فهرس الكتاب

الصفحة 6058 من 11127

4122 - (حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى) أي ابن صالح، أبو يحيى البلخي الحافظ الفقيه، وهو من أفراده، قال (أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِيْ نُمَيْرٍ) هو ، كما وقع كذلك في نسخة، قال (أَخْبَرَنَا هِشَامٌ) هو ابنُ عروة بن الزبير (عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا) أنَّها (قَالَتْ أُصِيبَ سَعْدٌ) هو سعدُ بن معاذ بن النَّعمان الأنصاري الأوسي الأشهليُّ (يَوْمَ الْخَنْدَقِ، رَمَاهُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ، يُقَالُ لَهُ حِبَّانُ) بكسر الحاء المهملة وتشديد الموحدة (ابْنُ الْعَرِقَةِ) بفتح العين المهملة وكسر الراء وبالقاف، والعَرِقة أمُّه سمِّيت بها لطيبِ ريحها، وهي بنتُ سعيد بن سعد بن سهم من بني مَعِيْص _ بفتح الميم وكسر المهملة ثم تحتانية ساكنة ثم مهملة _، وهو حبَّان بن قيس، ويقال ابنُ أبي قيس بن علقمة بن عبد مناف.

(رَمَاهُ فِي الأَكْحَلِ) بفتح الهمزة وسكون الكاف وباللام، وهو عِرْق في وسط الذِّراع، قال الخليل هو عرق الحياة، ويقال إنَّ في كلِّ عضوٍ منه شعبة فهو في اليد الأكحل، وفي الظَّهر الأبهر، وفي الفخذ النَّسا إذا قُطع لم يرقأ الدَّم.

(فَضَرَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ خَيْمَةً فِي الْمَسْجِدِ) تقدَّم بيانها في الذي قبله [خ¦4121] (لِيَعُودَهُ مِنْ قَرِيبٍ، فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْخَنْدَقِ وَضَعَ السِّلاَحَ وَاغْتَسَلَ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ) هذا السِّياق يبين أنَّ الواو زائدة في الطَّريق التي في «الجهاد» حيث وقعَ فيه بلفظ «لما رجعَ يوم الخندق ووضع السَّلاح فأتاهُ جبريل عليه السلام» [خ¦2813] ، وهو أولى من دعوى القرطبيِّ أنَّ الفاء زائدة، قال وكأنها زيدتْ كما زيدت الواو في جواب لما، انتهى.

ودعوى زيادة الواو في قوله «ووضعَ» أولى من دَعوى زيادة الفاء لكثرة مجيء الواو زائدة، ووقعَ في أوَّل هذه الغزاة «لما رجعَ من الخندق ووضعَ السِّلاح واغتسلَ أتاه جبريلُ عليه السلام» ، [خ¦4117] فمن هذا ادَّعى القرطبي أنَّ الفاء زائدة.

(وَهْوَ يَنْفُضُ رَأْسَهُ مِنَ الْغُبَارِ) جملة وقعت حالًا، وروى الطَّبراني والبيهقيُّ من طريق القاسم بن محمد عن عائشة رضي الله عنها قالت سلَّم علينا رجلٌ ونحن

ج 17 ص 593

في البيت، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فزعًا فقمتُ في أثره فإذا بدِحية الكلبي، فقال هذا جبريلُ يأمرني أن أذهبَ إلى بني قُريظة، وذلك لما رجعَ من الخندق قالت فكأني برسولِ الله صلى الله عليه وسلم يمسحُ الغبار عن وجهِ جبريل عليه السلام.

وروى أحمدُ والطَّبراني من حديث علقمةَ بن وقاص عن عائشة رضي الله عنها «فجاءهُ جبريلُ وإن على ثناياهُ لنقعَ الغبار» . وفي مرسل يزيد بن الأصم عند ابن سعد فقال له جبريلُ عفا الله عنك وضعتَ السِّلاح ولم تضعه ملائكة الله. وفي رواية حماد بن سلمة عن هشام بن عروة في حديث الباب «قالتْ عائشة رضي الله عنها لقد رأيتُه من خلل الباب قد عصبَ الترابَ رأسه» . وفي رواية جابر رضي الله عنه عند ابنِ عائذ «فقال قمْ فشدَّ عليك سلاحَكَ لأدقنَّهم دقَّ البيضِ على الصَّفا» .

(فَقَالَ قَدْ وَضَعْتَ السِّلاَحَ، وَاللَّهِ مَا وَضَعْتُهُ، اخْرُجْ) بضم الهمزة، أمر من الخروج (إِلَيْهِمْ. قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَيْنَ؟ فَأَشَارَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ، فَأَتَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي فحاصرهم، وروى ابنُ عائذ من مرسل قتادة قال «بعثَ رسول الله صلى الله عليه وسلم مُناديًا يا خيلَ الله اركبي» . وروى الحاكمُ والبيهقيُّ من حديث أبي الأسود عن عروة «وبعثَ عليًا رضي الله عنه على المقدِّمة ورفع إليه اللِّواء، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أثره» . وعند موسى بن عقبة نحوه وزاد «وحاصرهُم بضع عشرة ليلة» ، وعند ابن سعد «خمسَ عشرةَ ليلة» . وفي حديث علقمة بن وقاص «خمسًا وعشرين» ، ومثلها عند ابن إسحاق عن أبيه عن سعيد بن المسيب قال حاصرَهم خمسًا وعشرين ليلة حتى أجهدَهم الحصار، وقذفَ في قلوبهم الرُّعب، فعرضَ عليهم رئيسهُم كعب بن أسد أن يُؤمنوا، أو يَقتلوا نساءهم وأبناءهم ويخرجوا مستقتلين، أو يبيِّتوا المسلمين ليلةَ السبت، فقالوا لا نؤمنُ، ولا نستحلُّ السَّبت، وأيُّ عيشٍ لنا بعد أبنائنا ونسائنا؟ وأرسلوا إلى أبي لُبابة بن عبد المنذر، وكانوا حلفاءه فاستشاروهُ في النُّزول على حكم

ج 17 ص 594

النَّبي صلى الله عليه وسلم، فأشار إلى حلقه _ يعني الذبح _ ثمَّ ندم، فتوجَّه إلى المسجد النَّبوي فارتبط به حتى تاب الله عليه.

(فَنَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ) أي رضوا بحكمه، وقُيِّدوا عليه، فإن قيل قد تقدَّم أنهم نزلوا على حكم سعد، فالجواب أن يُقال لعلَّهم كانوا فرقتين فرقة نزلوا على حكمِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفرقة نزلوا على حكمِ سعد (فَرَدَّ الحُكْمَ إِلَى سَعْدٍ) كأنَّهم أذعنوا للنُّزول على حكمهِ صلى الله عليه وسلم، فلمَّا سأله الأنصار فيهم رد الحكم إلى سعد، ووقع بيان ذلك عند ابنِ إسحاق قال لما اشتدَّ بهم الحصار أذعنوا أن ينزلوا على حكمِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتواثبتِ الأوس، فقالوا يا رسول الله! هم مَوالينا وقد فعلتْ في موالي الخزرجِ؛ أي بني قينقاع، ما علمت، فقال «أَلا ترضون أن يحكمَ فيهم رجلٌ منكم؟» قالوا بلى. قال «فذلك إلى سعدِ بن معاذ» . وفي رواية علقمة بن وقَّاص «فلمَّا اشتدَّ بهم البلاء، قيل لهم انزلوا على حكمِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلمَّا استشاروا أبا لبابة، قالوا ننزلُ على حُكم سعد بن معاذ» . ونحوه في حديث جابر رضي الله عنه عند ابن عائذ، فحصلَ في سببِ ردِّ الحكم إلى سعد بن معاذ أمران

أحدهما سؤال الأوس. والآخر إشارة إلى أبي لُبابة، ويحتمل أن تكون الإشارة أثَّرت توقفهم، ثمَّ لما اشتد الأمر في الحصار عرَّفوا الأوس، فأذعنوا إلى النُّزول على حكم النَّبي صلى الله عليه وسلم، وأيقنوا بأنَّه يرد الحكم إلى سعد، وفي رواية عليِّ بن مسهر عن هشام بن عروة عند مسلم «فردَّ الحكم فيهم إلى سعد وكانوا حلفاءه» (قَالَ فَإِنِّي أَحْكُمُ فِيهِمْ) أي «في بني قُريظة» ، هكذا في رواية النَّسفي، وفي رواية غيره ؛ أي في هذا الأمر (أَنْ تُقْتَلَ الْمُقَاتِلَةُ، وَأَنْ تُسْبَى النِّسَاءُ وَالذُّرِّيَّةُ) بضم الذال. وفي «التوضيح» وقال عبدُ الملك هي بنصب الذال، وقال ابنُ الأثير الذُّرية اسم جمع نسل الإنسان من ذكر وأنثى، وأصله الهمزة، لكنَّهم حذفوه فلم يستعملوها إلَّا غير مهموزة، ويجمعُ على ذرِّيات وذراري _ مشددًا _، وقيل أصلها من الذَّر بمعنى التَّفريق؛ لأنَّ الله ذرهم في الأرض، انتهى، واختلف في وزنها هل هي فعليَّة أو فعلولة؟

(وَأَنْ تُقْسَمَ أَمْوَالُهُمْ) وذكر ابنُ إسحاق أنَّهم حُبِسوا في دار بنت الحارث، وفي رواية أبي الأسود عن عروة «في دار أسامة بن زيد» ، ويُجمَع بينهما بأنهم جعلوا في بيتين. ووقعَ في حديث جابر رضي الله عنه عند ابن عائذ التَّصريح بأنهم جعلوا في بيتين. وقال ابنُ إسحاق فخندقوا لهم خنادقَ فضربتْ أعناقُهم فجرى الدَّم في الخنادق، وقسَّم أموالهم ونساؤهُم وأبناؤهم على المسلمين، وأسهم للخيلِ وكان أوَّل يوم وقع فيه السَّهمان لها.

وعند ابنِ سعد من مرسل حُميد بن هلال أنَّ سعد بن معاذ رضي الله عنه حكم أيضًا أن تكون دارهم للمهاجرين دون الأنصار، فلامَه الأنصار

ج 17 ص 595

فقال إني أحببتُ أن يستغنوا عن دُوركم.

واختلف في عدَّتهم فعندَ ابن إسحاق أنَّهم كانوا ستمائة. وعند ابنِ عائذ من مرسل قتادة كانوا سبعمائة. وفي حديث جابر عند الترمذيِّ والنَّسائي وابن حبَّان بإسناد صحيحٍ أنَّهم كانوا أربعمائة مقاتل، فيحتمل في طريق الجمعِ أن يُقال إنَّ الباقين كانوا أتباعًا، وقد حكى ابن إسحاق أنَّه قيل إنهم كانوا تسعمائة.

(قَالَ هِشَامٌ) هو ابنُ عروة، وهو موصول بالإسناد المذكور أولًا (فَأَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَنَّ سَعْدًا قَالَ اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أُجَاهِدَهُمْ فِيكَ، مِنْ قَوْمٍ كَذَّبُوا رَسُولَكَ وَأَخْرَجُوهُ، اللَّهُمَّ فَإِنِّي أَظُنُّ أَنَّكَ قَدْ وَضَعْتَ الْحَرْبَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ) قال بعض الشُّرَّاح لم يُصِب في هذا الظَّن لما وقع من الحروب في الغزوات بعد ذلك، قال فيحمل على أنَّه دعا بذلك فلم تقع الإجابة، وذخرَ له ما هو أفضل من ذلك، كما ثبتَ في الحديث الآخر في دعاء المؤمن، أو أنَّ سعدًا أرادَ بوضع الحرب؛ أي في تلك الغزوة الخاصَّة لا فيما بعدها.

وذكر ابنُ التين عن الدَّاودي أنَّ الضَّمير لقريظة. قال ابن التِّين وهو بعيدٌ لنصه على قريش.

قال الحافظُ العسقلاني وقد تقدَّم الرَّد عليه أيضًا في أول «الهجرة» في الكلام على هذا الحديث [خ¦3901] ، قال والَّذي يظهرُ لي أن ظن سعد كان مصيبًا، وأن دعاءه في هذه القصَّة كان مجابًا، وذلك أنَّه لم يقع بين المسلمين وبين قريش من بعد وقعةِ الخندق حرب ابتداء القصد فيها من المشركين، فإنَّه صلى الله عليه وسلم تجهَّز إلى العمرة فصدُّوه عن دخول مكَّة وكاد الحرب أن يقعَ بينهم فلم يقعْ، كما قال الله تعالى {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ} [الفتح 24] .

ثمَّ وقعت الهُدنة واعتمرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم من قابلٍ، واستمرَّ ذلك إلى أن نقضوا العهد، فتوجَّه إليهم غازيًا ففتحت مكة، فعلى هذا فالمراد بقوله أظنُّ أنَّك قد وضعتَ الحرب؛ أي أن يقصدونا محاربين، وهو كقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الماضي قريبًا في أواخر «غزوة الخندق» [خ¦4109] «الآن نغزوهم ولا يغزوننا» .

ج 17 ص 596

(فَإِنْ كَانَ بَقِيَ مِنْ حَرْبِ قُرَيْشٍ شَيْءٌ فَأَبْقِنِي) بفتح الهمزة، أمرٌ من الإبقاء (لَهُ) أي للحربِ، وفي رواية الكُشميهني (حَتَّى أُجَاهِدَهُمْ فِيكَ، وَإِنْ كُنْتَ وَضَعْتَ الْحَرْبَ فَافْجُرْهَا) بوصل الهمزة وضم الجيم ثلاثي، من فَجَر يَفْجر متعدٍّ، والضَّمير المنصوب للجراحة. قيل [1] كيف استدعى الموت وهو منهيٌّ عنه؟ وأُجيب بأن غرضه كان أن يموتَ على الشَّهادة، فكأنَّه قال إن كان بعد هذا قتال معهم فذاك وإلَّا فلا تحرمني عن ثواب هذه الشَّهادة.

(وَاجْعَلْ مَوْتَتِي فِيهَا، فَانْفَجَرَتْ مِنْ لَبَّتِهِ) بفتح اللام وتشديد الموحدة، هي موضعُ القلادة من الصَّدر، وهي رواية مسلم والإسماعيلي، وفي رواية الكشميهني ، وفي مرسل حُميد بن هلال عند ابنِ سعد أنَّه مرَّت به عنز وهو مضطجعٌ، فأصاب ظِلْفُها مَوْضع الجُرْح فانفجرَ حتى مات.

(فَلَمْ يَرُعْهُمْ) من الرَّوع، وهو الخوفُ والضَّمير لأهل المسجد؛ أي لم يفزعهم، وقيل الضَّمير لبني غفار والسِّياق يدلُّ عليه (وَفِي الْمَسْجِدِ خَيْمَةٌ مِنْ بَنِي غِفَارٍ) الواو فيه للحال، قد تقدَّم أنَّ ابن إسحاق ذكر أن الخيمة كانت لرفيدة الأسلمية، فيحتمل أن يكون كان لها زوجٌ من بني غفار، وما قيل أنَّ الخيمة لبني غفار لا من بني غفار، فيقال إنَّه من باب حذف المضاف؛ أي من خيام بني غفار.

وغِفَار بكسر الغين المعجمة وبالفاء الخفيفة وبالراء، من غَفر إذا ستر، هو ابنُ مليل بن ضَمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة.

(إِلاَّ الدَّمُ يَسِيلُ إِلَيْهِمْ، فَقَالُوا يَا أَهْلَ الْخَيْمَةِ، مَا هَذَا الَّذِي يَأْتِينَا مِنْ قِبَلِكُمْ؟ فَإِذَا سَعْدٌ) كلمة «إذا» للمفاجأة (يَغْذُو) بغين وذال معجمتين؛ أي يسيل (جُرْحُهُ) من غذا العرق إذا سالَ دمًا (فَمَاتَ مِنْهَا) أي من تلك الجراحة، وفي «السير» ولما مات أتى جبريل عليه السلام معتجرًا بعمامة من إستبرق، فقال يا محمد، من هذا الذي فتحتَ له أبواب السَّماء واهتزَّ له العرش، فقام صلى الله عليه وسلم سريعًا يجرُّ ثوبه إليه فوجدَه قد مات، ولما حملوا نعشَه وجدوا له خفَّة فقال «إنَّ له حملةٌ غيركم» .

وقال ابنُ عائذ لقد نزلَ سبعون ألف ملك شهدوا سعدًا ما وطؤوا الأرض إلَّا يومهم هذا. ووقع في رواية علقمة بن وقاص عن عائشة رضي الله عنها عند أحمد «فانفجر كَلِمه وقد كان برأَ إلَّا مثل الخُرْص» ، وهو

ج 17 ص 597

بضم المعجمة وسكون الراء ثم مهملة، وهو من حليِّ الأذن. ولمسلم من طريق عبدة بن سليمان عن هشام بن عروة فما زالَ الدَّم يسيلُ حتى مات، قال فذلك حين يقول الشاعر

~أَلَا يَا سَعْدُ سَعْدَ بَنِي مُعَاذٍ فَمَا فَعَلَتْ قُرَيْظَةُ وَالنَّضِيرُ

~لَعَمْرُكَ إِنَّ سَعْدَ بَنِي مُعَاذٍ غَدَاةَ تَحَمَّلُوا لَهُمُ الصَّبُورُ

~تَرَكْتُمْ قِدْرَكُمْ لَا شَيْءَ فِيهَا وَقِدْرُ الْقَوْمِ حَامِيَةٌ تَفُورُ

~وَقَدْ قَالَ الْكَرِيمُ أَبُو حُبَابٍ أَقِيمُوا قَيْنُقَاعَ وَلَا تَسِيرُوا

~وَقَدْ كَانُوا بِبَلْدَتِهِمْ ثِفالًا كَمَا ثَفُلَتْ بِمِيطَانَ الصُّخُور

وقوله «أبو حُبَاب» بضم المهملة وتخفيف الموحدة وآخره مثلها، هو عبدُ الله بن أُبي رئيس الخزرج، وكان شَفِع في بني قينُقاع، فوهبهم النَّبي صلى الله عليه وسلم له وكانوا حُلفاءه، وكانت قُريظة حلفاء سعد بن معاذ، فلم يقبلهم، فقال هذا الشاعر يوبِّخه بذلك.

وقوله «تركتُم قِدْركم ... إلى آخره» أراد به ضرب المثل.

و «ميطان» موضعٌ في بلاد مزينة من الحجاز كثير الأوعار، وأشار بذلك إلى بني قُرَيظة كانوا في بلادهم راسخين من كثرةِ ما لهم من القوَّة والنَّجدة والمال، كما رسختِ الصُّخور بتلك البلدة.

وذكر ابنُ إسحاق أنَّ هذه الأبيات لجَبَل بن جَوَّال الثَّعلبي، وهو بفتح الجيم والموحدة، وأبوه بالجيم وتشديد الواو، والثَّعلبي بمثلثة ومهملة وموحدة، ووقع عنده بدل قوله «وقد قال الكريم ... » البيت

~وَأَمَّا الخَزْرَجِي أَبُو حُبَابٍ فَقَالَ لِقَيْنُقَاعَ لَا تَسِيرُوا

وزاد فيها أبياتًا منها

~أَقِيْمُوا يَا سَرَاةَ الأَوْسِ فِيْهَا كَأَنَّكُمْ مِنْ المَخْزَاةِ عُورُ

وأراد بذلك توبيخَ سعد؛ لأنَّه رئيس الأوس، وكان جبل بن جَوَّال حينئذٍ كافرًا، ولعل قصيدة كعب بن مالك التي تقدمت في غزوة بني النَّضير كانت جوابًا لجبل، والله أعلم [خ¦4032] .

وذكر ابن إسحاق لحسان بن ثابت رضي الله عنه قصيدة على هذا الوزن والقافية يقول فيها

~تَفَاقَدَ مَعْشَرٌ نَصَرُوا قُرَيْشًا وَلَيْسَ لَهُمْ بِبَلْدَتِهِمْ نَصِيرُ

~وَهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ فَضَيَّعُوهُ فَهُمْ عُمْيٌ عَنِ التَّوْرَاةِ بُورُ

وهي من جملة قصيدتهِ التي تقدَّم بعضها في غزوة بني النَّضير [خ¦4032] ،

ج 17 ص 598

وأجابه أبو سفيان بن الحارث عنها.

وفي قصَّة بني قُرَيظة من الفوائدِ وخبر سعد بن معاذ جوازُ تمنِّي الشَّهادة، وهو مخصوصٌ من عموم النَّهي عن تمني الموت.

وفيه تحكيم الأفضل من هو مفضولٌ، وفيه جواز الاجتهاد في زمن النَّبي صلى الله عليه وسلم، وهي خلافيَّة في أصول الفقه، والمختارُ الجواز سواء كان بحضور النَّبي صلى الله عليه وسلم أم لا، وإنما استبعدَ المانع وقوع الاعتماد على الظَّنِّ مع إمكان القطع، ولا يضرُّ ذلك؛ لأنَّه بالتَّقرير يصيرُ قطعيًا، وقد ثبتَ وقوع ذلك بحضرتهِ صلى الله عليه وسلم كما في هذه القصَّة وقصَّة أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه في قتيل أبي قتادة، كما سيأتي في «غزوة حنين» إن شاء الله تعالى [خ¦4321] .

وقد مرَّ الحديث في «الصَّلاة» في باب «الخيمة في المسجد للمَرْضى» [خ¦463] .

ومطابقته للترجمة ظاهرةٌ.

[1] في هامش الأصل كرماني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت