فهرس الكتاب
3989 - (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) هو أبو سلمة المنقري البصري التَّبوذكي، قال (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ) هو ابنُ سعد بن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوف رضي الله عنه (قَالَ أَخْبَرَنِي عَمْرو) بالواو، وكذا قال أكثر أصحاب الزُّهري، وقال الحافظُ العسقلاني وقال بعضُهم بضمِّ العين بدون الواو. ورجَّح البخاري أنَّه عَمرو _ بالواو _ وكذا وقع في «الجهاد» ، في باب «هل يستأسر الرجل» [خ¦3045] للأكثر عمرو. وقال ابن السَّكن في روايته عُمير _ بالتصغير _ والرَّاجح أنَّه عَمرو _ بفتح العين _ (ابْنُ أَسِيدِ) بفتح الهمزة وكسر السين للجميع (ابْنِ جَارِيَةَ) بالجيم، هكذا وقع في رواية الكُشميهني، وفي رواية غيره وهو نسب إلى جدِّه، بل هو جدُّ أبيه لأنَّه ابن ابنه لأنَّه ابنُ أسيد بن العلاء بن جارية، ووقع في «غزوة الرَّجيع» _ كما سيأتي _ [خ¦4086] عمرو بن أبي سفيان، وهو كنية أبيه أسيد (الثَّقَفِي، حَلِيفُ بَنِي زُهْرَةَ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أنَّه (قَالَ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشَرَةً) أي عشرة من الرَّجال (عَيْنًا) أي جاسوسًا، وانتصابه على أنَّه بدل من «عشرة» (وَأَمَّرَ) بتشديد الميم (عَلَيْهِمْ عَاصِمَ بْنَ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيَّ جَدَّ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) يعني لأمه قالوا هو وهمٌ من بعضِ رواته، فإنَّ عاصمَ بن ثابت خالُ عاصم بن عمر لا جدَّه؛ لأنَّ والدةَ عاصم هي جميلةُ بنت ثابت أخت عاصم كان اسمها عاصية، فغيَّرها النَّبي صلى الله عليه وسلم.
قال القاضي عياض إذا قرئ «جدِّ» بالكسر على أنَّه صفة لثابت استقامَ الكلام وارتفعَ الوهم.
(حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالْهَدَاةِ) بفتح الهاء والدال المهملة والهمزة، وقيل بإسكان الدال بالألف واللام، وقيل بغيرهما،
ج 17 ص 329
والنِّسبة إليها هدويٌّ على غير قياس، وقيل رويت بتخفيف الدال وتشديدها (بَيْنَ عُسْفَانَ) وهو بضم العين المهملة، على وزن عثمان موضعٌ على مرحلتين من مكَّة (وَمَكَّةَ) وعن أبي حاتم أنَّ الهداةَ بين مكة والمدينة. وقال ابنُ سعد هي على سبعة أميال من عُسفان.
(ذُكِرُوا) على البناء للمفعول (لِحَيٍّ مِنْ هُذَيْلٍ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو لِحْيَانَ) بكسر اللام وسكون الحاء المهملة وتخفيف المثناة التحتية. وقال الرشاطي لحيان في هُذيل. وقال الهَمْداني لحيان من بقايا جُرهم دخلت في هُذيل. وقال ابنُ دريد هو من لحيتُ العود ولحوتُه إذا قشرته، وهُذيل هو ابنُ مدركة بن إلياس بن مضر.
