فهرس الكتاب

الصفحة 5958 من 11127

4033 - 4034 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ) الحكم بنُ نافع، قال (أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ) هو ابنُ أبي حمزة (عَنِ الزُّهْرِيِّ) أي ابن شهاب، أنَّه (قَالَ أَخْبَرَنِي) بالإفراد (مَالِكُ بْنُ أَوْسِ) بفتح الهمزة وسكون الواو وبالمهملة، ابن الحَدَثان بالمهملتين المفتوحتين وبالمثلثة والنون (النَّصْرِيِّ) بفتح النون وسكون المهملة (أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ دَعَاهُ، إِذْ جَاءَهُ) ويروى بدون الضَّمير (حَاجِبُهُ يَرْفَأ) بفتح التحتانية وسكون الراء وبالفاء مهموزًا وغير مهموز، وقد تدخُل عليه اللام، فيقال اليرفَأ، وهو حاجبٌ من حجَّاب عمر رضي الله عنه (فَقَالَ هَلْ لَكَ فِي عُثْمَانَ وَعَبْدِ الرحْمَنِ بنِ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرِ وَسَعْدٍ يَسْتَأْذِنُونَ؟ قَالَ نَعَمْ، فَأَدْخَلَهُمْ، فَلَبِثَ قَلِيلًا ثُم جَاءَ، فَقَالَ هَلْ لَكَ فِي عَبَّاسٍ وَعَلِيٍّ يَسْتَأْذِنَانِ؟ قَالَ نَعَمْ، فَلَمَّا دَخَلاَ قَالَ عَبَّاسٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ اقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَ هَذَا، وَهُمَا يَخْتَصِمَانِ فِي الَّذِي أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ، فَاسْتَبَّ عَلِيٌّ وَعَبَّاسٌ) لم يكن هذا السبُّ

ج 17 ص 401

من قبيل القذف، ولا من نوع آخر من المحرَّمات.

قال العينيُّ ولعلَّ عليًّا رضي الله عنه ذكر تأخُّر عبَّاس عن الهجرة، ونحو ذلك (فَقَالَ الرَّهْطُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ اقْضِ بَيْنَهُمَا، وَأَرِحْ أَحَدَهُمَا مِنَ الآخَرِ، فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اتَّئِدُوا) أي لا تستعجلوا، وهو من التَّؤُدة وهو التَّأنِّي والمهلة (أَنْشُدُكُمْ) بضم الشين (بِاللَّهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ، هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلمَ قَالَ لاَ نُورَثُ) بفتح الراء، والمعنى على الكسر أيضًا صحيح.

(مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ؟ يُرِيدُ بِذَلِكَ نَفْسَهُ) وكذلك سائر الأنبياء عليهم السلام. وعورضَ بقوله تعالى {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ} [النمل 16] وقول زكريا {فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيَّاًّ*يَرِثُنِي} [مريم 5 - 6] .

وأُجيب بأنَّ المراد إرث النُّبوة والعلم، ولو كان المراد المال كان زكريا عليه السلام أحق بالميراث من آل يعقوب (قَالُوا قَدْ قَالَ ذَلِكَ) أي قوله «لا نورث ما تركنا صدقة» (فَأَقْبَلَ عُمَرُ عَلَى عَلِيٍّ وعَبَّاسٍ فَقَالَ أَنْشُدُكُمَا بِاللَّهِ، هَلْ تَعْلَمَانِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قَالَ ذَلِكَ؟ قَالاَ نَعَمْ، قَالَ فَإِني أُحَدِّثُكُمْ عَنْ هَذَا الأَمْرِ، إِنَّ اللهَ كَانَ خَصَّ رَسُولَهُ فِي هَذَا الأَمْرِ) ويروى (بِشَيْءٍ لَمْ يُعْطِهِ أَحَدًا غَيْرَهُ، فَقَالَ {وَمَا أَفَاءَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ} إِلَى قَوْلِهِ {قَدِيرٌ} ) والآية في سورة الحشر، قال الله تعالى {وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ} أي وما أعاده عليه بمعنى صيَّره له أو ردَّه عليه، فإنَّه كان حقيقًا بأنْ يكون له؛ لأنَّه تعالى خلق الناس لعبادتهِ، وخلق ما خلقَ لهم ليتوسَّلوا به إلى طاعتهِ، فهو جديرٌ بأن يكون للمطيعين {مِنْهُمْ} من بني النَّضير أو من الكفرة {فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ} أي فما أجريتم على تحصيلهِ من الوجيف، وهو سرعة السَّير {مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ} ما يركب من الإبل، غلب فيه كما غلب الركب على راكبه.

