فهرس الكتاب

الصفحة 6234 من 11127

4315 - (حَدثَنَا مُحَمدُ بْنُ كَثِيرٍ) بالمثلثة، قال (حَدثَنَا سُفْيَانُ) هو الثَّوري (عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) وقد تقدَّم في الجهاد [خ¦2874] من وجه آخر عن سفيان قال حدَّثني أبو إسحاق، هو عَمرو بن عبد الله السَّبيعي الكوفي، أنَّه (قَالَ سَمِعْتُ الْبَرَاءَ) أي ابن عازب رضي الله عنهما (وَجَاءَهُ رَجُلٌ) قال الحافظُ العسقلاني لم أقفْ على اسمه، وقد ذكر في الرِّواية الثانية أنَّه من قيس (فَقَالَ يَا أبَا عُمَارَةَ) بضم المهملة وتخفيف الميم، كنية البراء.

(أَتَوَلَّيْتَ يَوْمَ حُنَيْنٍ) الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الاستخبار؛ أي انهزمت، وفي الرِّواية الثانية [خ¦4316] (( أولَّيتم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين ) )، وفي الثالثة [خ¦4317] (( أفررتُم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ) ) (قَالَ) ويُروى بالفاء (أَمَّا أَنَا فَأَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ) وفي رواية (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنهُ لَمْ يُوَلِّ، وَلَكِنْ عَجِلَ سَرَعَانُ الْقَوْمِ) بفتح السين المهملة والراء، ويجوز تسكين الراء. وقال الكرمانيُّ وسرعان بضم المهملة وكسرها جمع سريع، وليس كذلك؛ لأن جماعة منهم ابن الأثير وغيره قد ضبطوه بفتح المهملة، وقال سرعان القوم أوائلهم الَّذين يُسارعون إلى الشيء ويُقبلون عليه بسرعة. وقال الخطَّابي بعضهم يقوله بكسرها وهو خطأ.

وهذا من بديع الجواب حيث بيَّن فيه أولًا أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم لم يُولّ. وثانيًا أنَّه لم يُولّ أيضًا؛ لأنَّ إخباره بقوله «ولكن عَجِل سَرَعان القوم ... » إلى آخره، يدلُّ على أنَّه ثبت؛ لأنَّ المولى لا يقدر على إخبارِ ما شاهدَه في هذه القصَّة على هذه الصُّورة. فإن قيل كيف يُطابق جوابه سؤال السَّائل، فإنّه سأله هل تولى أم لا؟ ولم يسأل عن حال النَّبي صلى الله عليه وسلم؟.

فالجواب أنَّه فهم بقرينة الحال أنَّه يسأل عن فرار الكلِّ، فيدخل فيه النَّبي صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن يكون السَّائل أخذ التَّعميم من قوله تعالى {ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ} [التوبة 25] . ويُؤيِّده أيضًا ما في الطريق الَّذي يأتي عقيبه «أولَّيتم مع النَّبي صلى الله عليه وسلم؟» .

ج 18 ص 314

ويُحتمل أنَّ البراء رضي الله عنه فهم من السائل أنَّه اشتبه عليه حديث سَلَمة بن الأكوع رضي الله عنه الَّذي أخرجه مسلم بلفظ «ومررتُ برسولِ الله صلى الله عليه وسلم منهزمًا» ، فلذلك حَلَف أن النَّبي صلى الله عليه وسلم لم يُولِّ، ودلَّ ذلك على أنَّ «منهزمًا» حال من سَلَمة؛ ولهذا وقعَ في طريق أُخرى ومررتُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم منهزمًا، وهو على بغلتهِ، فقال (( لقد رأى ابن الأكوع فزعًا ) ).

والحاصل أن البراء رضي الله عنه فهم من إطلاق السَّائل أنَّه أراد أنَّه يشمل الجميع حتَّى النَّبي صلى الله عليه وسلم لظاهر الرِّواية الثانية، ويمكنُ الجمع بين الثانية والثالثة بحملِ المعيَّة على ما قبل الهزيمة، فبادر إلى استثنائهِ، ثمَّ أوضحَ ذلك وختمَ حديثه بأنَّه لم يكن أحدٌ يومئذٍ أشد منه صلى الله عليه وسلم شجاعة، والظَّاهر من الأحاديث الواردة في هذه القصَّة أنَّ الجميع لم يفرُّوا، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.

(فَرَشَقَتْهُمْ) من الرَّشق _ بالشين المعجمة والقاف _، وهو رميُ السِّهام (هَوَازِنُ) هي قبيلةٌ كبيرةٌ من العرب فيها عدَّة بطون ينتسبون إلى هوازن بن منصور بن عكرمة بن خَصَفَة _ بمعجمة ثمَّ مهملة ثمَّ فاء مفتوحات _ ابن قيس بن غيلان بن إلياس بن مضر.

والعذرُ لمن انهزمَ من غير المؤلَّفة أنَّ العدو كان ضِعْفهم في العدد وأكثر من ذلك، وقد بيّن شعبة في الرِّواية الثالثة السَّبب في الإسراعِ المذكور قال كانت هوازن رُماة، وإنَّا لما حملنا عليهم انكشفُوا ... إلى آخره.

وللمصنِّف في الجهاد [خ¦4317] (( انهزموا قال فأكببنَا ) )، وفي رواية في الجهاد [خ¦2864] (( فأقبل الناس على الغنائم فاستقبلونا بالسهام ) ). وفي الجهاد أيضًا من رواية زهير بن معاوية عن أبي اسحاق تكملة السبب المذكور [خ¦2930] قال خرج شُبَّان أصحابه وأخفّاؤهم حُسَّرًا _ بضم المهملة وتشديد السين المهملة _، ليس عليهم سلاح، فاستقبلَهم جمع هوازن وبني نَصْرٍ ما يكادون يسقطُ لهم سهمٌ، فرشقوهُم رشقًا ما يكادون يُخطؤون. الحديث. وفيه فنزل واستنصر ثمَّ قال (( أنا النَّبيُّ لا كذب، أنا ابنُ عبد المطلب ) )ثمَّ صفَّ أصحابه.

وفي رواية مسلم من طريق زكريا عن أبي إسحاق (( فرموهُم برشقٍ من نَبْلٍ كأنَّها رِجلُ جرادٍ،

ج 18 ص 315

فانكشفوا )) ، وذكر ابنُ إسحاق من حديث جابر رضي الله عنه وغيره في سببِ انكشافهم أمرًا آخر، وهو أنَّ مالك بن عوف سبقَ بهم إلى حُنين فأعدُّوا وتهيَّئوا في مضايقِ الوادي، وأقبلَ النَّبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه حتَّى انحطَّ بهم الوادي في عماية الصُّبح، فثارتْ في وجوهِهِم الخيل فشدَّت عليهم، وانكفأَ النَّاس مُنهزمين.

وفي حديث أنس رضي الله عنه عند مسلم وغيره من رواية سليمان التَّيمي، عن السُّميط، عن أنس رضي الله عنه قال افتتحنَا مكَّة، ثمَّ إنَّا غزونا حُنينًا، قال فجاء المشركون بأحسن صفوفٍ رأيتَ، صُفَّ الخيل، ثمَّ المقاتلة، ثمَّ النساء من وراء ذلك، ثمَّ الغنم، ثمَّ النَّعم، قال ونحن بشرٌ كثيرٌ، وعلى مجنبةِ خيلنَا خالد بن الوليد، فجعلت خيلنا تلوذُ خلف ظهورنا، فلم نلبث أن انكشفَ خيلنَا وفرَّت الأعراب [ومن تعلم من الناس] .

وسيأتي للمصنَّف قريبًا في رواية هشام بن زيد عن أنس رضي الله عنه قال [خ¦4337] (( أقبلتْ هوازن وغطفان بذراريهم ونعمِهِم، ومع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم عشرة آلاف ومعه الطُّلقاء، قال فأدبروا عنه حتَّى بقيَ وحدَه ) )الحديث.