(فَنَفَرُوا لَهُمْ) ويروى ؛ أي ذهبوا لقتالهم (بِقَرِيبٍ مِنْ مِائَةِ رَجُلٍ رَامٍ، فَاقْتَصُّوا آثَارَهُمْ حَتَّى وَجَدُوا مَأْكَلَهُمُ) اسم المكان؛ أي في مأكلهم (التَّمْرَ فِي مَنْزِلٍ نَزَلُوهُ، فَقَالُوا تَمْرُ يَثْرِبَ، فَاتَّبَعُوا آثَارَهُمْ، فَلَمَّا حَسَّ بِهِمْ عَاصِمٌ وَأَصْحَابُهُ لَجَأوا إِلَى مَوْضِعٍ، فَأَحَاطَ بِهِمُ الْقَوْمُ، فَقَالُوا لَهُمْ انْزِلُوا فَأَعْطُوا بِأَيْدِيكُمْ) أي انقادوا وسلموا (وَلَكُمُ الْعَهْدُ وَالْمِيثَاقُ أَنْ لاَ نَقْتُلَ مِنْكُمْ أَحَدًا. فَقَالَ عَاصِمُ بْنُ ثَابِتٍ أَيُّهَا الْقَوْمُ، أَمَّا أَنَا فَلاَ أَنْزِلُ فِي ذِمَّةِ كَافِرٍ، ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ أَخْبِرْ عَنَّا نَبِيَّكَ، فَرَمَوْهُمْ بِالنَّبْلِ، فَقَتَلُوا عَاصِمًا، وَنَزَلَ إِلَيْهِمْ ثَلاَثَةُ نَفَرٍ عَلَى الْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ، مِنْهُمْ خُبَيْبٌ) بضم الخاء المعجمة وفتح الموحدة وسكون المثناة التحتية وآخره موحدة أخرى، وهو ابن عدي الأنصاري.
(وَزَيْدُ بْنُ الدَّثِنَةِ) بفتح الدال المهملة وكسر المثلثة وبالنون، هو ابن معاوية بن عبيد بن عامر بن بياضة الأنصاري البياضي (وَرَجُلٌ آخَرُ) هو عبدُ الله بن طارق حليف بني ظفر (فَلَمَّا اسْتَمْكَنُوا مِنْهُمْ أَطْلَقُوا أَوْتَارَ قِسِيِّهِمْ) جمع قوس، أصله قووس فقدَّموا اللام، وصيَّروه قسووا على وزن فلوع، ثمَّ قلبوا الواو ياء فصار قسِّي، ثم كسروا
ج 17 ص 330
السين ثمَّ القاف فصار على وزن فليع، ويجمع القوس على أقواس أيضًا وكذا على قِيَّاس، والقوس يذكَّر ويؤنث فمَّن أنَّثه قال في تصغيره قويسة، ومن ذكَّره قال قويس.
(فَرَبَطُوهُمْ بِهَا. قَالَ الرَّجُلُ الثَّالِثُ هَذَا أَوَّلُ الْغَدْرِ، وَاللَّهِ لاَ أَصْحَبُكُمْ، إِنَّ لِي بِهَؤُلاَءِ أُسْوَةً، يُرِيدُ الْقَتْلَى، فَجَرُّوهُ وَعَالَجُوهُ فَأَبَى أَنْ يَصْحَبَهُمْ) لم يبيِّن فيه ما فعلوا به وبيَّن في باب «غزوة الرَّجيع» [خ¦4086] أنهم قتلوه (فَانْطُلِقَ بِخُبَيْبٍ وَزَيْدِ بْنِ الدَّثِنَةِ حَتَّى بَاعُوهُمَا بَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ) متعلق بقوله «بعث» ، إذ الكلُّ كان بعده لا البيع فقط (فَابْتَاعَ) أي اشترى (بَنُو الْحَارِثِ بْنِ عَامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ خُبَيْبًا) وفي «التوضيح» فابتاع حُجَير بن أبي إهاب خُبيبًا لابن أخيه عقبة بن الحارث بن عامر خال أبي إهاب ليقتله بأبيه. وعند أبي معشر اشترى خُبيبًا ابنة أبي سروعة وشرك معها ناسٌ. وقال الواقديُّ اشترى صفوان بن أميَّة زيدًا ليقتله بأبيهِ بخمسين فريضة، ويُقال إنَّه شرك فيه ناسٌ من قريش، وخُبيب اشتراه حجير بن أبي إهاب بثمانين مثقالًا من ذهبٍ، ويُقال بخمسين فريضة.
والفريضة _ بالضاد المعجمة _ البعير المأخوذ من الزكاة، ثمَّ اتَّسع فيه حتى سُمِّي البعير فريضةً في غير الزكاة، ويُقال اشترته بنت الحارث بمائةٍ من الإبل.
