فهرس الكتاب
3976 - (حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) هو المعروف بالمسنَدي، أنَّه (سَمِعَ رَوْحَ) بفتح الراء وبالمهملة، (ابْنَ عُبَادَةَ) بضم المهملة وتخفيف الموحدة (قَالَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ) بفتح المهملة وتخفيف الراء المضمومة وبالموحدة (عَنْ قَتَادَةَ) أنَّه (قَالَ ذَكَرَ لَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي طَلْحَةَ) هو زيدُ بن سهل
ج 17 ص 310
الأنصاري، وهذا من رواية صحابيٍّ عن صحابي، أنس عن أبي طلحة رضي الله عنه، وقد رواه شيبان عن قتادة فلم يذكر أبا طلحة ورواية سعيد أولى، وكذا أخرجه مسلم من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس، بغير ذكر أبي طلحة.
(أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ يَوْمَ بَدْرٍ بِأَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ رَجُلًا مِنْ صَنَادِيدِ قُرَيْشٍ) الصَّناديد جمع صنديد _ بالمهملة والنون _ على وزن عفريت، وهو السيِّد الشُّجاع العظيم، ووقع عند ابنِ عائذ عن سعيد بن بشر عن قتادة ببضعة وعشرين، وهي لا تنافي رواية الباب؛ لأنَّ البضع يُطلق على الأربع أيضًا.
وسيأتي من حديث البراء رضي الله عنه [خ¦3986] أنَّ قتلى بدر كانوا سبعين، وكان الذين طرحوا في القَليب كانوا الرُّؤساء منهم. وأفاد الواقدي أنَّ القَليب المذكور كان قد حفرهُ رجل من بني النَّار، فناسبَ أن يلقي فيه هؤلاء الكفار.
(فَقُذِفُوا) على البناء للمفعول؛ أي طرحوا (فِي طَوِيٍّ) بفتح الطاء المهملة وكسر الواو وتشديد الياء، وهي البئرُ المطويَّة بالحجارة، ويجمعُ على أطواء، كما قال (مِنْ أَطْوَاءِ بَدْرٍ خَبِيثٍ) أي غير طيب (مُخْبِثٍ) بضم الميم وكسر الموحدة، من قولهم أخبث؛ أي اتخذ أصحابًا خبثاء.
(وَكَانَ إِذَا ظَهَرَ عَلَى قَوْمٍ) أي وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غلبَ على قوم (أَقَامَ بِالْعَرْصَةِ) وهي كلُّ موضع واسعٍ لا بناءَ فيه (ثَلاَثَ لَيَالٍ، فَلَمَّا كَانَ بِبَدْرٍ الْيَوْمَ الثَّالِثَ أَمَرَ بِرَاحِلَتِهِ فَشُدَّ) على البناء للمفعول (عَلَيْهَا رَحْلُهَا) بالرفع على أنَّه نائب الفاعل (ثُمَّ مَشَى وَاتَّبَعَهُ أَصْحَابُهُ، وَقَالُوا مَا نُرَى يَنْطَلِقُ إِلاَّ لِبَعْضِ حَاجَتِهِ، حَتَّى قَامَ عَلَى شَفَةِ الرَّكِيِّ) أي على طرف البئر، وفي رواية الكُشميهني . والرَّكِي _ بفتح الراء وكسر الكاف وتشديد الياء _ هو البئر قبل أن تُطوى، والفارق بينه وبين واحده التاء. فإن قيل بين قوله «في طوى» ، وبين قوله «الركي» ، منافاة.
ج 17 ص 311
فالجواب أنَّه لا منافاة لأنَّها مطويَّة، ثمَّ استهدمتْ فصارت كالركي.
(فَجَعَلَ يُنَادِيهِمْ بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِهِمْ يَا فُلاَنُ بْنَ فُلاَنٍ) وفي رواية ابن إسحاق، وأحمد وغيرهما من حديث حميد عن أنس رضي الله عنه «فنادَى يا عتبة بن ربيعة، ويا شيبةَ بن ربيعة، ويا ربيعة، ويا أميَّة بن خلف، ويا أبا جهل بن هشام» الحديث.
وفي ذكر أميَّة معهم نظرٌ؛ لأنَّ أميَّة لم يُلْقَ في القليب؛ لأنَّه كان ضخمًا فانتفح فألقوا عليه من الحجارة والتراب ما غيَّبه. وقد أخرجَ ذلك ابن إسحاق أيضًا من حديث عائشة رضي الله عنها، لكن يجمعُ بينهما بأنَّه كان قريبًا من القليب فنُودي فيمن نُودي لكونه كان من جملة رؤسائهم.
وقال ابنُ إسحاق حدَّثني بعض أهل العلم أنَّه صلى الله عليه وسلم قال «يا أهلَ القليب بئسَ عشيرة النَّبي كنتُم، كذَّبتموني وصدَّقني النَّاس» الحديث.
(أَيَسُرُّكُمْ أَنَّكُمْ أَطَعْتُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّا قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قال) أي الراوي (فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا تُكَلِّمُ) كلمة «ما» استفهامية (مِنْ أَجْسَادٍ لاَ أَرْوَاحَ لَهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ) أي من الذين ألقوا في القليب. فإن قيل ما وجه تخصيص هؤلاء بالخطاب. فالجواب أنَّه قد تقدَّم منهم من المعاندة العظيمة ما تقدَّم، فخاطبهم بذلك توبيخًا لهم، وطُرِحَ باقي القتلى في أمكنةٍ أُخرى.
(قَالَ قَتَادَةُ) هو موصول بالإسناد السابق (أَحْيَاهُمُ اللَّهُ) أي في القليب، وزاد الإسماعيلي «بأعيانهم» (حَتَّى أَسْمَعَهُمْ قَوْلَهُ) أي قول الرسول صلى الله عليه وسلم (تَوْبِيْخًا) أي لأجل التَّوبيخ، وهو التَّعيير واللَّوم (وَتَصْغِيْرًا) هو مشتق من الصَّغار، وهو الذلَّة والهوان (وَنِقْمَةً) أي عقوبة، ضدُّ النِّعمة (وَحَسْرَةً وَنَدَمًا) وفي رواية الإسماعيلي
ج 17 ص 312
«وتندمًا وصغارًا» . والمنصوبات كلُّها على التَّعليل.
وأراد قتادة بهذا التَّأويل الردَّ على من أنكرَ أنهم يسمعون كما جاء عن عائشة رضي الله عنها أنَّها استدلَّت بقوله تعالى {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} [النمل 80] وسيأتي البحث في ذلك في الحديثِ الذي بعدَه إن شاء الله تعالى [خ¦3979] .
ومطابقة الحديث للترجمة على تقدير زيادة قوله و «غيره» ، بعد قوله «باب عدَّة أصحاب بدر» ظاهرة، وعلى عدمِ زيادته يكون وجه المطابقة هو كون هذا الحديث ممَّا يتعلَّق بغزوة بدرٍ بطريقِ الاستئناس.