ويجمع بين قوله (( حتَّى بقيَ وحدَه ) )وبين الأخبار الدَّالة على أنَّه بقيَ معه جماعة بأنَّ المراد بقيَ وحدَه متقدِّمًا مُقبلًا على العدو، والَّذين ثبتوا معه كانوا وراءَهُ، أو الوحدة بالنِّسبة إلى مباشرةِ القتال وأبو سفيان بن الحارث وغيره كانوا يخدمونه في إمساكِ البغلةِ ونحو ذلك.

ووقع في رواية أبي نُعيم في «الدلائل» تفصيل المائة بضعة وثلاثون من المهاجرين، والبقيَّة من الأنصار، ومن النِّساء أم سُلَيم وأم حارثة.

(وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ) أي ابن عبد المطَّلب بن هاشم، وهو ابنُ عمِّ النَّبي صلى الله عليه وسلم لقيه في الطَّريق وهو سائر إلى فتح مكَّة فأسلم وحَسُن إسلامه، وخرجَ معه إلى غزوة حُنين، فكان ممَّن ثبت.

(آخِذٌ) على وزن فاعل (بِرَأْسِ بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ) وفي رواية زهير [خ¦2930] (( فأقبلوا _ أي المشركون _ هنالك إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم وهو على بغلتهِ البيضاء، وابن عمِّه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطَّلب يقود به، فنزلَ واستنصرَ ) ). قال العلماء في ركوبهِ صلى الله عليه وسلم البغلة يومئذٍ دَلالة على النِّهاية

ج 18 ص 316

في الشَّجاعة والثبات. وقوله (( فنزل ) )؛ أي عن البغلة، (( واستنصر ) )؛ أي قال (( اللَّهمَّ أنزل نصرَك ) ).

ووقع مصرَّحًا به في رواية مسلم من طريق زكريا عن أبي إسحاق، وفي حديث العبَّاس عند مسلم شهدتُ مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم يوم حُنين، فلزمته أنا وأبو سفيان بن الحارث فلم نفارقه، الحديث. وفيه ولّى المسلمون مُدْبرين، فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يركض بغلتَه قِبَل الكفَّار، قال العبَّاس رضي الله عنه وأنا آخذٌ بلجامِ بغلةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم أكفها إرادة أن لا تُسرع، وأبو سفيان آخذ بركابهِ.

ويُمكن الجمع بأنَّ أبا سفيان كان آخذًا أولًا بزمامها، فلمَّا رَكَضها النَّبي صلى الله عليه وسلم إلى جهة المشركين خشيَ العبَّاس، فأخذَ بلجام البغلةِ يكفُّها، وأخذ أبو سفيان بالرِّكاب، وترك اللِّجام للعبَّاس إجلالًا له؛ لأنَّه كان عمه. ثمَّ إنَّ بغلتَه هذه هي البيضاء، كما في هذه الرِّواية والرِّواية الثالثة.

وعند مسلم من حديث العبَّاس رضي الله عنه وكان على بغلةٍ بيضاءَ أهداها له فَرْوة بن نُفَاثة الجُذَامي، وله من حديث سلمة رضي الله عنه وكان على بغلتهِ الشَّهباء، ووقع عند ابنِ سعد وتبعَه جماعة ممَّن صنَّف السِّيرة أنَّه صلى الله عليه وسلم كان على بغلتهِ دُلْدُل.

قال الحافظُ العسقلاني وفيه نظرٌ؛ لأنَّ دُلدل أهداها له المقوقس. وقد ذكر القطبُ الحلبي أنَّه استشكلَ عند الدِّمياطي ما ذكرهُ ابنُ سعد فقال له كنتُ تبعتُه، فذكرتُ ذلك في السِّيرة وكنت حينئذٍ سِيريًّا محضًا، وكان ينبغي لنا أن نذكرَ الخلاف.