وعند مَعمر اشتراه بنو الحارث بن نوفل، وعند ابنِ عقبة اشترك في ابتياع خُبيب أبو إهاب بن عزيز وعكرمة بن أبي جهل والأخنس بن شريق وعبيدة بن حكيم بن الأوقص وأمية بن أبي عتبة وبنو الحضرمي وشعبة بن عبد الله وصفوان بن أميَّة وهم أبناء من قُتِل من المشركين ببدرٍ ودفعوه إلى عقبة بن الحارث فسجنَه في داره.
(وَكَانَ خُبَيْبٌ هُوَ قَتَلَ الْحَارِثَ بْنَ عَامِرٍ يَوْمَ بَدْرٍ) واعترض الدِّمياطي فقال لم يَقْتلْ خبيبٌ هذا وهو أحد بني جَحْجَبي الحارثَ بن عامر بن نوفل بن عبد مناف ولم يشهد بدرًا، والذي شهد بدرًا وقَتَلَ فيها الحارث هو خُبيب بن يَساف بن عتبة بن عَمرو بن خديج بن عامر بن جشم بن الحارث بن الخزرج،
ج 17 ص 331
وخُبيب بن عديٍّ أحد بني عَمرو بن عوف بن مالك بن الأوس شهد أُحدًا، ومات خبيب بن يساف في زمن عثمان رضي الله عنه.
وقال أبو عُمر في كتابه «الاستيعاب» خبيب بن عديٍّ الأنصاري من بني جحجب بن كلفة بن عمرو بن عوف شهد بدرًا، وأُسر يوم الرَّجيع. وقال أيضًا خبيب بن أساف، ويقال يساف، شهد بدرًا وأحدًا والخندق وكان نازلًا بالمدينة.
(فَلَبِثَ خُبَيْبٌ عِنْدَهُمْ أَسِيرًا حَتَّى أَجْمَعُوا قَتْلَهُ، فَاسْتَعَارَ مِنْ بَعْضِ بَنَاتِ الْحَارِثِ مُوسَى) جاز صرفه ومنعه الصَّرف نظرًا إلى اشتقاقه، كذا قاله الكرماني وسكتَ عليه. وقال العينيُّ موسى ما يُحلق به، من أوسى رأسه؛ أي حلق. قال الفراء هي فُعلى وتؤنث. وقال عبدُ الله بن سعيد الأموي هو مذكَّر لا غير يُقال هذا موسى وهو مفعل. وقال أبو عبيد لم يسمع التَّذكير فيه إلَّا من الأموي. وقال أبو عَمرو بن العلاء هو مفعل يدلُّ على ذلك أنَّه يصرف في النَّكرة، وفعلى لا تنصرف على حال.
(يَسْتَحِدُّ بِهَا) من الاستحداد، وهو إزالة شعر العانة، وأراد به التَّنظيف للقاء ربه لأنَّ ذلك كان حين فهم إجماعهم على قتله (فَأَعَارَتْهُ، فَدَرَجَ) أي ذهب (بُنَيٌّ لَهَا وَهْيَ غَافِلَةٌ حَتَّى أَتَاهُ، فَوَجَدَتْهُ مُجْلِسَهُ) بضم الميم، اسم فاعل من الإجلاسِ مضاف إلى المفعول (عَلَى فَخِذِهِ وَالْمُوسَى بِيَدِهِ، قَالَتْ فَفَزِعْتُ فَزْعَةً عَرَفَهَا خُبَيْبٌ) لأنَّهما لما رأت الصبيَّ على فخذه، والموسى بيده ظنَّت أن يقتله.
(فَقَالَ) أي خبيب (أَتَخْشَيْنَ أَنْ أَقْتُلَهُ) كلمة «أنْ» مصدرية، ويروى بحذف النون، وحذف النون بغير جازمٍ وناصب لغة فصيحة (مَا كُنْتُ لأَفْعَلَ ذَلِكَ) ويفهم من كلام ابن إسحاق أنَّ هذه المرأة هي ماريةُ مولاةُ حجير بن أبي إهاب؛ لأنَّه رُوي أنَّ خُبيبًا قال لها ابعثِي إليَّ بحديدةٍ، قالت فأعطيت غلامًا من الحيِّ الموسى، فقلت ادخل بها على هذا الرجل البيتَ قالت والله إن هو إلَّا أنْ ولَّى الغلام بها إليه،
ج 17 ص 332
قلت ما صنعتُ أصاب الرَّجلُ واللهِ ثأرَه بقتل هذا الغلام فلمَّا ناوله الحديدة، قال لعمرك ما خافت أمُّك غدرِي حين بعثتْك بهذه الحديدة إليَّ.
(قَالَتْ وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ أَسِيرًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ خُبَيْبٍ، وَاللَّهِ لَقَدْ وَجَدْتُهُ يَوْمًا يَأْكُلُ قِطْفًا) بكسر القاف، وهو العنقودُ من العنب، وبجمعه جاء القرآن {قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ} [الحاقة 23] ، ويقال قطَفَ العنب إذا قطعه من الكرم قِطافًا، والفتح لغة (مِنْ عِنَبٍ فِي يَدِهِ) وقال ابنُ إسحاق حدَّثني عبدُ الله بن أبي نجيح أنَّه يحدِّث عن مارية مَولاة حجير بن أبي إهاب وكانت قد أسلمتْ قد كان خُبيب حُبِس في بيتي، فلقد اطَّلعت عليه يومًا وإنَّ في يده لقطفًا من عنب مثل رأس الرَّجل يأكلُ منه.
(وَإِنَّهُ لَمُوثَقٌ بِالْحَدِيدِ، وَمَا بِمَكَّةَ مِنْ ثَمَرَةٍ، وَكَانَتْ تَقُولُ إِنَّهُ لَرِزْقٌ رَزَقَهُ اللَّهُ خُبَيْبًا، فَلَمَّا خَرَجُوا بِهِ مِنَ الْحَرَمِ، لِيَقْتُلُوهُ فِي الْحِلِّ، قَالَ لَهُمْ خُبَيْبٌ دَعُونِي أُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ فَتَرَكُوهُ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ، فَقَالَ وَاللَّهِ لَوْلاَ أَنْ تَحْسِبُوا أَنَّ مَا بِي جَزَعٌ) أي الذي هو ملتبسٌ بي من إرادة الصَّلاة (جَزَعٌ لَزِدْتُ، اللَّهُمَّ أَحْصِهِمْ) من الإحصاء، بالمهملتين (عَدَدًا) دعاء عليهم بالهلاك استئصالًا بحيث لا يبقى واحدٌ من عددهم (واقْتُلْهُمْ بِدَدًا) بكسر الموحدة وفتح المهملة الأولى؛ أي متفرِّقة منقطعة (وَلاَ تُبْقِ مِنْهُمْ أَحَدًا) قال معاوية كنتُ مع الحاضرين يومئذٍ ولقد رأيتُ أبي يكفني إلى الأرض فرقًا من دعوة خبيب، وكانوا يقولون الرَّجل إذا دُعِيَ عليه فاضطجعَ لجنبهِ زلت عنه.
(وَقَالَ فَلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا عَلَى أَيِّ جَنْبٍ كَانَ لِلَّهِ مَصْرَعِي، وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الإِلَهِ) أي لوجهِ الله وطلب ثوابهِ (وَإِنْ يَشَأْ يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ) الشِّلْو _ بكسر الشين المعجمة وسكون اللام _ العضو (مُمَزَّعِ) بفتح الزاي المشددة
ج 17 ص 333
وبالمهملة، المقطَّع، وهذان البيتان من قصيدةٍ له مشهورةٍ (ثُمَّ قَامَ إِلَيْهِ أَبُو سِرْوَعَةَ) بكسر السين المهملة وسكون الراء وفتح الواو وبالعين المهملة (عُقْبَةُ) بالمهملة، والإسكان (ابْنُ الْحَارِثِ فَقَتَلَهُ) وقال ابنُ إسحاق حدَّثني يحيى بن عبَّاد عن أبيه عبَّاد عن عقبة بن الحارث قال سمعتُه يقول والله ما أنا قتلت خبيبًا لأنِّي كنت أصغر من ذلك ولكن أبا ميسرة أخا بني عبد الدَّار أخذَ الحربة فجعلها في يدي، ثمَّ أخذ بيدِي وبالحربةِ ثمَّ طعنه بها حتى قتلَه.
وقال الحاكمُ في «الإكليل» رموا زيدًا؛ يعني زيد بن الدَّثِنة بالنَّبل وأرادوا فتنته فلم يزددْ إلَّا إيمانًا، وأنَّه صلى الله عليه وسلم قال وهو جالسٌ في اليوم الذي قتلا فيه «وعليكما أو وعليك السلام» خُبيب قتلته قريش، ولا ندري أذكر زيدًا أم لا، وزعموا أنَّ خبيبًا دفنه عَمرو بن أمية.
وقال البيهقيُّ في «دلائله» إن خُبيبًا لما قال اللَّهمَّ إني لا أجد رسولًا إلى رسولكِ يبلِّغه عنِّي السَّلام جاءَ جبريل عليه السَّلام إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك. وقال ابنُ سعد وكانا صلَّيا ركعتين قبل أن يُقتلا، وقال العيني نصَّ البخاري أنَّ خُبيبًا هو الذي صلَّاهما حيث قال (وَكَانَ خُبَيْبٌ هُوَ سَنَّ لِكُلِّ مُسْلِمٍ قُتِلَ صَبْرًا الصَّلاَةَ) بالنَّصب على أنَّه مفعول «سنَّ» .
(وَأَخْبَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَصْحَابَهُ يَوْمَ أُصِيبُوا خَبَرَهُمْ) على صيغة المجهول؛ أي يوم أُصيب هؤلاء، ويروى على تقدير أصيب كلُّ واحدٍ منهم، وهو من دلائل النُّبوة (وَبَعَثَ نَاسٌ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَى عَاصِمِ بْنِ ثَابِتٍ حِينَ حُدِّثُوا) على البناء للمفعول؛ أي حين أخبروا (أَنَّهُ قُتِلَ أَنْ يُؤْتَوْا) على البناء للمفعول أيضًا (بِشَيْءٍ مِنْهُ يُعْرَفُ) أي ليدل على أنَّه قُتِل تحقيقًا (وَكَانَ قَتَلَ رَجُلًا مِنْ عُظَمَائِهِمْ، فَبَعَثَ اللَّهُ لِعَاصِمٍ مِثْلَ الظُّلَّةِ مِنَ الدَّبْرِ)
ج 17 ص 334
الظُّلة _ بضم الظاء المعجمة وتشديد اللَّام _ كل ما أظلَّك، ويجمعُ على ظُلل، ومنه {عذاب يوم الظُّلة} [الشعراء 189] ، وهي سحابةٌ أظلَّتهم، فلجأوا إلى ظلِّها من شدَّة الحرِّ فأطبقتْ عليهم وأهلكتْهم.
والدَّبْر _ بفتح الدال المهملة وسكون الموحدة وبالراء _ الزَّنابير، قاله أبو حنيفة، قال وقد يُقال أيضًا للنَّحل دَبر _ بالفتح _ وواحدها دبرة، قال ويقال له خَشْرم، ولا واحد له من لفظهِ، وقيل واحدُه خشرمة. وقال الأصمعيُّ الدَّبر النَّحل، ولا واحدَ له روى ذلك أبو عبيدة عنه، وأمَّا غيره فرُوِي عنه أنَّ واحدتها دبرة. قال أبو حنيفة والدَّبر عند من رأينا من الأعراب الزَّنابير. وقال الباهليُّ الدَّبر النَّحل، والجمع الدبور. وذكر بعض الرُّواة أنَّه يُقال لأولادِ الجراد الدبر.
وقال الكرماني الدَّبر ذكور النَّحل، ولهذا سُمِّي عاصم بحِمَى الدَّبَر.
(فَحَمَتْهُ مِنْ رُسُلِهِمْ، فَلَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَقْطَعُوا مِنْهُ شَيْئًا) قالوا كان عاصم عاهد الله لا يمسُّ مشركًا ولا يمسُّه مشرك أبدًا تنجُّسًا عنه، فمنعه الله أيضًا يوم وفاته من ذلك، وهذا هو الذي يُسمَّى بيوم الرَّجِيع بفتح الراء وكسر الجيم وبالمهملة.
