فهرس الكتاب
4318 - 4319 - (حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ) بضم العين المهملة وفتح الفاء وبالراء، قال (حَدَّثَنِي لَيْثٌ) يجوز فيه الألف واللام وتركهما، قال (حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ) بضم العين، هو ابنُ خالد الأيلي (عَنِ ابْنِ شِهَابٍ) الزُّهري (ح) تحويلٌ من سند إلى آخر (وَحَدَّثَنِي إِسْحَاقُ) هو ابنُ منصور المروزي، قال (حَدثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ) أي ابن سعد ابن إبراهيم بن عبد الرَّحمن بن عوف قال (حَدثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ) هو محمدُ بن عبد الله ابن أخي ابن شهاب الزُّهري (قَالَ مُحَمدُ بْنُ شِهَابٍ) هو محمدُ بن مسلم بن شهاب الزُّهري، وقد ثبتَ «ابن مسلم» في بعض النُّسخ (وَزَعَمَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ مَرْوَانَ وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَاهُ) وقد أخرجَه موسى بن عقبة عن الزُّهري بلفظ حدَّثني عروة بن الزُّبير ... إلى آخره. وسيأتي في الأحكام [خ¦7176] ، وقد تقدَّم في أوَّل الشُّروط في قصَّة صلح الحديبية [خ¦2711] أنَّ الزُّهري رواه عن عروة عن المسور ومروان عن أصحابِ النَّبي صلى الله عليه وسلم، فدلَّ على أنَّه في بقيَّة المواضع، حيث لا يذكرُ عن أصحاب النَّبي صلى الله عليه وسلم أنَّه يُرسله، فإنَّ المِسْور يصغرُ عن إدراك القصَّة، ومروان أصغر منه.
نعم، كان المِسْورُ في قصَّة حُنين مميزًا فقد ضبطَ في ذلك الأوان قصَّة خطبة علي رضي الله عنه لابنةِ أبي جهل، والله تعالى أعلم.
ثمَّ قوله «وزعم عروة ... » إلى آخره عطفٌ على قصَّة صُلح الحديبية، قاله الحافظُ العسقلانِّي، ونظرَ فيه العينيُّ، ولم يُبيِّن وجه النَّظر.
(أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ حِينَ جَاءَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ مُسْلِمِينَ) ساق الزُّهري هذه القصَّة من هذا الوجه مختصرة، وقد ساقها موسى بن عقبة في «المغازي» مطوَّلة، ولفظه ثمَّ انصرفَ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الطَّائف في شوال إلى الجِعْرانة، وبها سَبي هوازن، وقدمت عليه وفردُ هوازن
ج 18 ص 323
مسلمين، فيهم تسعةُ نفرٍ، وقيل تسعة عشر نفرًا من أشرافهم، فأسلموا وبايعوا، ثمَّ كلَّموه، فقالوا يا رسول الله، إنَّ فيمن أصبتُم الأمَّهات والأخوات والعمَّات والخالات، وهنَّ مخازي الأقوام، فقال (( سأطلبُ لكم، وقد وقعت المقاسم فأيُّ الأمرين أحب إليكم السَّبي أم المال؟ ) )قالوا خيرتنا يا رسول الله بين الحسبِ والمال، فالحسبُ أحبُّ إلينا ولا نتكلَّم في شاةٍ ولا بعيرٍ، فقال (( أمَّا الَّذي لبني هاشم فهو لكم، وسوف أُكلِّم لكم المسلمين، فكلِّموهم وأظهرُوا إسلامكُم ) )، فلمَّا صلَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم الهاجرةَ قاموا فتكلَّم خُطباؤهم فأبلغُوا ورغبوا إلى المسلمين في ردِّ سبيهم.
ثمَّ قامَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم حين فرغُوا فشفعَ لهم وحضَّ المسلمين عليه، وقال (( قد رددتَ الَّذي لبني هاشم عليهم ) )فاستُفيدَ من هذه القصَّة عدد الوفدِ وغير ذلك ممَّا لا يخفى.
وقد أغفلَ محمد بن سعد لما ذكر الوفود وفدَ هوازن هؤلاء مع أنَّه لم يجمعْ أحد في الوفود أكثر ممَّا جمع. وممَّن سُمَّي من وفد هوازن زهير بن صُرَد كما سيأتي، وأبو مروان، ويُقال أبو ثروان _ أوَّله مثلثة بدل الميم _، وهو عمُّ النَّبي صلى الله عليه وسلم من الرَّضاعة، ذكرهُ ابن سعد، وفي رواية ابنِ إسحاق (( حدَّثني عَمرو بن شعيب عن أبيهِ عن جدِّه ) )تعيين الَّذي خطب لهم في ذلك.
ولفظه وأدركَه وفد هوازن بالجِعْرانة وقد أسلموا، فقالوا يا رسول الله، إنَّا أهلٌ وعشيرة، وقد أصابنَا من البلايا ما لم يخفْ عليك فامنُنْ علينا منَّ الله عليك، وقامَ خَطِيبهم زهيرُ بن صُرَد، فقال يا رسول الله، إنَّ اللَّواتي في الحظائرِ من السَّبايا خالاتُك وعمَّاتك وحواضنُك اللَّاتي كنَّ يكفلْنَك وأنت خير مكفول، ثمَّ أنشده الأبيات المشهورة الَّتي أولها
~امْنُنْ عَلَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ فِي كَرَمٍ فَإِنَّكَ الْمَرْءُ نَرْجُوهُ وَنَدَّخِرُ
يقول فيها
~امْنُنْ عَلَى نِسْوَةٍ قَدْ كُنْتَ تَرْضَعُهَا إِذْ فُوكَ تَمْلَؤُهُ [1] مِنْ مَحْضِهَا الدُّرَر
ثمَّ ساق القصَّة نحو سياق موسى بن عقبة، وأورده الطَّبراني شعر زهير بن صُرَد من حديثه، فزاد على ما أورده ابنُ إسحاق خمسة أبيات.
(فَسَأَلُوهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَسَبْيَهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعِي مَنْ تَرَوْنَ)
ج 18 ص 324
يعني من الصَّحابة رضي الله عنهم (وَأَحَبُّ الْحَدِيثِ إِلَيَّ أَصْدَقُهُ، فَاخْتَارُوا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ) الطَّائفة القطعة من الشَّيء، والمراد أحدُ الأمرين (إِمَّا الْمَالَ، وَإِمَّا السَّبْيَ، وَقَدْ كُنْتُ اسْتَأْنَيْتُ بِكُمْ) وفي رواية الكُشميهني أي استنظرتُ؛ أي أخَّرت قَسْم السَّبي لتحضروا، وقد أبطأتُم، وكان صلى الله عليه وسلم ترك السَّبي بغير قسمةٍ وتوجَّه إلى الطَّائف فحاصرَهَا كما سيأتي، ثمَّ رجعَ عنها إلى الجِعْرانة، ثمَّ قسمَ الغنائم هناك، فجاءَ وفدُ هوازن بعد ذلك فبيَّن لهم أنَّه أخَّر القسم ليحضروا فأبطؤوا.
(وَكَانَ) أي النَّبي صلى الله عليه وسلم، كذا قال العينيُّ، والظَّاهر أنَّ الضَّمير للشَّأن فافهم (أَنْظَرَهُمْ) أي انتظرهم (رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً) فيه بيان مدَّة التَّأخير.
(حَتَّى) ويُروى (قَفَلَ) بفتح القاف والفاء؛ أي رجعَ (مِنَ الطَّائِفِ) وذكر الواقديُّ أنَّ وفد هوازن كانوا أربعة وعشرين بيتًا، فيهم أبو بَرقان السَّعدي، فقال يا رسول الله، إنْ في هذه الحظائر إلَّا أمهاتك وخالاتُك وحواضنُك ومُرضعاتك فامننُ علينا منَّ الله عليك، فقال (( قد استأنيتُ بكم حتَّى ظننتُ أنَّكم لا تقدمون، وقد قسمتُ السَّبي ) ).
(فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرُ رَادٍّ إِلَيْهِمْ إِلَّا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، قَالُوا فَإِنَّا نَخْتَارُ سَبْيَنَا، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمُسْلِمِينَ، فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُم قَالَ أَما بَعْدُ، فَإِن إِخْوَانَكُمْ قَدْ جَاءُونَا تَائِبِينَ، وَإِني قَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُطَيِّبَ) بضم الياء وفتح الطاء المهملة وتشديد الياء الثانية (ذَلِكَ) أي يُعطيه عن طيب نفسٍ منه من غير عوضٍ (فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَظِّهِ) أي على نصيبه (حَتَّى نُعْطِيَهُ إِيَّاهُ) يعني من أحبَّ أن يردَّ السَّبي بشرط أن نُعطيه عوضه (مِنْ أَوَّلِ مَا يُفِيءُ اللَّهُ عَلَيْنَا) أي من أوَّل ما يحصلُ لنا من الفيءِ. ووقعَ في رواية موسى بن عقبة (( فمَن أحبَّ منكم أن يُعطي غير مكره فليفعلْ،
ج 18 ص 325
ومن كرهَ أن يُعطي فعليَّ فداؤهُم )) .
(فَقَالَ النَّاسُ قَدْ طَيَّبْنَا ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ) وفي رواية موسى بن عقبة (( فأعطى النَّاس ما بأيديهم إلَّا قليلًا من الناس سألوا الفداءَ ) ). وفي رواية عَمرو بن شعيب المذكورة (( فقال المهاجرون ما كان لنا فهو لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم، وقالتِ الأنصار كذلك، وقال الأقرعُ بن حَابس أمَّا أنا وبنو تميمٍ فلا، فقال عيينة أمَّا أنا وبنو فَزارة فلا، وقال العبَّاس بن مِرداس أمَّا أنا وبنو سليم فلا، فقالت بنو سليم بل ما كان لنا فهو لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم، قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من تمسَّك منكم بحقِّه فلهُ بكلِّ إنسانٍ ست فرائض من أوَّل فيء نُصيبه، فردوا إلى الناس نساءهم وأبناءهم ) ).
(فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّا لاَ نَدْرِي مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ فِي ذَلِكَ مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ، فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعَ إِلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ) جمع عريفٍ، وهو النَّقيب (أَمْرَكُمْ، فَرَجَعَ النَّاسُ، فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرُوهُ أَنهُمْ قَدْ طَيَّبُوا وَأَذِنُوا. هَذَا الَّذِي بَلَغَنِي عَنْ سَبْيِ هَوَازِن) بيّن البخاري في الهبة [خ¦2607] أنَّ الَّذي قال هذا الَّذي ... إلى آخره هو الزُّهري، قال ذلك بعد أن أخرجَ الحديث عن يحيى بن بُكير عن اللَّيث.
ومطابقته للترجمة من حيث إنَّ مجيء وفد هوازن إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم كان في إثرِ غزوة حُنين.
[1] في الأصل يتملأه، بالياء والتاء. يحرر