قال القطبُ يُحتمل أن يكون يومئذٍ ركب كلاًّ من البغلتين إنْ ثبت أنَّها كانت صَحِبتْه وإلَّا فما في الصَّحيح أصحُّ، ودل قول الدِّمياطي أنَّه كان يعتقدُ الرُّجوع عن كثير ممَّا وافقَ فيه أهل السِّير وخالف الأحاديث الصَّحيحة، وأنَّ ذلك كان منه قبل أن يتضلَّع من الأحاديث الصَّحيحة، ولخروج نسخِ كتابه وانتشارهِ لم يتمكَّن من تغييرهِ، وقد أغربَ النَّووي فقال وقع عند مسلم على بغلتهِ البيضاء، وفي أُخرى الشَّهباء، وهي واحدةُ، ولا نعرف له بغلة غيرها، وتعقَّبوه بدُلدل، لكن قيل إنَّ الاسمين لواحدة.

(يَقُولُ أَنَا النَّبِيُّ

ج 18 ص 317

لاَ كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ) قال ابنُ التِّين كان بعضُ أهل العلم يقوله بفتح الباء، من قوله «لا كَذِب» ، ليُخرجَه عن الوزن. وقد أُجيب عن مقالته صلى الله عليه وسلم هذا الرَّجز بأجوبة أحدها أنَّه نَظْم غيره، وأنَّه كان [فيه] أنتَ النَّبي لا كذب، أنتَ ابنُ عبد المطَّلب، فذكرَهُ بلفظ أنا في الموضعين. ثانيها أنَّ هذا رجزٌ وليس من أقسام الشِّعر، وهذا مردودٌ. ثالثها أنَّه لا يكون شعرًا حتَّى يتمَّ قطعة، وهذه كلماتٌ يسيرةٌ لا تُسمَّى شعرًا. رابعها أنَّه خرجَ موزونًا ولم يقصد به الشعر، وهذا أعدلُ الأجوبة.

وأمَّا نسبته إلى عبدِ المطَّلب دون أبيهِ عبد الله فكأنَّها لشهرةِ عبد المطَّلب بين الناس لما رُزق من نباهةِ الذِّكر وطولِ العمر؛ بخلافِ عبد الله فإنَّه مات شابًا، ولهذا كان كثيرٌ من العرب يدعونَه ابنُ عبد المطَّلب، كما قال ضِمامُ بن ثعلبةَ لما قدم أيُّكم ابن عبد المطَّلب؟ وقيل لأنَّه كانَ اشتهر بين الناس أنَّه يخرجُ من ذرِّية عبد المطَّلب رجلٌ يدعو إلى الله، ويهدِي الله الخلق على يديهِ، ويكون خاتمَ الأنبياء، فانتسبَ إليه ليتذكَّر ذلك من كان يعرفُه، وقد اشتهرَ ذلك بينهم.

وقد ذكره سيفُ بن ذِي يَزَن قديمًا لعبد المطَّلب قبل أن يتزوَّج عبد الله آمنة، وأراد صلى الله عليه وسلم تنبيه أصحابه، بأنَّه لا بدَّ من ظهورِهِ، وأن العاقبةَ له ليقوي قلوبهم إذا عرفوا أنَّه ثابت غير منهزم.

وأمَّا قوله «لا كذب» ، ففيه إشارة إلى أن صفةَ النُّبوة يستحيلُ معها الكذب، فكأنَّه قال أنا النَّبي، والنَّبي لا يكذب، فلست بكاذبٍ فيما أقول حتَّى أنهزمَ، وأنا متيقنٌ أن الَّذي وعدَني الله به من النَّصر حق فلا يجوزُ عليّ الفرار. وقيل معنى قوله «لا كذب» ؛ أي أنا النَّبي حقًا لا كذب في ذلك.

واعلم أنَّه ساق البخاري الحديث غالبًا عن أبي الوليد عن شعبة، لكنَّه مختصرٌ جدًا كما ترى، ثمَّ ساقَه من رواية غُندر عن شعبة مطوَّلًا بنزولِ درجة كما ترى أيضًا.

وقد أخرجه الإسماعيليُّ عن أبي خليفة الفضل بن الحُباب عن أبي الوليد مطوَّلًا، فكأنَّه لما حدَّثه البخاريُّ حدَّثه به مختصرًا.

وقد اتَّفقت الطُّرق الَّتي أخرجها البخاريُّ لهذا الحديث من سياق هذا الحديث، إلى قوله (( أنا النَّبي لا كذب، أنا ابنُ عبد المطَّلب ) )إلَّا رواية زهير بن معاوية،

ج 18 ص 318

فزاد في آخرها (( ثمَّ صفَّ أصحابه ) ). وزاد مسلم في حديث البراء من رواية زكريا عن أبي إسحاق، قال البراء (( كنَّا والله إذا احمرَّ البأسُ نتَّقي به، وإن الشُّجاع منَّا للذي يُحاذيه ) )يعني النَّبي صلى الله عليه وسلم، ولمسلم من رواية ابن عبَّاس رضي الله عنهما (( أنَّه صلى الله عليه وسلم حينئذٍ صارَ يركضُ بغلتَه إلى جهةِ الكفَّار ) ). وزاد فقال أي عبَّاس! ناد أصحابَ الشَّجرة، وكان العبَّاس رضي الله عنه صيِّتًا قال فناديتُ بأعلى صوتي أين أصحاب الشَّجرة؟ قال فوالله لكأنَّ عَطفتهم حين سمعُوا صَوتي عَطفة البقرِ على أولادها، فقالوا يا لبَّيك يا لبَّيك، قال فاقتتلوا والكفَّار، فنظر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وهو على بغلتهِ كالمتطاولِ [عليها] إلى قتالهم، فقال (( هذا حين حميَ الوطيس ) )، ثمَّ أخذَ حصيَات فرمى بهنَّ وجوه الكفَّار، ثمَّ قال (( انهزموا وربِّ الكعبة ) )قال فما زلت أرى حَدَّهم كليلًا، وأمرهم مدبرًا.

ولابن إسحاق نحوه وزاد فجعلَ الرَّجل يعطف بغيرهِ فلا يقدر، فيقذفُ درعَه، ثمَّ يأخذُ سيفه ودَرَقتَه، ثمَّ يؤم الصَّوت.

تتمة روى ابنُ أبي شيبة من مرسل الحكم بن عُتيبة، قال لما فرَّ النَّاس يوم حُنين جعلَ النَّبي صلى الله عليه وسلم يقول (( أنا النَّبي لا كذب، أنا ابنُ عبدِ المطَّلب ) )فلم يبق معه إلَّا أربعةَ نفرٍ، ثلاثة من بني هاشم ورجل من غيرهم؛ علي والعبَّاس بين يديهِ، وأبو سفيان بن الحارث آخذٌ بالعنانِ، وابن مسعود من الجانبِ الأيسر، قال وليس يُقبلُ نحوه أحدٌ إلَّا قُتل بين يديهِ.

وروى التِّرمذيُّ من حديث ابنِ عمر رضي الله عنهما بإسنادٍ حسنٍ [قال] (( لقد رأيتنا يوم حُنين وإنَّ النَّاس لمولِّين، وما معَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم مائة رجلٍ ) )، وهذا أكثر ما رويَ في ذلك من عددِ من ثبتَ يوم حُنين.

وروى أحمدُ والحاكمُ من حديث عبد الرَّحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيهِ رضي الله عنه، قال (( كنتُ مع النَّبي صلى الله عليه وسلم يوم حُنين فولَّى عنه النَّاس، وثبتَ معه ثمانون رجلًا من المهاجرين والأنصار، فكنَّا على أقدامنَا ولم نُولِّهم الدُّبر، وهم الَّذين أنزلَ الله عليهم السَّكينة ) )، وهذا

ج 18 ص 319

لا يُخالف حديث ابن عمر رضي الله عنهما فإنَّه نفى أن يكونوا مائة، وابن مسعود رضي الله عنه أثبت أنَّهم كانوا ثمانين.

