357 - (حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ) بضم الهمزة وفتح الواو مصغرًا (قَالَ حَدَّثَنِي) بالإفراد (مَالِكُ)
ج 3 ص 42
وفي رواية وهو إمام دار الهجرة (عَنْ أَبِي النَّضْرِ) بفتح النون وسكون الضاد المعجمة، كنية سالم بن أبي أمية (مَوْلَى عُمَرَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ) بن عمر القرشي التيمي، مات سنة تسع وعشرين ومئة.
(أَنَّ أَبَا مُرَّةَ) بضم الميم وتشديد الراء، واسمه يزيد، وقد سبق ذكره في باب من قعد حيث ينتهي به المجلس [خ¦66] (مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ) بالهمز، فاختة، وذكر في باب العلم أنَّه مولى عقيل نفس الموضع وهو في نفس الأمر مولى أم هانئ، ونسب إلى ولاء عقيل مجازًا؛ لإكثاره الملازمة لعقيل أو لكونه أخاها.
(بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ) أخت علي رضي الله عنهما أسلمت عام الفتح (أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أُمَّ هَانِئٍ بِنْتَ أَبِي طَالِبٍ تَقُولُ ذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ) وفي رواية (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الْفَتْحِ) أي فتح مكة في رمضان سنة ثمان.
(فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ وَفَاطِمَةُ ابْنَتُهُ) رضي الله عنها (تَسْتُرُهُ، قَالَتْ) أم هانئ رضي الله عنها (فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم (مَنْ هَذِهِ) قالت أم هانئ (فَقُلْتُ) وفي رواية (أَنَا أُمُّ هَانِئٍ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ) صلى الله عليه وسلم
(مَرْحَبًا بِأُمِّ هَانِئٍ) أي لقيت رحبًا وسعة ملتبسًا بأم هانئ، وفي رواية بحرف النداء (فَلَمَّا فَرَغَ) صلى الله عليه وسلم (مِنْ غُسْلِهِ) بضم الغين (قَامَ فَصَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ) بكسر النون وفتح الياء، وفي رواية _ بفتح النون _.
وقال الجوهري هو في الأصل منسوب إلى الثمن؛ لأنَّه الجزء الذي يصير به السبعة ثمانية فهو ثمنها، ثم فتحوا أوله؛ لأنَّهم يغيرون في النسب، وحذفوا منه إحدى يائي النسبة وعوضوا منها الألف كم فعلوا في المنسوب إلى اليمن فثبتت ياؤه عند الإضافة كما ثبتت ياء القاضي، تقول ثماني نسوة، وتسقط مع التنوين عند الرفع والجر، وتثبت عند النصب.
(مُلْتَحِفًا) أي حال كونه ملتحفًا (فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، فَلَمَّا انْصَرَفَ) صلى الله عليه وسلم؛ أي من صلاته (قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، زَعَمَ) أي قال أو ادعى (ابْنُ أُمِّي) علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهي شقيقته، وأمهما فاطمة بنت أسد بن هاشم، وخُصَّت الأم لكونها آكد في القرابة والحرمة والمرحمة، وذلك كما قال هرون لموسى عليهما السلام {يا ابنَ أمَّ لا تأخذ بلحيتي} [طه 94] ، ولأنَّها بصدر الشكاية في إخفار ذمتها فذكرت ما بعثها على الشكوى حيث أصيبت من محل يقتضي
ج 3 ص 43
أن لا تصاب منه لما جرت العادة أنَّ الأخوة من جهة الأم أشد وأسد في باب الترحم.
وفي رواية وهو صحيح في المعنى أيضًا؛ لأنَّه شقيقها.
(أَنَّهُ قَاتِلٌ) على لفظ اسم الفاعل (رَجُلًا) أي عازم على قتله؛ لأنَّه لم يكن قاتلًا حقيقة في ذلك الوقت، ولكنه لما عزم على التلبس بالفعل أطلقت عليه القاتل.
(قَدْ أَجَرْتُهُ) من الإجارة بالراء وهو _ بفتح الهمزة بدون المد _؛ لأنَّه إما من الجور فتكون الهمزة فيه للسلب والإزالة نحو أشكيته؛ أي أزلتُ شكايته، وإما من الجوار بمعنى المجاورة.
(فُلاَنُ بْنَ هُبَيْرَةَ) بالرفع بتقدر هو، أو بالنصب على أنَّه بدل من «رجلًا» ، وهُبَيْرة _ بضم الهاء وفتح الموحدة وسكون الياء المثناة التحتية _، هو ابن أبي وهب بن عمرو المخزومي زوج أم هانئ ولدت منه أولادًا منهم هانئ، وبه كانت تكنى، ويوسف، وجعدة، وقد هرب؛ أي هبيرة من مكة عام الفتح لمَّا أسلمت هي إلى نجران ولم يزل مشركًا حتى مات.
ثم في قولها (( فلان بن هبيرة ) )اختلاف كثير من جهة الرواية ومن جهة التفسير.
أمَّا من جهة الرواية ففي (( التمهيد ) )من طريق محمد بن عجلان، عن سعيد أين أبي سعيد، عن أبي مرة، عن أم هانئ قالت أتاني يوم الفتح حموان لي فأجرتهما فجاء عليٌّ يريد قتلهما، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو في قبة بالأبطح بأعلى مكة، الحديث، وفيه (( أجرنا مَنء أجرت وأمَّنَّا من أمنَّت ) ).
وفي (( معجم الطبراني ) ) (( إنِّي أجرتُ حموي ) )، وفي رواية (( حموي ابن هبيرة ) )، وفي رواية (( حموي ابني هبيرة ) ).
وقال أبو عمر في حديث أبي النضر ما يدل على أنَّ الذي أجارته كان واحدًا وفي هذا اثنين.
وأمَّا من جهة التفسير فقال أبو العباس بن سريج وغيره الرجلان هما جعدة ابن هبيرة ورجل آخر، وكانا من الشرذمة الذين قاتلوا خالد بن الوليد رضي الله عنه ولم يقبلوا الأمان، ولا ألقوا السلاح فأجارتهما أم هانئ وكانا من أحمائها.
وروى الأزرقي بسند فيه الواقدي في حديث أم هانئ هذا (( إنَّهما الحارث ابن هشام وعبد الله بن أبي ربيعة ) ).
وحكى بعضهم أنَّهما الحارث بن هشام، وهبيرة بن أبي وهب وليس بشيء؛ لأنَّه قد سبق [خ¦357] أنَّ هبيرة هرب عند فتح مكة إلى نجران فلم يزل بها مشركًا حتى مات، فلا يصح ذكره فيمن أجارته أم هانئ، وجزم ابن هشام
ج 3 ص 44
في (( تهذيب السيرة ) )بأنَّ اللذين أجارتهما أم هانئ الحارث بن هشام، وزهير ابن أبي أمية المخزوميان.
وقال الكرماني ولعلَّها أرادت أم هانئ ابنها من هبيرة أو ربيبها، كما أنَّ الإبهام يحتمل أن يكون من أم هانئ، وأن يكون الراوي نسي اسمه فذكره بلفظ فلان.
قال الزبير بن بكار فلان بن هبيرة هو الحارث بن هشام المخزومي.
وقال الحافظ العسقلاني والذي يظهر لي أنَّ في رواية الباب حذفًا كأنَّه كان فلان ابن عم هبيرة فسقط لفظ كان، أو كان فلان قريب هبيرة فتغير لفظ قريب بلفظ ابن، وكلٌّ من الحارث بن هشام، وزهير بن أبي أمية، وعبد الله بن أبي ربيعة يصح وصفه بأنَّه ابن عم هبيرة وقريبه؛ لكون الجميع من بني مخزوم. انتهى.
وقال محمود العيني الأصوب والأقرب أن يقول في توجيه رواية أبي النضر «فلان بن هبيرة» أنَّ المراد من فلان هو ابن هبيرة من غير أم هانئ، فنسي الراوي اسمه وذكره بلفظ فلان.
ويدل على صحة هذا رواية ابن عجلان في (( التمهيد ) )، وروايات الطبراني فإنَّها تدل على أنَّ الذي أجارته أم هانئ هو حموها.
فإن قيل المذكور في رواية أبي النضر واحد وفي هذه الروايات اثنان؟.
فالجواب أنَّه يحتمل أن يكون الراوي اقتصر على ذكر واحد منهما نسيانًا كما أبهم اسمه نسيانًا.
وقال ابن الجوزي إن كان ابن هبيرة منها فهو جعدة، وجوَّز أبو عمر [1] أن يكون من غيرها وهو الأصوب كما ذكرنا انتهى.
وقال الحافظ العسقلاني نقل أبو عمر عن أهل النسب أنَّهم لم يذكروا لهبيرة ولدًا من غيرها؛ هذا وفيه أنَّه لا يلزم من عدم ذكرهم أن لا يكون له ابن من غيرها.
ثم قال ذلك الحافظ وجعدة معدود فيمن له رؤية ولم يصح له صحبة، وقد ذكره من حيث الرواية في التابعين البخاريُّ، وابن حبان وغيرهما فكيف يتهيَّأ لمن هذه سبيله في صغر السن أن يكون عام الفتح مقاتلًا حتى يحتاج إلى الأمان، ثم لو كان ولد أم هانئ لم يهمَّ علي بقتله؛ لأنَّها كانت قد أسلمت وهرب زوجها وترك ولدها عندها. انتهى.
وفيه أيضًا أنَّ كونه تابعيًا أو صحابيًا على ما فيه من الاختلاف لا ينافي ما ذكر.
وأما قوله (( فكيف يتهيأ. .. إلى آخره ) )فمجرد دعوى فيحتاج إلى برهان، فظهر بهذا أنَّ قول الكرماني. أرادت أم هانئ ابنها من هبيرة أو
ج 3 ص 45
ربيبها أقربُ إلى الصواب وأوجه.
(فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ) وفي رواية (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ) أي أمنا من أمنت (يَا أُمَّ هَانِئٍ) فلا لعلي قتله (قَالَتْ أُمُّ هَانِئٍ وَذَاكَ) وفي رواية باللام؛ أي ما ذكرته من قولها (( فصلى ثمان ركعات ) ) (ضُحًى) أي كان وقت ضحى، ويؤيده ما في رواية أحمد في هذا الحديث، وذلك يوم فتح مكة ضحى، ويجوز أن يكون التقدير وذلك صلاة ضحى.
ويؤيده ما في رواية حفص بن شاهين أنَّ أم هانئ قالت يا رسول الله ما هذه الصلاة؟ قال (( الضحى ) )وعلى هذا يسقط ما قاله بعضهم هي صلاة الفتح، فافهم.
ومن فوائد هذا الحديث جواز تستر الرجال بالنساء، ومنها جواز السلام من وراء حجاب، ومنها عدم الاكتفاء بلفظ «أنا» في الجواب، بل التوضيح بما يمكن كما في ذكر الكنية والنسب هنا، ومنها استحباب الترحيب بالزائر وذكر كنيته، ومنها الدلالة على صلاة الضحى وأنَّها ثمان ركعات.
ومنها جواز أمان رجلٍ حر وامرأةٍ حرة لكافر واحد أو جماعة، ولا يجوز بعد ذلك قتالهم إلا أن يكون في ذلك مفسدة، ولا يجوز أمان ذمي؛ لأنَّه متهم بهم، ولا أسير ولا بأجير يدخل عليهم، ولا أمان عبد عند أبي حنيفة إلاَّ أن يأذن له مولاه في القتال.
وقال محمد يجوز، وهو قول الشافعي، وأبي يوسف في رواية، وفي رواية أخرى عنه مثل قول أبي حنيفة، ولو آمن الصبي وهو لا يعقل لا يصح كالمجنون، وإن كان يعقل وهو محجور عن القتال فهو على الخلاف، وإن كان مأذونًا له في القتال فالأصح أنَّه يصح بالاتفاق.
[1] في هامش الأصل وهو ابن عبد البر صاحب (( الاستيعاب ) ). منه