وذكر أبو يوسف في «لطائفه» أنَّه صلى الله عليه وسلم قال «أيُّكم يُجير خُبيبًا من خُشبته وله الجنَّة» فقال الزُّبير أنا والمقداد قالا فوجدنَا حول الخشبةِ أربعين رجلًا فأنزلَناه، فإذا هو رطب لم يتغيَّر بعد أربعين يومًا، ويده على جرحه وهي تبضُّ دمًا كالمسك، فحملَه الزُّبير على فرسه، فلمَّا لحقهُ الكفَّار قذفَه فابتلعتْه الأرضُ فسُمِّي بليعَ الأرض، وقيل إن السَّيل اختطفه.
وإنما ذكر البخاري هذا الحديث هنا لأجل قوله «وكان قد قتل عظيمًا من عظمائهم» ، فإنَّه سيأتي في الطَّريق الآخر [خ¦4086] التَّصريح بأنَّ ذلك يوم بدرٍ والذي قتلَه عاصم المذكور يوم بدرٍ من المشركين عُقبة بن أبي معيط بن أبي عَمرو بن أميَّة، قتلَه صبرًا بأمر النَّبي صلى الله عليه وسلم.
وقد مضى الحديث في «كتاب الجهاد» ، في باب «هل يستأسر الرجل» [خ¦3045] ، ومضى الكلام فيه هناك.
(وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ ذَكَرُوا مُرَارَةَ) بضم الميم وتخفيف الراء الأولى (ابْنَ الرَّبِيعِ) بفتح الراء (الْعَمْرِيَّ) بفتح المهملة الأنصاري (وَهِلاَلَ بْنَ أُمَيَّةَ)
ج 17 ص 335
بضم الهمزة وفتح الميم وتشديد التحتية (الْوَاقِفِي) بالقاف ثم الفاء، وهما من الثَّلاثة الذين تخلَّفوا عن غزوة تبوك (رَجُلَيْنِ صَالِحَيْنِ، قَدْ شَهِدَا بَدْرًا) هذا طرفٌ من حديث كعب الطَّويل فيه قصَّة توبته، وسيأتي مطوَّلًا في «غزوة تبوك» إن شاء الله تعالى [خ¦4418] .
وكان المصنِّف عرف أنَّ بعض النَّاس يُنكر أن يكون مُرارة وهلال شهدا بدرًا وينسبُ الوهم في ذلك إلى الزُّهري، فردَّ ذلك بنسبة ذلك إلى كعب بن مالك فإنَّ الحديث الطَّويل الموصول الذي سيأتي في «غزوة تبوك» [خ¦4418] قد أخذ عنه وهو أعرفُ بمن شهد بدرًا ممَّن لم يشهد بدرًا ممَّن جاء بعده، والأصل عدمُ الإدراج، فلا يثبتُ إلَّا بدليل صريحٍ.
ويؤيِّد كون وصفهما بذلك من كلامِ كعب أنَّ كعبًا ساقَه في مقامِ التَّأسِّي بهما، ووصفهما بالصَّلاح وشهودِ بدرٍ التي هي أعظمُ المشاهد، فلمَّا وقعَ لهما نظير ما وقع له من القُعود عن غزوة تبوك، ومن الأمرِ بهجرهما كما وقعَ له تأسَّى بهما.
وأمَّا قول بعضِ المتأخرين كالحافظ الدِّمياطي أنَّه لم يذكر أحد مرارة وهلالًا فيمن شهد بدرًا، فمردودٌ عليه فقد جزمَ البخاري هنا وتبعه جماعة.
وأمَّا قوله وإنَّما ذكروهما في الطَّبقة الثَّانية من الأنصار ممَّن لم يشهدْ بدرًا وشهدَ أحدًا فحصرٌ مردودٌ، فإن الذي ذكرهما كذلك هو محمد بن سعد، وليس ما يقتضيهِ صنعه بحجَّة على مثل هذا الحديث الصَّحيح المثبت لشهودهما مع أنَّ المثبت أولى من النَّافي لا سيَّما إذا كان المثبت أوثق.
وأمَّا وجه دخوله في هذه الأبواب لا سيَّما في باب «عدَّة أصحاب بدر» أنَّ مُرارة بن الرَّبيع وهلال بن أميَّة من أهل بدرٍ وأنَّهما داخلان في العدَّة.