فهرس الكتاب
4317 - (حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشارٍ) بالموحدة وتشديد المعجمة، قال (حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ) هو لقبُ محمد بن جعفر، قال (حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) أنَّه (سَمِعَ الْبَرَاءَ، وَسَأَلَهُ رَجُلٌ مِنْ قَيْسٍ أَفَرَرْتُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ) ويُروى (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ حُنَيْنٍ؟ فَقَالَ لَكِن رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَفِرّ) يجوز في الراء الفتح والكسر، ويجوزُ فيه فك الإدغام (كَانَتْ هَوَازِنُ رُمَاةً، وَإِنَّا) بكسر الهمزة (لَمَّا حَمَلْنَا عَلَيْهِمِ انْكَشَفُوا) أي انهزموا (فَأَكْبَبْنَا) أي وقعنا (عَلَى الْغَنَائِمِ) وهو فعلٌ لازم، يُقال كببتُه فأكبَّ، وأكبَّ الرَّجل يكبُّ على عمل يعملُه إذا لزمهُ، وجاء (( أكببنا ) )بفكِّ الإدغام لتعذُّره.
(فَاسْتُقْبِلْنَا) على البناء للمفعول (بِالسِّهَامِ، وَلَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ، وَإِنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ الْحَارِثِ آخِذٌ بِزِمَامِهَا، وَهْوَ يَقُولُ أَنَا النَّبِيُّ لاَ كَذِبْ) قد ذكر في هذه الرِّواية هذا المقدار، وفي رواية ذكر الشَّطر الثاني (( أنا ابنُ عبد المطَّلب ) )كما في الرِّواية السَّابقة، وهذا طريق آخر أيضًا، وقد مضى في الجهاد، في باب من قاد دابة غيره في الحرب [خ¦2864] .
(قَالَ إِسْرَائيْلُ وَزُهَيْرٌ نَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَغْلَتِهِ) أي إنَّ إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السَّبيعي وزهير بن معاوية الجُعفي رويا هذا الحديث عن أبي إسحاق عن البراء، فقالا في آخره (( نزلَ النَّبي صلى الله عليه وسلم عن بغلتهِ ) ).
فأمَّا رواية إسرائيل فوصلَها البخاريُّ في كتاب الجهادِ، في باب من قال خذْها وأنا ابنُ فلان [خ¦3042] ولفظه كان أبو سفيان بن الحارث آخذًا بعنانِ بغلتهِ، فلمَّا غشيه المشركون نزلَ.
وأمَّا رواية زهير فوصلَها أيضًا في باب من صفَّ أصحابه عند الهزيمة [خ¦2930] ، وركوب النَّبي صلى الله عليه وسلم البغلةَ في الحربِ يدلُّ على غاية الثَّبات، ونزولهِ أثبت من ذلك.
ولمسلم من حديث سَلَمة بن الأكوع رضي الله عنه فلمَّا غشوا النَّبي صلى الله عليه وسلم
ج 18 ص 321
نزلَ عن البغلةِ، ثمَّ قبضَ قبضةً من ترابٍ، ثمَّ استقبلَ به وجوههم، فقال (( شاهتِ الوجوهُ ) )فما خلقَ الله منهم إنسانًا إلَّا ملأَ عينيه ترابًا بتلك القبضةِ، فولَّوا مُنْهزمين.
ولأحمد وأبي داود والدَّارمي [1] من حديث أبي عبد الرَّحمن الفِهري في قصَّة حُنين قال فولَّى المسلمون مُدْبرين كما قال الله تعالى، فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم (( أيا عبادَ الله! أنا عبدُ الله ورسوله ) )، ثمَّ اقتحمَ عن فرسهِ، فأخذ كفًا من ترابٍ، قال فأخبرني الَّذي كان أدنى إليه منِّي أنَّه ضربَ به وجوهَهُم، وقال (( شاهتِ الوجوه ) )فهزمَهُم الله عزّ وجل، قال يَعلى بن عطاء رواية عن أبي همَّام عن أبي عبد الرَّحمن الفهري فحدَّثني أبناؤهُم عن آبائهم، أنَّهم قالوا لم يبق منَّا أحدٌ إلَّا امتلأتْ عيناهُ وفمه ترابًا.
ولأحمد والحاكم من حديثِ ابن مسعود رضي الله عنه ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم على بغلتهِ قُدْمًا فحادتْ به بغلتُه، فمالَ عن السَّرج، فقلتُ ارتفع رفعك الله. فقال (( ناولني كفًّا من ترابٍ ) )فضربَ به وجوهَهُم فامتلأتْ أعينهم ترابًا، وجاءَ المهاجرون والأنصار سُيوفهم بأيمانهم [2] كأنَّها الشُّهب، فولَّى المشركون الأدبار.
وللبزَّار من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّ عليًا رضي الله عنه ناولَ النَّبي صلى الله عليه وسلم الترابَ فرمى به في وجوهِ المشركين يوم حُنين.
ويُجمعُ بين هذه الأحاديث أنَّه صلى الله عليه وسلم أولًا قال لصاحبهِ (( ناولَنِي ) )فناولَه فرماهُم، ثمَّ نزلَ عن البغلةِ فأخذَ بيدِهِ فرماهُم أيضًا، فيُحتملُ أنَّ الحصى في إحدى المرَّتين، والتُّراب في الأخرى، والله تعالى أعلم.
وفي الحديث من الفوائد
حُسْن الأدبِ في الخطاب، والإرشاد إلى حُسنِ السُّؤال بحسنِ الجوابِ، وذمِّ الإعجاب. وفيه جوازُ الانتساب إلى الآباء ولو ماتوا في الجاهليَّة، والنَّهي عن ذلك محمولٌ على ما هو خارجُ الحرب، ومثله الرُّخصة في الخيلاءِ في الحرب دون غيرها.
وجوازُ التَّعرَّض إلى الهلاكِ في سبيل الله.
ولا يُقال كان النَّبي صلى الله عليه وسلم متيقِّنًا للنَّصر لوعد الله تعالى له بذلك وهو حقٌّ؛ لأنَّ أبا سفيان بن الحارث قد ثبتَ معه آخذًا بلجامِ بغلتهِ، وليس هو في اليقين مثل النَّبي صلى الله عليه وسلم، وقد استُشهدَ في تلك الحالةِ أيمن بن أمِّ أيمن،
ج 18 ص 322
كما تقدَّمت الإشارة إليه في شعر العبَّاس رضي الله عنه. وفيه ركوب البغلةِ إشارة إلى مزيدِ الثَّبات؛ لأنَّ ركوب الفُحُولة مظنَّة الاستعداد للفرارِ والتَّولي، وإذا كان رأسُ الجيش قد وطَّن نفسه على عدمِ الفرارِ وأخذَ بأسباب ذلك كان ذلك أدعى لأتِّباعه على الثَّبات. وفيه تشهيرُ الرَّئيس نفسه في الحربِ مُبالغة في الشَّجاعة، وعدمِ المبالاة بالعدوِّ.
[1] وقع في الفتح (والترمذي) ، والصواب ما هو مثبت هنا والله أعلم.
[2] في هامش الأصل في رواية صحيحة سيوفهم بأيمانهم.