3978 - 3979 - (حَدَّثَنِي عُبَيْدُ) بضم العين (ابْنُ إِسْمَاعِيلَ) أبو محمد الهباري القرشي الكوفي، قال (حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ) حمَّاد بن أسامة (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزبير، أنَّه (قَالَ ذُكِرَ) على البناء للمفعول (عِنْدَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا) وفي رواية الإسماعيلي أنَّ عائشة رضي الله عنه بلغها. قال الحافظُ العسقلاني ولم أقف على اسم المبلِّغ لكن عنده من رواية أخرى ما يُشعر بأن عروة هو الذي بلَّغها ذلك.
(أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا رَفَعَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) يعني قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إِنَّ الْمَيِّتَ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ) وهذا قد مضى في «الجنائز» ، في باب «قول النَّبي صلى الله عليه وسلم يعذَّب الميت. .. إلى آخره» في حديث مطوَّل [خ¦1286] ، ومرَّ الكلام فيه هناك (فَقَالَتْ) أي عائشة رضي الله عنها (وَهِلَ) بالكسر، مثل غلِط وزنًا ومعنى، وأمَّا وهَل _ بفتح العين _ فرغ ونسي.
(ابْنُ عُمَرَ، إِنَّمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّهُ لَيُعَذَّبُ بِخَطِيئَتِهِ وَذَنْبِهِ، وَإِنَّ أَهْلَهُ لَيَبْكُونَ عَلَيْهِ الآنَ) أي والحال أنَّ أهله ليبكون عليه الآن، وهذا وجه ردِّ عائشة رضي الله عنها على ابن عمر رضي الله عنهما. والحاصل أنَّ ابن عمر رضي الله عنهما جعل الباء للسَّببية وعائشة رضي الله عنها جعلها للمصاحبة.
ج 17 ص 314
- (وَذَلِكَ) أي الذي قاله ابنُ عمر رضي الله عنهما هنا (مِثْلُ قَوْلِهِ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ عَلَى الْقَلِيبِ وَفِيهِ قَتْلَى بَدْرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ لَهُمْ مَا قَالَ) وقوله (إِنَّهُمْ لَيَسْمَعُونَ مَا أَقُولُ) بيان لقوله «ما قال» ، أو بدل منه. وفي رواية الكُشميهني ؛ أي ابن عمر رضي الله عنهما في تعذيب الميت، ووجهُ المشابهة بينهما حمل ابن عمر رضي الله عنهما على الظَّاهر، والمرادُ منهما خلاف الظَّاهر (إِنَّمَا قَالَ) أي النَّبي صلى الله عليه وسلم (إِنَّهُمُ الآنَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّ مَا كُنْتُ أَقُولُ لَهُمْ حَقٌّ) أرادتْ بذلك أنَّ لفظَ الحديث إنهم ليعلمون، وأنَّ ابن عمر رضي الله عنهما وَهِمَ في قوله «ليسمعون» .
(ثُمَّ قَرَأَتْ) أي عائشة رضي الله عنها ( {إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى} [النمل 80] {وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ} [فاطر 22] ) أرادت بذلك تأكيد ما ذهبتْ إليه. قال البيهقيُّ العلم لا يمنعُ من السَّماع. وقال الإسماعيليُّ إن كانت عائشة رضي الله عنها قالت ما قالته رواية، فرواية ابن عمر رضي الله عنهما «إنهم ليسمعون» ، لا تنافيها إذ علمهم لا يمنع من سماعهم.
والجواب عن الآية إنَّه لا يسمعهم وهم موتى، ولكن الله أحياهم حتى سمعوا، كما قال قتادة، ولم ينفرد عمر ولا ابنه رضي الله عنهما بحكاية ذلك، بل وافقهما أبو طلحة، كما تقدَّم [خ¦3976] .
وللطَّبراني من حديث ابن مسعود رضي الله عنه مثله بإسناد صحيحٍ، ومن حديث عبدِ الله بن سيلان نحوه وفيه قالوا يا رسول الله وهل يسمعون؟ قال «يسمعون كما تسمعونَ ولكن لا يجيبون» . وفي حديث ابن مسعود رضي الله عنه «ولكنهم اليوم لا يجيبون» .
