فهرس الكتاب

الصفحة 6174 من 11127

4256 - (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ) الواشحي، قال (أَخْبَرَنَا حَمَّادٌ _ هُوَ ابْنُ زَيْدٍ _، عَنْ أَيُّوبَ) أي السَّختياني (عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُما) أنَّه (قَالَ قَدِمَ النَّبِيُّ) ويُروى (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ) أي مكَّة لأجل عمرة القضاء (فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ إِنَّهُ يَقْدَمُ عَلَيْكُمْ وَفْدٌ) بفتح الواو وسكون الفاء؛ أي قوم وزنًا ومعنى. ووقع في رواية ابن السَّكن بالقاف فالواو للعطفِ أو الحال، وقَدْ بفتح القاف وسكون الدال للتَّحقيق، وقال الحافظُ العسقلاني وهو خطأٌ، وتعقَّبه العيني بأنَّه لم يُبين وجه الخطأ، هل هو من حيث الرِّواية أو من حيث المعنى؟ ولا خطأ أصلًا من حيث المعنى، فإن قال الخطأ من حيث الرِّواية فعليه البيان، انتهى.

أقول الظَّاهر أنَّ مراده أنَّه أخطأ من حيث المعنى، فإنَّ الظَّاهر حينئذٍ أن يُقال يقدمون، بصيغة الجمع، أو وهنَه بصيغة الإفراد، فافهم.

(وَهَنَهُمْ) أي أضعفهم، ويُروى بتاء التأنيث، ويُروى بزيادة الألف في أوَّله (حُمَّى يَثْرِبَ) يقال وهنتْه الحمى _ بتخفيف الهاء _، وأَوْهَنته ووَهَّنَتْه _ بتشديد الهاء _؛ أي أضعفته، ويثرب اسمُ المدينة النَّبوية في الجاهلية، ونهى النَّبي صلى الله عليه وسلم عن تسميتها بذلك، وإنما ذكر ابنُ عبَّاس رضي الله عنهما ذلك حكاية لكلام المشركين، وفي رواية الإسماعيليِّ (( فأطلعَه الله على ما قالوا ) ).

(فَأَمَرَهُمُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَرْمُلُوا) من الرَّمل؛ أي الهرولة، وهي إسراعُ المشي مع تقاربِ الخُطى

ج 18 ص 223

(الأَشْوَاطَ الثَّلاَثَةَ) أي الأوَّل من الأطوفة السَّبعة (وَأَنْ يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ) أي اليمانيين، وعند أبي داود من وجه آخر وكانوا إذا تواروا عن قريش بين الرُّكنين مشوا، وإذا طلعوا عليهم رملوا، وسيأتي في الَّذي بعده أنَّ المشركين كانوا من قبل قُعَيْقعان، وهو مشرفٌ على الركنين الشَّاميين، ومن كان بهِ لا يرى من بين الرُّكنين اليمانيين.

ولمسلم من هذا الوجه في آخره (( فقال المشركون هؤلاء الَّذين زعمتُم أنَّ الحمى وهنتْهم، هؤلاء أجلد من كذا ) ).

(وَلَمْ يَمْنَعْهُ) أي النَّبي صلى الله عليه وسلم (أَنْ يَأْمُرَهُمْ أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ كُلَّهَا إِلاَّ الإِبْقَاءُ عَلَيْهِمْ) بكسر الهمزة وسكون الموحدة وبالقاف وبالمد؛ أي الرِّفق بهم والشَّفقة عليهم، يقال أبقيت على فلان إذا رحمته، والمعنى لم يمنعْه من أمرهم بالرَّمل في جميع الأطوفة إلَّا الرِّفق بهم.

وقال القرطبيُّ روِّينا قوله «إلَّا الإبقاء عليهم» بالرَّفع على أنَّه فاعل لم يمنعْه، وبالنَّصب على أن يكون مفعولًا من أجله، والمعنى لم يمنع النَّبي صلى الله عليه وسلم أمره إيَّاهم بالرَّمل في كلِّ الأطوفة إلَّا لأجل إبقائهم في الرِّفق شفقة عليهم.

وقال الحافظُ العسقلاني في وجه النَّصب فيكون في يمنعه ضمير عائدٌ على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو فاعله. وتعقَّبه العيني بأنَّه ليس في يمنعه ضميرٌ مستتر، وإنما الضَّمير البارز فيه يرجعُ إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم وفاعل يمنعُ هو قوله «أن يأمرهم» ، وكلمة «أن» مصدريَّة، انتهى، وأنت خبيرٌ بركاكة هذا أيضًا، فالوجه هو الرَّفع في الإبقاء على أنَّه فاعل لم يمنعه، فتدبر.

وقد مضى الحديث في الحجِّ، في باب كيف كان بدء الرَّمل [خ¦1602] بعينه إسنادًا ومتنًا، ومرَّ الكلام فيه هناك، ومطابقته للترجمة في قوله «قدمَ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه» ؛ أي مكَّة لأجل عمرة القضاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت