فهرس الكتاب
4032 - (حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ) هو ابنُ منصور المروزي، وقيل إسحاقُ بن راهويه، وقد جزم بذلك الحافظ العسقلاني والأوَّل أشهر، وقد وقع في بعض النسخ منسوبًا قال (أَخْبَرَنَا حَبَّانُ) بفتح المهملة وتشديد الموحدة وآخره نون (ابْنُ هِلَالٍ) الباهلي البصري، قال (أَخْبَرَنَا جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما أَنَّ النَّبيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَرَّقَ) وفي نسخة قال(نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ، قَالَ وَلَهَا يَقُولُ حَسانُ بْنُ ثَابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
~وَهَانَ عَلَى سَرَاةِ بَنِي لُؤَي حَرِيقٌ بِالْبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرُ)
قوله «وهان» ، كذا في رواية الأكثر، وفي رواية الكُشميهني باللام بدل الواو، وفي رواية الإسماعيلي «هان» بلا لام ولا واو. وقوله «على سَراة» _ بفتح المهملة وتخفيف الراء _ جمع سريٍّ، وهو السيد الرَّئيس،
ج 17 ص 398
والمراد السَّادات الأشراف. وقوله «بني لُؤيٍّ» _ بضم اللام وفتح الهمزة وتشديد الياء _، والمراد بهم صناديدُ قريشٍ وأكابرهم. وقال الكرمانيُّ أي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقاربه، وفيه تأمل.
وفي «التوضيح» لأنَّ قريشًا هم الذين حملوا كعب بن أسد القرظي صاحب عقد بني قريظة على نقض العهد بينهم وبين النَّبي صلى الله عليه وسلم حتى خرج معهم إلى الخندق.
وقوله «مستطير» ؛ أي مشتعلٌ ومنتشرٌ. وإنَّما قال حسان رضي الله عنه ذلك تعييرًا لقريش؛ لأنَّهم كانوا أغروهم بنقضِ العهد وأمروهم به، ووعدوهم أن ينصروهُم إن قصدهم النَّبي صلى الله عليه وسلم.
(فَأَجَابَهُ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ) أي ابن عبد المطلب، وهو ابنُ عمِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان حينئذٍ لم يسلم وقد أسلمَ بعد في الفتح، وثبتَ مع النَّبي صلى الله عليه وسلم بحُنين.
(أَدَامَ اللهُ ذَلِكَ مِنْ صَنِيعٍ) قال الكرمانيُّ فإن قلت كيف قال أدام الله ذلك؛ أي تحريق المسلمين أرض الكافرين، وهو كان كافرًا مثلهم؟ قلت غرضُه أدامَ الله تحريقَ تلك الأرض بحيث يتَّصل بنواحيها، وهي المدينة وسائر مَواضع أهل الإسلام، فيكون دعاء عليهم لا لهم.
(وَحَرَّقَ فِي نَوَاحِيهَا السَّعِيرُ) ويروى (سَتَعْلَمُ أَيَّنَا مِنْهَا بِنُزْهٍ) قوله «منها» ؛ أي من البُويرة؛ أي من جهتها وأطرافها، ويروى ؛ أي من بني النَّضير. وقوله «بنُزْه» بضم النون وسكون الزاي، ويقال بفتح النون أيضًا بمعنى النَّزاهة، وهي البُعد من السوء، وقيل هو بمعنى البُعد (وَتَعْلَمُ أَيَّ أَرْضَيْنَا تَضِيرُ) قوله أيَّ أرضيْنا، بالتثنية، والمراد المدينة التي هي دارُ الإيمان ومكَّة التي كان بها الكفَّار. وقوله «تَضِير» بفتح المثناة من فوق وكسر الضاد المعجمة، من الضَّير، وهو بمعنى الضَّرر، وفي بعضِها بالنون فعيل من النَّضارة، وحينئذٍ يكون قوله «أيُّ» مرفوعًا، فافهم.
ونسبة هذا البيت لحسان بن ثابت رضي الله عنه وجوابه لأبي سفيان بن الحارث، هو المشهورُ كما وقع في هذا «الصَّحيح» ، وعند مسلم نقيضُ ذلك.
وعند الشَّيخ أبي الفتح ابن سيِّد الناس في «عيون الأثر» عن أبي عَمرو الشَّيباني [1] إن الذي قال هان على سَرَاة بني لؤي هو أبو سفيان بن الحارث، وإنَّه إنما قال «عزَّ» ، بدل «هان» ، وأنَّ الذي أجاب بقوله «أدام الله ذلك من صنيعِ» البيتين
ج 17 ص 399
هو حسَّان، قال وهو أشبه من الرِّواية التي وقعت في البُخاري، انتهى، ولم يذكر مستند التَّرجيح.
قال الحافظُ العسقلاني والذي يظهرُ أنَّ الذي في «الصَّحيح» أصحُّ، وذلك أنَّ قريشًا كانوا يظاهرون كلَّ من عادى النَّبي صلى الله عليه وسلم ويَعِدونهم النَّصر والمساعدة، فلمَّا وقعَ لبني النَّضير من الخذلان ما وقع قال حسَّان الأبيات المذكورة موبِّخًا لقريش، وهم بنو لؤيٍّ كيف خذلهم أصحابهم.
وقد ذكر ابن إسحاق أنَّ حسَّان رضي الله عنه قال ذلك في غزوة بني قريظة، وأنَّه إنَّما ذكر بني النَّضير استطرادًا إذ من الأبيات المذكورة
~أَلَا يَا سَعْدُ سَعْدَ بَنِي مُعَاذٍ فَمَا فَعَلَتْ قُرَيْظَةُ وَالنَّضِيرُ
ومنها
~وَقَدْ قَالَ الْكَرِيمُ أَبُو حُبَابٍ أَقِيمُوا قَيْنُقَاعُ وَلَا تَسِيرُوا
~فَعَاند مَعْشَرٌ نَصَرُوا قُرَيْشًا وَلَيْسَ لَهُمْ بِبَلْدَتِهِمْ نَصِيرُ
~هُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ فَضَيَّعُوهُ فَهُمْ عُمْيٌ عَنِ التَّوْرَاةِ بُورُ
~كَفَرْتُمْ بِالْقُرْآنِ فَقَدْ لَقِيتُمْ بِتَصْدِيقِ الَّذِي قَالَ النَّذِيرُ
وفي جواب أبي سفيان بن الحارث في قوله
~ستعلم أيَّ أرضينا تضير
ما يرجِّح ما وقع في «الصحيح» لأن أرض بني النَّضير مجاورةٌ لأرض الأنصار، فإذا أخربت أضرَّت بما جاورهَا بخلاف أرضِ قريش؛ لأنَّها بعيدةٌ منها بعدًا شديدًا فلا يُبالي بخرابها، فكأنَّ أبا سفيان يقول تخريبُ أرض بني النَّضير وتحريقها إنَّما يضرُّ أرضَ من جاورها وأرضكم هي التي تجاورها، فهي التي تتضرَّر لا أرضنا ولا يتهيَّأ مثل هذا في عكسهِ إلَّا بتكلُّف، وهو أن يُقال إنَّ الميرةَ كانت تُحمل من أرض بني النَّضير إلى مكَّة فكانوا يرتفقون بها، فإذا خربتْ تضرُّهم بخلاف المدينة فإنَّها في غُنية عن أرضِ بني النَّضير بغيرها كخيبر ونحوها، فيتَّجه بعضُ اتجاه، لكن إذا تعارضا كان ما في «الصَّحيح» أصحَّ.
ويحتمل إن كان ما قال أبو عمرو الشَّيباني محفوظًا أنَّ أبا سفيان بن الحارث ضمَّن في جوابه بيتًا من قصيدة حسَّان فاهتدمه، فلمَّا قال حسان وهان على سَراة بني لؤي، وهو عملٌ سائغ، وكأن
ج 17 ص 400
من أنكر ذلك استبعدَ أن يدعو أبو سفيان بن الحارث على أرضِ الكفرة مثله بالتَّحريق في قوله «أدامَ الله ذلك من صنيع» .
والجواب عنه أنَّ اسم الكفر وإن جمعَهم لكن العداوة الدِّينية كانت قائمة بينهم، كما بين أهل الكتاب وعبدة الأوثان من التَّباين.
وأيضًا قوله «وحرَّق في نواحيها السَّعير» ؛ يريد بنواحيها المدينة، فرجعَ ذلك دعاء على المسلمين أيضًا، ولكعب بن مالك في هذه القصَّة قصيدة على هذا الوزن والرَّوي أيضًا، ذكرها ابنُ إسحاق أولها
~لَقَدْ مُنِيَتْ بِغَدْرَتِهَا الْحُبُورُ كَذَاكَ الدَّهْرُ ذُو صَرْفٍ يَدُورُ
~وَغُودِرَ مِنْهُمْ كَعْبٌ صَرِيعًا فَذَلَّتْ عِنْدَ مَصْرَعِهِ النَّضِير
يشيرُ إلى كعب بنِ الأشرف الذي سيذكر قتله عقيب هذا [خ¦4037] ، ومنها
~فَذَاقُوا غِبَّ أَمْرِهِمْ وَبَالًا لِكُلِّ ثَلَاثَةٍ مِنْهُمْ بَعِيرُ
~فَأُجْلُوا عَامِدِينَ بِقَيْنُقَاعَ وَغُودِرَ مِنْهُمْ نَخْلٌ وَدُورُ
ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرة، وقد مرَّ الحديث في «كتاب المزارعة» ، في باب «قطع الشَّجر والنَّخل» [خ¦2326] .
[1] في نسخة السفياني.