4103 - (حَدَّثَنِي) بالإفراد (عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ) قال (حَدَّثَنَا عَبْدَةُ) بفتح العين وسكون الموحدة ضدُّ الحرة، هو ابنُ سليمان الكلابي الكوفي، وكان اسمه عبد الرحمن، ولقبه عبدة فغلب عليه (عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ) عروة بن الزبير بن العوام رضي الله عنه (عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا {إِذْ جَاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ القُلُوبُ الْحَنَاجِرْ} [الأحزاب 10] قَالَتْ كَانَ ذَلِكَ) أي قالت عائشة رضي الله عنها «ذلك» إشارة إلى ما ذُكِر من مجيءِ الكفَّار من فوق ومن أسفل وزيغ الأبصار وبلوغ القلوب الحناجر، ويروى .
(يَوْمَ الْخَنْدَقِ) هكذا وقع مختصرًا، وعند ابن مَرْدويه من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما {إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ} قال عُيينة بن حُصين، {وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ} [الأحزاب 10] ، قال أبو سفيان بن حرب. وهذه الآية الكريمة في سورة الأحزاب. قال الله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ} يعني الأحزاب وهم قريش وغطفان ويهود قُريظة والنَّضير وكانوا زُهاء اثني عشر ألفًا {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا} أي ريح الصَّبا، قال صلى الله عليه وسلم «نصرتُ بالصَّبا»
ج 17 ص 560
{وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا} الملائكة.
رُوِي_وقد تقدَّم_ [خ¦4097 قبل] أنَّه صلى الله عليه وسلم لما سمعَ بإقبالهم ضرب الخندقَ على المدينة، ثمَّ خرجَ إليهم في ثلاثة آلاف، والخندقُ بينه وبينهم، ومَضى على الفريقين قريب شهرٍ لا حرب بينهم إلَّا الترامِي بالنَّبل والحجارة حتى بعث الله عليهم صبا [1] باردة في ليلةٍ شاتيةٍ فأخصرتهم، وسفَّت التراب في وجوهِهم، وأطفأتْ نيرانهم، وقلعتْ خيامَهم، وماجتِ الخيل بعضها في بعضٍ، وكبَّرتِ الملائكة في جوانب العسكرِ فقال طُليحة بن خويلد الأسدي أمَّا محمد فقد بدأكُم بالسِّحر فالنَّجاء النَّجاء، فانهزموا من غير القتال.
{وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ} من حفرِ الخندق، وقرأ البصريان بالياء؛ أي بما يعمل المشركون من التَّخرب والمحاربة {بَصِيرًا} [الأحزاب 9] رائيًا {إِذْ جَاءُوكُمْ} بدل من {إذا جاءتكم} ، {مِنْ فَوْقِكُمْ} من أعلى الوادي من قبل المشرق، عليهم مالك بن عوف النَّضري وعُيينة بن حصن الفزاري في ألف من غطفان، ومعهم طُليحة بن خويلد الأسدي في بني أسد وحيي بن أَخْطب في يهود بني قُريظة {وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ} من أسفل الوادي من قبل المغرب، وهم أبو سفيان بن حرب في قريش ومن معه، وأبو الأعور السُّلمي، وكان الذي جرَّ غزوة خندق فيما قيل إجلاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بني النَّضير عن ديارهم.
{وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ} عطف على قوله {إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ} ؛ أي مالت عن سننها ومستوى نظرها حيرةً وشخوصًا، وقيل عدلتْ عن كلِّ شيءٍ لم تلتفت إلَّا إلى عَدْوِها لشدَّة الرَّوع {وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ} أي زالتْ عن أماكنها حتى بلغتِ الحلوق، قالوا لأنَّ الرئة إذا انتفختْ من شدَّة الرَّوع أو الغضب أو الغمِّ الشَّديد رَبَتْ وارتفعتْ وارتفعَ القلب بارتفاعها إلى رأسِ الحنجرةِ وهي مُنتهى الحلقوم مدخل الطَّعام والشَّراب ومن ثمَّة قيل للجبان انتفخ منحره.
{وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا} [الأحزاب 10] الأنواع من الظَّن، قال الحسنُ ظنُّوا ظنونًا مختلفة ظنَّ المنافقون أنَّ محمدًا وأصحابه يُستأصلون، وظنَّ المؤمنون أنهم يُبتلون، وتفصيله أنَّه ظنَّ المخلصون الثُبَّتُ القلوبَ
ج 17 ص 561
أنَّ الله منجز وعدَه في إعلاء دينه أو ممتحنهم، فخافوا الزَّلل وضعف الاعتماد، والضِّعاف القلوب والمنافقون ما حُكي عنهم.
وقرأ نافعٌ وابنُ عامر وأبو بكر {الظنونا} بالألف في الوصل والوقف، إجراء للوصل مجرى الوقف؛ لأن ألفها ثابتة في المصاحف العثمانية، وعليها تعويل رؤوس الآي.
وقرأ أبو عَمرو وحمزة ويعقوب بغير ألف في الحالين وهو القياسُ، والباقون بالألف في الوقف دون الوصل؛ لأنَّ العرب تفعلُ ذلك في القوافي والمصاريع، فتُلحِق الألف في موضع الفتح عند الوقف ولا تفعل ذلك في حشو الأبيات، فحسن إثبات الألف في هذا الحرف؛ لأنَّها رأس آية تمثيلًا لها بالقوافي، وكذلك الرَّسولا والسَّبيلا.
{هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ} اختُبِروا فظهرَ المخلص من المنافقِ والثَّابت من المتزلزل {وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا} [الأحزاب 11] من شدَّة الفزع، وقرئ بالفتح، وقد بين ابنُ إسحاق في «المغازي» صفة نزول الأحزاب قال نزلت قريش بمجتمع السُّيول في عشرة آلاف من أحابيشهِم ومن تبعَهُم من بني كنانةَ وتهامةَ، ونزل عُيينة في غَطَفان ومن معهم من أهل نجدٍ إلى جانب أُحد بباب نعمان.
وخرجَ رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون حتى جعلوا ظُهورهم إلى سلع [2] في ثلاثة آلاف. والخندقُ بينه وبين القوم، وجعل النِّساء والذَّراري في الآطام.
قال وتوجَّه حيي بن أخطب إلى بني قُرَيظة فلم يزلْ بهم حتى غدروا، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى في الباب الآتي [خ¦4124 بعد] ، وبلغَ المسلمين غَدرهم فاشتدَّ بهم البلاء، فأراد النَّبي صلى الله عليه وسلم أن يُعطي عُيينة بن حصن ومن معه ثلث ثمار المدينة على أن يرجعوا، فمنعَه من ذلك سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وقالا كنَّا نحن وهم على الشِّرك لا يطمعون منَّا في شيءٍ من ذلك، فكيف نفعله بعد أن أكرمنَا الله بالإسلامِ وأعزَّنا بك؟ نُعطيهم أَموالنا، ما لنا بهذا من حاجة، ولا نُعطيهم إلَّا السَّيف، فاشتدَّ بالمسلمين الحصار حتى تكلَّم
ج 17 ص 562
مُعتِّب بن قُشَير وأوس بن قَيظي وغيرهما من المنافقين بالنِّفاق.
وأنزل الله تعالى {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا} [الأحزاب 12] الآيات قال وكان الذين جاؤوهم من فوقهم بنو قُريظة ومن أسفل منهم قريش وغطفان. وقال ابنُ إسحاق في روايته ولم يقع بينهم حرب إلَّا مراماة بالنَّبل، لكن كان عَمرو بن عبد ودٍّ العامري اقتحمَ هو ونفر معه خُيولهم من ناحية ضيِّقة من الخندق حتى صاروا بالسَّبخة، فبارزه عليٌّ رضي الله عنه فقتلَه، وكذا نوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزومي، فبارزَهُ الزُّبير رضي الله عنه فقتلَه.
ويُقال قتلَه عليٌّ رضي الله عنه، ورجعت بقيَّة الخيول منهزمة، وأقامَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقام المشركون معه بضعًا وعشرين ليلة قريبًا من شهر، وآخر الأمر بعثَ الله تعالى عليهم الرِّيح في ليلةٍ شاتيةٍ شديدة البرد حتى انصرفوا.
وروى البيهقيُّ في «الدلائل» من طريق زيد بن أسلم أنَّ رجلًا قال لحذيفةَ رضي الله عنه أدركتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ندركه، قال يا ابن أخي! والله لا تدري لو أدركتَ كيف كنت تكون، لقد رأيتنَا ليلة الخندق في ليلةٍ باردةٍ مطيرةٍ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من يذهبْ فيعلم علم القومِ جعله الله رفيقَ إبراهيم يوم القيامة» فوالله ما قام أحد، فقال لنا الثانية «جعله الله رفيقي» ، فلم يقم أحدٌ، فقال أبو بكر ابعثْ حذيفة، فقال اذهبْ، فقلت أخشى أن أؤسر، قال إنِّك لن تُؤسر، فذكر أنَّه انطلقَ وأنهم تجادلوا، وبعثَ الله عليهم الرِّيح فما تركتْ لهم بناء إلَّا هدمتْه ولا إناء إلَّا ألقتْه.
ومن طريق عمران بن سريعِ بن حذيفة نحوه، وفيه أنَّ علقمةَ بن عُلاثة صار يقول قال عامر إنَّ الريح قاتلني، وتحمَّلت قريشُ، وإنَّ الريح لتغلبهم على بعض أمتعتهِم.
وروى الحاكم من طريق عبد العزيز ابن أخي حذيفة عن حذيفة رضي الله عنه قال لقد رأيتنا ليلة الأحزاب وأبو سفيان ومن معه من فوقنا، وقُريظة أسفل منَّا نخافهم على ذَرارينا، وما أتتْ علينا ليلة أشدُّ
ج 17 ص 563
ظُلمة ولا ريحًا منَّا، فجعلَ المنافقون يستأذنون ويقولون إن بيوتنَا عورة، فمرَّ بي النَّبي صلى الله عليه وسلم وأنا جاثٍ على ركبتي ولم يبقَ معه إلَّا ثلاثمائة، فقال «اذهبْ فائتني بخبرِ القوم» ، قال فدعا لي فأذهبَ الله عَني القرَّ والفزعَ، فدخلت عسكرهم فإذا الرِّيح فيه لا تجاوزْ شبرًا، فلمَّا رجعت رأيت فوارسَ في طريقي، فقالوا أخبرْ صاحبك أنَّ الله كفاهُ القوم، وأصلُ هذا الحديث عند مسلم باختصار.
ومطابقة الحديث للترجمة في قوله «قالت ذلك يوم الخندق» ، وقد أخرجه مسلم في آخر الكتاب، والنَّسائي في «التَّفسير» .
[1] في هامش الأصل يقال والصبا هي التي جاءت بريح يوسف إلى يعقوب عليهما السلام فلهذا يقولون لها رسول العشاق.
[2] في هامش الأصل سلع جبل بالمدينة. (( قاموس ) ).