وأمَّا ما ذكره النَّووي في «شرح مسلم» أنَّه ثبتَ معه اثنا عشر رجلًا، فكأنَّه أخذَه ممَّا ذكره ابنُ إسحاق في حديثهِ أنَّه ثبتَ معه العبَّاس وابنهِ الفضل وعلي وأبو سفيان بن الحارث وأخوهُ ربيعةَ وأسامة بن زيد وأخوهُ [من أمه] أيمن، ومن المهاجرين أبو بكر وعمر رضي الله عنهم فهؤلاءُ تسعة، وقد تقدَّم ذكر ابن مسعود رضي الله عنه في مرسلِ الحكم فهؤلاء عشرة.

ووقع في شعر العبَّاس بن عبد المطَّلب أنَّ الَّذين ثبتُوا كانوا عشرة، وذلك قوله

~نَصَرْنَا رَسُولَ اللَّهِ فِي الْحَرْبِ تِسْعَةً وَقَدْ فَرَّ مَنْ قَدْ فَرَّ عَنْهُ فَأَقْشَعُوا

~وَعَاشِرُنَا [1] وَافَى الْحِمَامَ بِنَفْسِهِ لِمَا مَسَّهُ فِي اللَّهِ لَا يَتَوَجَّعُ

ولعلَّ هذا هو الثَّبت، ومن زاد على ذلك يكون عجَّل في الرُّجوع، فعدَّ فيمن لم ينهزم، وممَّن ذكر الزُّبير بن بكار أنَّه ثبتَ يوم حنين أيضًا جعفر بن أبي سفيان بن الحارث، وقثم بن العبَّاس، وعتبة، ومُعتِّب ابنا أبي لهبٍ، وعبد الله بن الزُّبير بن عبد المطَّلب، ونوفل بن الحارث بن عبد المطَّلب، وعقيل بن أبي طالب، وشيبةَ بن عثمان الحَجَبي، فقد ثبتَ عنه أنَّه لما رأى النَّاس قد انهزموا استدبر النَّبي صلى الله عليه وسلم ليقتلَه فأقبلَ عليه فضربَه في صدرهِ، وقال له قاتل الكفَّار فقاتلهم حتَّى انهزموا.

قال الطَّبري الانهزامُ المنهيُّ عنه هو ما وقعَ على غيرِ نيَّة العود، وأمَّا الاستطراد للكرَّة [2] فهو كالتَّحيز إلى فئة.

ومطابقة الحديث للترجمة في قوله «أتولَّيت يوم حنين» ، وقد مَضى الحديث في الجهاد، في باب بغلةِ النَّبي صلى الله عليه وسلم البيضاء [خ¦2874] .

4316 - (حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيْدِ) هشامُ بن عبد الملك الطَّيالسي، قال (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) عَمرو السَّبيعي، أنَّه قال (قِيلَ لِلْبَرَاءِ) أي ابن عازب رضي الله عنه (وَأَنَا أَسْمَعُ أَوَلَّيْتُمْ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ حُنَيْنٍ؟ فَقَالَ أَمَّا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلاَ) أي لم يُولِّ (كَانُوا) أي هوازن (رُمَاةً) جمع رامٍ، وفيه حذفٍ تقديره كانوا رماة فرشقوهُم رشقًا فانهزموا (فَقَالَ) أي النَّبي صلى الله عليه وسلم (أَنَا النَّبِيُّ لاَ كَذِبْ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ) وهذا طريقٌ آخر في الحديث

ج 18 ص 320

المذكور.

[1] في هامش الأصل والمراد بالعاشر هو أيمن بن أم أيمن؛ فإنه قد استشهد في تلك الحالة. منه.

[2] كذا في إرشاد الساري، وفي الفتح (للكثرة) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت