فهرس الكتاب

الصفحة 5956 من 11127

4031 - (حَدَّثَنَا آدَمُ) هو ابنُ أبي إياس، قال (أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ) هو ابنُ سعد (عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما) أنَّه (قَالَ حَرَّقَ) بتشديد الراء (رَسُولُ اللَّهِ) ويروى (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ) هذه رواية الكُشميهني، وفي رواية غيره (وَقَطَعَ، وَهْيَ الْبُوَيْرَةُ) بضم الموحَّدة مصغَّر بورة، وهو موضعٌ بقربِ المدينة ونخل كان لبني النَّضير. وقال الحافظُ العسقلاني وهي مكانٌ معروفٌ بين المدينة وبين تيماء، ويُقال لها أيضًا البويلَة، باللام بدل الراء.

وقال الجوهريُّ البؤرة بالهمزة الحفرة (فَنَزَلَتْ {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ} [الحشر 5] ) والآية في سورة الحشر قال الله تعالى {مَا قَطَعْتُمْ} أي أيُّ شيءٍ قطعتُم {مِنْ لِينَةٍ} اختلفوا في تفسيرها فقال أبو عبيدة إنَّها النَّخلة من الألوان، وهي ضروبُ النَّخل ما خلا العجوة والبَرْنية وهما أجود النَّخل.

قال السُّهيلي في تخصيصها بالذِّكر إيماء إلى أنَّ ما يجوزُ قطعه من شجرِ العدو ما لا يكون معدًّا للاقتيات، لأنَّهم كانوا يَقْتاتون العجوةَ والبرنية دون اللِّينة.

وقال ابنُ إسحاق اللِّينة ما خلا العجوة من النَّخل، وهو قول عكرمة ويزيد بن رومان وقتادة، ورُوي عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أيضًا، وهو الذي رجَّحه النَّووي ويقال اللِّينة أنواع التَّمر كلها إلَّا العجوة. وقيل كرام النَّخل، وقيل كلُّ النَّخل، وقيل الدَّقل، وقيل كلُّ الأشجار، وقيل هي النَّخلة القريبة من الأرض. وقيل اللِّينة العجوة والعتيق والنَّخيل، رواه ابنُ مَرْدويه في «التفسير» عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.

وقال الحسنُ ومجاهد وابن زيد وعَمرو بن ميمون النَّخلة واللِّينة اسمان لمعنى واحدٍ، واختاره البيضاويُّ حيث قال في «تفسيره» من نخلة، فعلة من اللون، ويجمعُ على ألوان، وقيل من اللِّين، ومعناها النَّخلة الكريمة وجمعها أَلْيان.

{أَوْ تَرَكْتُمُوهَا} الضَّمير لـ «ما» وتأنيثه لأنَّه مفسَّر باللِّينة {قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ} قيل يحتملُ أن يُراد به العلم، ومنه قوله تعالى {فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ} [البقرة 279] ؛ أي فاعلموا، ويحتملُ أن يُراد بالإذن، إباحة الفعل وهو الأظهرُ. وقال ابنُ إسحاق فبأمرِ الله، واختاره البيضاويُّ.

وعلى هذا فهل استقرَّ الأمران بعد ذلك بأنَّهم يخيرون بين قطع النَّخيل والتَّحريق

ج 17 ص 396

وبين إبقائها، أو أنَّ ذلك كان على التَّرتيب، فكان الإذن أولًا بالقطع ثمَّ في الترك آخرًا، إمَّا على سبيل الوجوب أو الاستحباب، فيكون القطعُ والتَّحريق منسوخًا.

قيل يدلُّ عليه حديث جابر رضي الله عنه رواه ابنُ مردويه في «تفسيره» من رواية سليمان بن موسى عن أبي الزُّبير عن جابر رضي الله عنه قال «رخَّص لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في قطع النَّخيل، ثمَّ شدَّد عليهم، فأتوا النَّبي صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسولَ الله علينا إثمٌ فيما قطعنَا أو علينا، وزرٌ فيما تركنا» ؟ فأنزلَ الله تعالى {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ} الآية.

فدلَّ ذلك على أنَّه نهاهم عن القطع، فيكون محملُ الآية {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ} أولًا بالإذن في القطعِ، {أَوْ تَرَكْتُمُوهَا} آخرًا بالنَّهي عنه، فيستفاد أنَّ كلاًّ من القطعِ والتَّرك بإذن الله تعالى، فرخَّص لهم النَّبي صلى الله عليه وسلم أولًا، ثم نهاهُم آخرًا.

قال العينيُّ حديث جابرٍ ضعيف، وسليمان بن موسى الأشدق عنده مَناكير، قاله البخاري، وفيه أيضًا سفيان بن وكيع متكلَّم فيه. وقال أبو زُرعة متَّهم بالكذبِ فحديثُ جابر رضي الله عنه لا يصحُّ، انتهى.

لكن أقول في «صحيح الترمذي» [1] عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما في قوله تعالى {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ} الآية، أُمروا بقطع النَّخل، فحكَّ ذلك في صدورهم، فقال المسلمون قد قطعنَا بعضًا وتركنا بعضًا، فلنسألنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم هل لنا فيما قطعنَا من أجرٍ، وهل لنا فيما تركنا من وزرٍ؟ فأنزل الله تعالى {مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ} الآية.

وفي «الكشاف» فإن قلت لم خُصَّت اللِّينة بالقطعِ؟ قلت إن كانت من الألوان فليستبقوا لأنفسهم العَجوة والبَرْنية، وإن كانت من كرام النَّخل، فليكون غيظ اليهود أشد، وآخر الآية {وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ} [الحشر 5] وهو علَّة لمحذوف؛ أي وفعلتُم ذلك أو وأُذن لكم في القطع ليُخْزيهم على فسقِهم بما غاظَهم منه.

ورُوي أنَّه صلى الله عليه وسلم لما أمرَ بقطعِ نخيلهم قالوا «يا محمد! قد كنتَ تنهى عن الفسادِ في الأرض، فما بال قطع النَّخيل وتحريقها؟» فنزلت.

ج 17 ص 397

واستُدلَّ به على جوازِ هدم ديار الكفَّار وقطع أشجارهم زيادة لغيظهم، ولمَّا روى الترمذي هذا الحديث قال وقد ذهبَ قوم من أهل العلم إلى هذا، ولم يروا بأسًا بقطعِ الأشجار وتخريبِ الحصون، وكره بعضُهم ذلك وهو قول الأوزاعيِّ.

قال الأوزاعيُّ ونهى أبو بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه أن يقطعَ شجرة مثمرةً، أو يخرِّب عامرًا، وعمل بذلك المسلمون بعده.

وقال الشَّافعي لا بأس بالتَّحريق في أرضِ العدو وقطعِ الأشجار والثِّمار. وقال أحمدُ قد يكون في مواضع لا تجدون منه بدًّا، فأمَّا بالعبث فلا يحرَّق. وقال إسحاق التَّحريق سنة إذا كان إنكاء فيهم، انتهى.

وقال العينيُّ ما حكاه الترمذيُّ عن الشَّافعي من أنَّه لا بأس بالتَّحريق وقطعِ الأشجار، حكاه النَّووي في «شرح مسلم» عن الأئمة الأربعة والجمهور، والمعروف عن أحمد أنَّه لا يجوزُ الحرق إلَّا لحاجة، وكذا حكى الخطَّابي عن أحمد أنَّه كره تخريب العامر إلَّا لحاجة إلى ذلك، والله تعالى أعلم.

ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرةٌ.

وقد أخرجه البخاري في «التفسير» أيضًا [خ¦4884] ، وأخرجه مسلم في «المغازي» ، وأبو داود في «الجهاد» ، والترمذيُّ والنسائيُّ جميعًا في «السِّير» وفي «التفسير» ، وابن ماجه في «الجهاد» .

[1] الاسم الصحيح له جامع الترمذي، وإطلاق الصحة عليه فيه مآخذ للعلماء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت