جزاؤه، ولا يلزم منه أن يجازى ويصح أن يُقال جزاء فلان القتل لكن عفوت عنه.
والحاصل أنَّ الكافر إذا تاب وأسلمَ يُغفر له قطعًا فإنَّ الإسلام يجبُّ ما قبله. وأمَّا المسلم التَّائب فهو في مشيئة الله تعالى إن شاء جازاه، وإن شاءَ عفا عنه، عفا الله عزَّ وجلَّ عنَّا، والله تعالى أعلم.
(فَذَكَرْتُهُ لِمُجَاهِدٍ) أي قال عبد الرحمن بن أبزى فذكرت الحديث لمجاهد بن جبر (فَقَالَ إِلاَّ مَنْ نَدِمَ) يعني قال إن آية سورة النساء مطلق فتُقيَّد بقوله إلا من ندم؛ أي إلا من تاب حملًا للمطلق على المقيد.
ومطابقة الحديث للترجمة تؤخذ من قول مشركي أهل مكة قد قتلنا النفس التي حرم الله، فإنه لم يكن في إيصالهم الأذى للمسلمين أشد من قتلهم وتعذيبهم إيَّاهم.
وقال الحافظ العسقلاني والغرض منه؛ أي من هذا الحديث الإشارة إلى أن صنيعَ المشركين بالمسلمين من قتلٍ وتعذيبٍ وغير ذلك يسقط عنهم بالإسلام. وتعقبه العينيُّ بأنَّ الترجمة ليست بمعقودة لذلك وإن كان الأمر في نفسه كذلك.
وقد أخرجه البخاري في «التفسير» أيضًا [خ¦4590] ، وأخرجه مسلم في آخر الكتاب.