ومن الغرائب أنَّ في «المغازي» لابن إسحاق من رواية يونس بن بكير بإسناد جيدٍ عن عائشة رضي الله عنها مثل أبي طلحة وفيه «ما أنتم بأسمع لما أقول منهم» . وأخرجه أحمد بإسناد حسن، فإن كان محفوظًا فكأنها رجعتْ عن الإنكار لما ثبت عندها من رواية هؤلاء الصَّحابة رضي الله عنهم لكونها لم تشهد القصَّة.
قال الإسماعيلي كان عند عائشة رضي الله عنها من الفهم والذَّكاء وكثرة الرِّواية والغوص على غوامضِ العلوم ما لا مزيدَ عليه،
ج 17 ص 315
لكن لا سبيل إلى ردَّ رواية الثَّقة إلَّا بنصٍّ مثله يدلُّ على نسخه، أو تخصيصهِ، أو استحالتهِ، فكيف والجمع بين الذي أنكرته وأثبته غيرها ممكن؛ لأنَّ قوله تعالى {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ} لا ينافي قوله صلى الله عليه وسلم «إنهم الآن ليسمعون» لأنَّ الإسماع هو إبلاغ الصَّوت من المسمع في أذن السَّامع، فإنَّ الله تعالى هو الذي أسمعَهم بأن أبلغهم صوت نبيِّه صلى الله عليه وسلم بذلك، وأمَّا جوابها بأنَّه إنما قال إنهم ليعلمون. فإن كانت سمعتْ ذلك فلا ينافي رواية ابن عمر رضي الله عنهما «يسمعون» ، بل يؤيدها.
وقال السُّهيلي عائشة رضي الله عنها لم تحضر القصَّة وغيرها ممَّن حضرَ أحفظ للفظه صلى الله عليه وسلم وقد قالوا له أتخاطبُ قومًا قد جيَّفوا، فقال «ما أنتم بأسمع لما أقولُ منهم» ففي نفس الخبر ما يدلُّ على خرق العادة للنَّبي صلى الله عليه وسلم، وإذا جاز أن يكونوا في تلك الحالة عالمِين جازَ أن يكونوا سامِعين إمَّا بآذان رؤوسهم إذا قلنا أنَّ الأرواحَ تعاد إلى الأجساد عند المسألة وهو قولُ الأكثرين من أهل السنَّة، وأمَّا بآذان قلوبهم، أو الرَّوح على مذهب من يقول يتوجَّه السُّؤال إلى الرُّوح من غير رجوعٍ منه إلى الجسد، أو إلى بعضه.
قال وقد تمسَّك بهذا الحديث من يقول إنَّ السَّؤال يتوجَّه إلى الرُّوح والبدن، وردَّه من قال إنَّما يتوجه إلى الروح فقط بأن الإسماعَ يحتمل أن يكون لأذن الرَّأس ولأذن القلبِ فلم يبقَ حجَّة.
وقال الحافظُ العسقلاني إذا كان الذي وقع حينئذٍ من خوارق العادة لم يحسن التَّمسك به في مسألة السؤال أصلًا.
وقد اختلف أهل التَّأويل في المراد بالموتى في قوله تعالى {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} [النمل 80] وكذلك في المراد بـ {من في القبور} فحملته عائشة رضي الله عنها على الحقيقةِ وجعلته أصلًا احتاجتْ معه إلى تأويل قوله «ما أنتم بأسمعَ لما أقول منهم» ، وهذا قول الأكثر. وقيل هو مجازٌ والمراد بالموتى وبمن في القبور الكفَّار شبِّهوا بالموتى وهم أحياء،
ج 17 ص 316
والمعنى من هم في حالِ الموتى، أو في حالِ من سكنَ القبر، وعلى هذا لا يبقى في الآية دليلٌ لما نفته عائشة رضي الله عنها.
(تقول) أي عائشة رضي الله عنها (حِينَ تَبَوَّؤُوا مَقَاعِدَهُمْ مِنَ النَّارِ) القائل تقول. .. إلى آخره هو عروةُ يريد أن يبيِّن مراد عائشة رضي الله عنها، فأشار إلى أنَّ إطلاق النَّفي في قوله {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} مقيَّد بحال استقرارهم في النَّار وهو معنى قوله حين تبوؤوا؛ أي حين اتخذوا مقاعدَهم في النَّار.
وقال الحافظُ العسقلاني فعلى هذا لا مُعارضة بين إنكار عائشة رضي الله عنها وإثبات ابن عمر رضي الله عنهما، لكن الرِّواية التي بعدها تدلُّ على إنكارها مطلقًا يُعرَف ذلك بالتَّأمل.