فهرس الكتاب

الصفحة 6181 من 11127

4263 - (حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ) أي ابن سعيد، قال (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ) هو ابنُ عبد المجيد الثَّقفي، قال (سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ) أي الأنصاري (قَالَ أَخْبَرَتْنِي عَمْرَةُ) هي بنتُ عبد الرَّحمن بن سعد التَّابعية (قَالَتْ سَمِعْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا تَقُولُ لَمَّا جَاءَ قَتْلُ ابْنِ حَارِثَةَ وجعفر بْنِ أَبِي طَالِب وعبد الله بن رواحة رضي الله عنهم) وفي نسخة .

يُحتمل أن يكون المراد مجيء الخبر على لسان القاصد الَّذي حضر من عند الجيش، ويُحتمل أن يكون المراد مجيء الخبر على لسان جبريل عليه السلام كما يدلُّ عليه حديث

ج 18 ص 234

أنس رضي الله عنه الَّذي قبله.

(جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أي في المسجد، وكذا في رواية البيهقي من طريق المقدمي عن عبد الوهاب (يُعْرَفُ فِيهِ الْحُزْنُ) أي لما جعله الله تعالى فيه من الرَّحمة، ولا يُنافي ذلك الرِّضا بالقضاء، ويُؤخذُ منه أنَّ ظهور الحزن على الإنسان إذا أُصيب بمصيبةٍ لا يُخرجه عن كونه صابرًا راضيًا إذا كان قلبُه مطمئنًا، بل قد يُقال إنَّ من كان ينزعجُ بالمصيبةِ ويُعالج نفسَه على الصَّبر والرِّضا أرفع رتبةً ممن لا يُبالي بوقوع المصيبة أصلًا، أشار إلى ذلك الطَّبري وأطالَ في تقريره.

(قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا وَأَنَا أَطَّلِعُ مِنْ صَائِرِ الْبَابِ) بالصاد المهملة والهمزة بعد الألف، وقد فسَّره بقوله (تَعْنِي مِنْ شَقِّ الْبَابِ) ووقع في رواية القابسي ، وللنَّسفي من غير موحدة، والأول أصوب هنا، وشق بالكسر والفتح أيضًا، ويُقال بالفتح هو الموضع الَّذي يُنظر منه كالكوةِ، وبالكسر الناحية.

وهذه الرِّواية تدلُّ على أنَّ في الرِّواية الَّتي تقدَّمت في الجنائز [خ¦1299] بلفظ (( من صائر الباب شق الباب ) )إدراجًا، وأنَّه تفسير من بعضِ رواته، وذكر ابنُ التِّين وغيره أنَّ الَّذي وقع في الحديث بلفظ «صائر» تغيير، والصَّواب صِيْر _ بكسر المهملة وبتحتية ساكنة ثمَّ راء _. قال الجوهريُّ الصِّيْر شقُّ الباب، وفي الحديث (( من نظرَ من صِيْر بابٍ ففقئتْ عينُه فهي هدرٌ ) )، قال أبو عبيد لم أسمع هذا الحرف إلا في هذا الحديث.

(فَأَتَاهُ رَجُلٌ) قال الحافظُ العسقلاني لم أقف على اسمه (فَقَالَ أَيْ رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ نِسَاءَ جَعْفَرٍ) يُحتمل أن يريدَ زوجاته، ويُحتمل أن يريدَ من يُنسب إليه من النِّساء في الجملةِ، وهذا الثاني هو المعتمد لأنَّه لم يُعرف لجعفر زوجة غير أسماء بنت عُميس، قال الكرمانيُّ خبر (إن) محذوفٌ؛ أي يبكينَ، وقال العينيُّ فعلى هذا يكون قوله

(قَالَت فَذَكَرَ) ويُروى بالواو (بُكَاءَهُنَّ) سدَّ مسدَّ الخبر، والضَّمير في (قالت) يرجعُ إلى عائشة رضي الله عنها، وفي (ذكر) يرجعُ إلى الرَّجل، ويروى بالتَّذكير، فيكون فيه إدراج من الرَّاوي (فَأَمَرَهُ أَنْ يَنْهَاهُنَّ) قال الحافظُ العسقلاني رأيت في أصل أبي ذرٍّ ، فإن كان

ج 18 ص 235

مضبوطًا ففيهِ حذفٌ تقديره فينهاهنَّ، وأظنُّه محرفًا فإن الَّذي في سائر الرِّوايات (( فأمره أن ينهاهنَّ ) )، وهو الوجه، وكذا وقع في الجنائز [خ¦1299] .

(قَالَت فَذَهَبَ الرَّجُلُ ثُمَّ أَتَى، فَقَالَ قَدْ نَهَيْتُهُنَّ، وَذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يُطِعْنَهُ) وفي رواية الكُشميهني بضم الياء، من الإطاعة (قَالَ) ويُروى (فَأَمَرَ أَيْضًا فَذَهَبَ ثُمَّ أَتَى فَقَالَ وَاللَّهِ لَقَدْ غَلَبْنَنَا) أي في عدمِ الامتثال والطَّاعة لقوله (فَزَعَمَتْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فَاحْثُ) يجوز في المثلثة الضم والكسر؛ لأنَّه يُقال حَثَا يَحْثُو، وَحَثَى يَحْثِي (فِي أَفْوَاهِهِنَّ مِنَ التُّرَابِ) فإن قيل أنَّهنَّ صحابيات فكيف لا يمتثلنَ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أُجيب بأنَّه لم يُصرِّح لهنَّ بنهي الشَّارع عن ذلك، فحملنَ أمره على أنَّه يُحتسبُ عليهنَّ من قبلِ نفسه، أو حملنَ الأمر على التَّنزيه، فتمادينَ على ما هُنَّ فيه، أو لأنَّهنَّ لشدَّة المصيبة لم يقدرنَ على تركِ البكاء.

قال الحافظُ العسقلاني والَّذي يظهرُ أنَّ النَّهي إنما وقعَ عن قدر زائد على محضِ البُكاء كالنوح ونحو ذلك، فلذلك أمر الرجل بتكرار النَّهي، واستبعدَه بعضُهم من جهةِ أن الصَّحابيات لا يتمادينَ بعد تكرار النَّهي على أمر محرَّم، ولعلهنَّ تركنَ النوح ولم يتركنَ البكاء، وكان غرضُ الرجل حسم المادة فلم يُطعنَه، لكن قوله «فاحثُ في أفواههنَّ التراب» يدلُّ على أنَّهن تمادين على الأمرِ الممنوع.

(قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا فَقُلْتُ أَرْغَمَ اللَّهُ أَنْفَكَ) أي ألصقَه بالرَّغام، وهو الترابُ (فَوَاللَّهِ مَا أَنْتَ تَفْعَلُ) أرادت أنَّك لقصوركَ ما تفعلُ ما أُمرت به، ولا تخبر النَّبي صلى الله عليه وسلم بقصورك عن ذلك حتَّى يرسلَ غيرك ويستريحَ، كما يدلُّ عليه قوله (وَمَا تَرَكْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْعَنَاءِ) بفتح المهملة والنون وبالمد، وهو التَّعب، ووقع في رواية العذري عند مسلم (( من الغيِّ ) )بالغين المعجمة وبتحتية ثقيلة، وفي رواية الطَّبراني مثله لكن بعين مهملة، ومرادُ عائشة رضي الله عنها أنَّ الرجل لا يقدر على ذلك، فإذا كان لا يقدر فقد أتعبَ نفسه، ومن يُخاطبه في شيءٍ لا يقدر على إزالتهِ، ولعلَّ الرجل لم يفهمْ من الأمر

ج 18 ص 236

المحتم.

وقال القرطبي لم يكن الأمر للرَّجل بذلك على حقيقته، لكن تقديره إن أمكنَك فإن ذلك يُسكنهنَّ إن فعلته وأمكنَك، وإلا فالملاطفة أولى، وفي الحديث جواز مُعاقبة من نُهي عن منكرٍ فتمادى عليه بما يليقُ به.

وقال النَّووي معنى كلام عائشة رضي الله عنها أنَّك قاصرٌ عن القيام بما أُمرت به من الإنكار، فينبغي أن تخبرَ النَّبي صلى الله عليه وسلم بقصورِكَ عن ذلك ليرسلَ غيرَكَ، وتستريحَ أنت من العناء. ووقع عندَ ابن إسحاق من وجه آخر صحيحٍ عن عائشة رضي الله عنها في آخره قالتْ عائشة رضي الله عنها وعرفتُ أنَّه لا يقدر أن يحثيَ في أفواههنَّ التراب، قالت وربما ضرَّ التَّكلف أهله، وفي حديث عائشة رضي الله عنها من الفوائد بيان ما هو الأولى بالمصاب من الهيئاتِ، ومشروعيَّة الانتصابِ للعزاء على هيئته، وملازمة الوقارِ والتَّثبت، وفيه جوازُ نظر من شأنَّه الاحتجاب من شقِّ الباب، وأمَّا عكسه فممنوعٌ.

وفيه إطلاق الدُّعاء بلفظ لا يقصد الدَّاعي إيقاعَه بالمدعو به؛ لأن قول عائشة رضي الله عنها «أرغمَ الله أنفك» ؛ أي ألصقَه بالتراب لم ترد حقيقةَ ذلك، بل قد جرت عادة العرب بإطلاق هذه اللَّفظة في موضع الشَّماتة بمن يُقال له، وفي مقامِ العجز عن الانتصافِ والانقيادِ على كره، ووجه المناسبة في قوله (( احثُ في أفواههنَّ ) )دون أعينهنَّ مع أنَّ الأعين محل البكاء، الإشارة إلى أنَّ النَّهي لم يقع عن مجرَّد البكاء بل عن قدر زائدٍ عليه من صياحة ونياحة.

ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرةٌ، وقد مضى الحديث في الجنائز، في باب من جلس عند المصيبة [خ¦1299] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت