4064 - (حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ) بفتح الميمين، اسمه عبدُ الله بن عَمرو بن أبي الحجَّاج المنقري المقعد، وهو شيخ مسلم أيضًا، قال (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ) أي ابن سعيد، قال (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ) هو ابنُ صهيب (عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) أنَّه (قَالَ لَمَّا كَانَ يَوْمَ أُحُدٍ) برفع «يوم» ونصبها (انْهَزَمَ النَّاسُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي بعضهم، وأطلق ذلك باعتبار تفرِّقهم كما تقدَّم بيانه، والواقع أنهم صاروا ثلاث فرق
فرقة استمرُّوا في الهزيمة إلى قربِ المدينة فما رجعوا حتى انقضَى القتال وهم قليلٌ، وهم الذين نزل فيهم {إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ} [آل عمران 155] الآية.
وفرقة صاروا حَيارى لما سمعوا أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم
ج 17 ص 464
قُتل فصار غاية الواحد منهم أن يذبَّ عن نفسه، أو يستمرَّ على بصيرته في القتال إلى أن قُتل وهم أكثر الصَّحابة.
وفرقة بقيت مع النَّبي صلى الله عليه وسلم ثم تراجعَ إليه القسم الثاني شيئًا فشيئًا لما عرفوا أنَّه حيٌّ.
(وَأَبُو طَلْحَةَ) هو زيدُ بن سهل الأنصاري، وهو زوج والدة أنس، وكان أنس حمل هذا الحديث عنه (بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُجَوِّبٌ عَلَيْهِ) بضم الميم وفتح الجيم وتشديد الواو المكسورة بعدها موحدة؛ أي مترس من الجوبة وهي الترس (بِحَجَفَةٍ لَهُ) بفتح الحاء المهملة والجيم والفاء، وهي الترس الذي من الجلد، ويسمَّى الدَّرقة (وَكَانَ أَبُو طَلْحَةَ رَجُلًا رَامِيًا شَدِيدَ النَّزْعِ) بفتح النون وسكون الزاي وآخره عين مهملة؛ أي رَمْيِ السَّهم، وقد تقدَّم في «الجهاد» من وجه آخر بلفظ كان أبو طلحة حسن الرَّمي، وكان يتترَّس مع النَّبي صلى الله عليه وسلم بترسٍ واحدٍ [خ¦3902] .
(كَسَرَ يَوْمَئِذٍ قَوْسَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا) أي من شدَّة الرَّمي (وَكَانَ الرَّجُلُ يَوْمَئِذٍ يَمُرُّ) وفي نسخة (بِجَعْبَةٍ) بفتح الجيم وسكون العين المهملة بعدها موحدة، وهي الآلةُ التي تُوضع فيها السهام ويُقال لها الكِنانة. وضبطَه الحافظُ العسقلاني بضم الجيم. وقال العينيُّ وما أراه إلا غلطًا (مِنَ النَّبْلِ، فَيَقُولُ انْثُرْهَا) أي فيقول النَّبي صلى الله عليه وسلم انثرِ الجَعْبة التي فيها النَّبل وهو بضم الهمزة، أمر من نَثَر _ بالنون والمثلثة _ يَنْثر نَثرًا، من باب نصر ينصر.
(لأَبِي طَلْحَةَ) أي لأجل أبي طلحة (قَالَ وَيُشْرِفُ) بضم الياء، من الإشراف، وهو الاطلاعُ إلى الشَّيء، ويروى على وزن تفعل (النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْظُرُ إِلَى الْقَوْمِ) جملة وقعت حالًا (فَيَقُولُ أَبُو طَلْحَةَ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، لاَ تُشْرِفْ) بضم أوله وسكون المعجمة، من الإشراف أيضًا، وفي رواية أبي الوقت بفتح أوله وفتح المعجمة وتشديد الراء المفتوحة، وأصله لا تتشرف، بتاءين حذفت إحداهما؛ أي لا تطلب الإشراف عليهم.
(يُصِيبْكَ) بالجزم على أنَّه جواب النَّهي، ويروى بالرفع، على تقدير فهو يُصيبك، والجزم هي رواية أبي ذرٍّ(سَهْمٌ مِنْ سِهَامِ الْقَوْمِ،
ج 17 ص 465
نَحْرِي دُونَ نَحْرِكَ)أي يُصيب السَّهم نحرِي، ولا يُصيب نحرك، وحاصله أفديك بنفسي (وَلَقَدْ رَأَيْتُ عَائِشَةَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيْقِ) أي أم المؤمنين (وَأُمَّ سُلَيْمٍ) أي والدة أنس رضي الله عنهم، وفي اسم أم سُليم اختلاف تقدم في «الجهاد» [خ¦2880] (وَإِنَّهُمَا لَمُشَمِّرَتَانِ، أَرَى خَدَمَ سُوقِهِمَا) خَدَم _ بفتح الخاء المعجمة والدال المهملة _ جمع خدمة، وهي الخلخالُ، وقيل الخدمة أصلُ السَّاق، والسُّوق _ بالضم _ جمع ساق (تَنْقُزَانِ الْقِرَبَ) أي تحملانها، يقال نَقَز وأَنْقَز إذا وثبَ وتنقزان بها. قال ابنُ الأثير وفي نصب «القربَ» بُعْدٌ لأنَّ «تنقز» غير متعدٍّ، وأوله بعضُهم بتقدير الجار، ورواه بعضُهم بضم التاء، من أنقز فعدَّاه بالهمزة يريدُ تحريك القِرَب، ووثوبها بشدَّة العدوِ والوثب، وروي برفع القرب على الابتداء، والجملة في موضعِ الحال، وقيل معناه تنقلان.
وقال الدَّاودي هو مثل تنقلان، والذي ذكره أهل اللُّغة أن النَّقز _ بالنون والقاف والزاي _ الوثب، فلعلَّهما كانتا تنهضان بالحمل وتنقزان.
وأنكره الخطَّابي، وإنما هو تقزان؛ أي تحملان. وفي نسخة هنا زيادة وهي قوله هو البخاري نفسه أي غير قيس بن أبي حازم .
(عَلَى مُتُونِهِمَا، تُفْرِغَانِهِ فِي أَفْوَاهِ الْقَوْمِ) قال الدَّاودي الأفواه، جمع فم، والفم لا جمعَ له من لفظهِ، وقال العينيُّ الذي ذكره أهل اللُّغة أنَّ أصل الفم فوه، فأبدل من الواو ميم، والجمع يردُّ الشَّيء إلى أصله، كما أنَّ ماء أصله موه، فلذلك قالوا في جمعه أمواه، فافهم.
(ثُمَّ تَرْجِعَانِ فَتَمْلآنِهَا، ثُمَّ تَجِيئَانِ فَتُفْرِغَانِهِ فِي أَفْوَاهِ الْقَوْمِ، وَلَقَدْ وَقَعَ السَّيْفُ مِنْ يَدِ أَبِي طَلْحَةَ) وفي رواية الأَصيلي بلفظ التَّثنية (إِمَّا مَرَّتَيْنِ وَإِمَّا ثَلاَثًا) وسبب وقوع السَّيف كان هو النُّعاس الذي ألقى الله عليهم أمنةً منه. وقد زاد مسلم عن الدَّرامي عن أبي مَعمر شيخ البخاري فيه بهذا الإسناد «من النُّعاس» فأفادَ سبب الوقوع. وسيأتي بعد باب من وجهٍ آخر عن أنس عن أبي طَلحة رضي الله عنهما كنتُ فيمن يغشاهُ النُّعاس [1]
ج 17 ص 466
يوم أُحد حتى سقطَ سيفي من يدي مرارًا [خ¦4068] .
ولأحمد والحاكم من طريق ثابت عن أنس رضي الله عنه رفعتُ رأسي يوم أحدٍ فجعلتُ أنظر وما منهم من أحد إلَّا وهو يميد تحت حجفته من النُّعاس، وهو قوله تعالى {إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ} [الأنفال 11] .
وقد مضى الحديث في «الجهاد» ، في باب «غزو النساء وقتالهن مع الرِّجال» [خ¦2880] ، ومضى في «مناقب أبي طلحة» مثل ما أخرجه هنا عن أبي مَعمر عن عبد الوارث ... إلى آخره نحوه [خ¦3811] .
ومطابقته للترجمة ظاهرةٌ.
[1] في هامش الأصل في رواية تغشَّاه النعاس.