وذلك إن كان المراد في بني النَّضير فلأنَّ قراهم كانت على ميلين من المدينة،

ج 17 ص 402

فمشوا إليها رجالًا غير رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنَّه ركب جملًا أو حمارًا ولم يجرِ مزيدُ قتال، ولذلك لم يعطِ الأنصار منه شيئًا إلَّا ثلاثة كانت بهم حاجة وهم أبو دُجانة سِمَاك بن خرشة، وسهل بن حُنيف، والحارث بن الصِّمَّة، {وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ} بقذف الرُّعب في قلوبهم.

فكأنَّه قيل وما أفاءَ الله على رسوله منهم فما حصَّلتموه بكدِّ اليمين وعرقَ الجبين، ولكن الله يسلِّط رسله على من يشاء {وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الحشر 6] فيفعلُ ما يريد تارةً بالوسائط الظَّاهرة، وتارةً بغيرها.

(فَكَانَتْ هَذِهِ خَالِصَةً لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ) أي عمر رضي الله عنه (وَاللهِ مَا احْتَازَهَا) بالحاء المهملة من الاحتياز، وهو الجمع (دُونَكُمْ، وَلاَ اسْتَأْثَرَ بِهَا عَلَيْكُمْ) من الاستئثار، وهو الاستبدادُ والاستقلال (لَقَدْ أَعْطَاكُمُوهَا وَقَسَمَهَا فِيكُمْ حَتَّى بَقِيَ هَذَا الْمَالُ مِنْهَا، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُنْفِقُ عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهِمْ) ويروى .

(مِنْ هَذَا الْمَالِ، ثُمَّ يَأْخُذُ مَا بَقِيَ فَيَجْعَلُهُ مَجْعَلَ مَالِ اللَّهِ، فَعَمِلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيَاتَهُ، ثُمَّ تُوُفِّي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ أَنَا وَلِيُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَبَضَهُ أَبُو بَكْرٍ فَعَمِلَ فِيهِ بِمَا عَمِلَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ، فَأَقْبَلَ عَلَى عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ وَقَالَ تَذْكُرَانِ) قوله وأنتم مبتدأ خبرُه قوله «تذكران» . فإن قيل «أنتم» جمعٌ و «تذكران» مثنَّى، فلا مطابقة بين المبتدأ والخبر، أُجيب بأنَّه على مذهب من قال إنَّ أقلَّ الجمع اثنان، ويمكن أن يكون لفظ «حينئذٍ» خبره، و «تذكران» ابتداء كلام.

وقال الكرمانيُّ وفي بعضها فلا إشكال، وعلى تقدير كون «تذكران» خبرًا يكون قوله «وأقبل ... إلى آخره جملة معترضة بين المبتدأ والخبر» (أنَّ أَبَا بَكْرٍ فِيهِ) أي في العمل(كَمَا تَقُولاَنِ، وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّهُ فِيهِ لَصَادِقٌ بَارٌّ رَاشِدٌ تَابِعٌ لِلْحَقِّ. ثُمَّ تَوَفَّى اللَّهُ أَبَا بَكْرٍ، فَقُلْتُ أَنَا وَلِيُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

ج 17 ص 403

وَأَبِي بَكْرٍ، فَقَبَضْتُهُ سَنَتَيْنِ مِنْ إِمَارَتِي أَعْمَلُ فِيهِ بِمَا)ويروى (عَمِلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ، وَاللهُ يَعْلَمُ أَنِّي فِيهِ لصَادِقٌ بَارٌّ رَاشِدٌ تَابِعٌ لِلْحَقِّ، ثُمَّ جِئْتُمَانِي كِلاَكُمَا وَكَلِمَتُكُمَا وَاحِدَةٌ وَأَمْرُكُمَا جَمِيعٌ، فَجِئْتَنِي يَعْنِي عَبَّاسًا) فإنْ قيل قال أوَّلًا «جئتما» ثمَّ قال «جئتني» بالإفراد فما وجهه؟ فالجواب أنَّه لعلَّهما جاءا بالاتفاق أوَّلًا ثمَّ جاء عبَّاس وحده.

(فَقُلْتُ لَكُمَا إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لاَ نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ، فَلَمَّا بَدَا لِي) أي ظهر لي (أَنْ أَدْفَعَهُ إِلَيْكُمَا قُلْتُ إِنْ شِئْتُمَا دَفَعْتُهُ إِلَيْكُمَا، عَلَى أَنَّ عَلَيْكُمَا عَهْدَ اللهِ وَمِيثَاقَهُ لَتَعْمَلاَنِ فِيهِ بِمَا عَمِلَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ وَمَا عَمِلْتُ فِيهِ مُنْذُ وَلِيتُ، وَإِلَّا فَلاَ تُكَلِّمَانِي، فَقُلْتُمَا ادْفَعْهُ إِلَيْنَا بِذَلِكَ، فَدَفَعْتُهُ إِلَيْكُمَا، أَفَتَلْتَمِسَانِ مِني قَضَاءً غَيْرَ ذَلِكَ، فَوَاللهِ الَّذِي بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ، لاَ أَقْضِي فِيهِ بِقَضَاءٍ غَيْرِ ذَلِكَ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، فَإِنْ عَجَزْتُمَا عَنْهُ فَادْفَعَا إِلَيَّ فَأَنَا أَكْفِيكُمَاهُ) .

- (قَالَ) أي الزُّهري (فَحَدَّثْتُ هَذَا الْحَدِيثَ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ صَدَقَ مَالِكُ بْنُ أَوْسٍ أَنَا سَمِعْتُ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَقُولُ أَرْسَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُثْمَانَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ يَسْأَلْنَهُ ثُمُنَهُنَّ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فَكُنْتُ أَنَا أَرُدُّهُن، فَقُلْتُ لَهُنَّ أَلاَ تَتَّقِينَ اللَّهَ، أَلَمْ تَعْلَمْنَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ لاَ نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ؛ يُرِيدُ بِذَلِكَ نَفْسَهُ، إِنَّمَا يَأْكُلُ آلُ مُحَمدٍ فِي هَذَا الْمَالِ) أي في جملة من يأكل من هذا المال، لا أنَّه لهم بخصوصهم، ويروى .

(فَانْتَهَى أَزْوَاجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى مَا أَخْبَرْتُهُنَّ، قَالَ فَكَانَتْ هَذِهِ الصَّدَقَةُ بِيَدِ عَلِيٍّ، مَنَعَهَا عَلِيٌّ عَبَّاسًا فَغَلَبَهُ عَلَيْهَا) أي بالتَّصرف فيها، وتحصيل غلَّاتها لا بتخصيصِ الحاصل بنفسه (ثُمَّ كَانَ) أي المال، ويُروى أي هذه الصَّدقة(بِيَدِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ،

ج 17 ص 404

ثُمَّ بِيَدِ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، ثُمَّ بِيَدِ عَلِيٍّ بْنِ حُسَيْنٍ، وَحَسَنِ بْنِ حَسَنٍ، كِلاَهُمَا كَانَا يَتَدَاوَلاَنِهَا)أي يتناوبان في تصرُّفها، وكلٌّ منهما ابن عمِّ الآخر، وحسن بن حسن على صيغة التَّكبير فيهما.

(ثُم بِيَدِ زَيْدِ بْنِ حَسَنٍ) أي ابن علي، وهو أخو الحسن المذكور (وَهْيَ صَدَقَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَقًَّا) وقد مرَّ الحديث في «الخمس» ، في باب «فرض الخمس» [خ¦3092] ، ومرَّ الكلام فيه مستوفى.

والغرض من ذكره هنا قوله «وهما يختصمان فيما أفاء الله على رسوله من بني النَّضير» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت