فهرس الكتاب
4330 - (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكي، قال (حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ) مصغَّر وهب، هو ابنُ خالد البصري، قال (حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى) وكذا في رواية أحمد عن عفَّان عن وهيب حدَّثنا عمرو بن يحيى، ويُروى عن عمرو بن يحيى، كما في رواية مسلم من طريق إسماعيل بن جعفر عن عمرو بن يحيى بن عُمارة، وهو المازني الأنصاري المدني.
(عَنْ عَبَّادِ) بفتح المهملة وتشديد الموحدة (ابْنِ تَمِيمٍ) أي ابن زيد بن عاصم الأنصاري المازني (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ) أي ابن كعب بن عَمرو الأنصاري المازني المدني، وهو عمُّ عباد بن تميم المذكور له، ولأبويهِ ولأخيه حبيب صُحبة، وهو الَّذي حكى وضوءَ رسول الله صلى الله عليه وسلم.
(قَالَ لَمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ يَوْمَ حُنَيْنٍ) أي لمَّا أعطاهُ غنائم الَّذين قاتلهم يوم حُنين. وأصلُ الفيءِ الرُّجوع، ومنه سُمِّي الظِّلُّ الَّذي وجد بعد الزَّوال فيئًا؛ لأنَّه يرجعُ من جانب إلى جانب.
وكأنَّ أموال الكفَّار سُمِّيت فيئًا؛ لأنَّها كانت في الأصل للمؤمنين، إذ الإيمان هو الأصلُ، والكفر طارئ عليه، فإذا غلب الكفَّار على شيءٍ من المال فهو بطريق التَّعدي، فإذا غنمه المسلمون منهم فكأنَّه رجع إليهم ما كان لهم.
وقد تقدَّم أنَّه صلى الله عليه وسلم أمرَ بحبس الغنائم بالجِعْرانة [خ¦4318] ، فلمَّا رجعَ من الطَّائف وصل إلى الجِعْرانة في خامس ذي القعدة. وكان السَّبب في تأخير القسمة ما جاء في حديث المِسْور رجاء أن يُسلموا، وكانوا ستَّة آلاف نفس من النِّساء والأطفال، وكانت الإبل أربعة وعشرين ألفًا، والغنم أربعين ألف شاة كما تقدَّم [خ¦4318] .
(قَسَمَ) مفعوله محذوف؛ أي الغنائم (فِي النَّاسِ) وفي رواية الزُّهري في الباب [خ¦4331] عن أنس رضي الله عنه (( يعطي رجالًا المائة من الإبل ) ).
وقوله (فِي الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ) بدل البعضِ من الكلِّ، والمراد بالمؤلَّفة قلوبهم هنا ناسٌ من قريش حديثوا العهدِ بالإسلام أسلموا يوم الفتح إسلامًا ضعيفًا، وقيل كان فيهم من لم يُسلم بعد كصفوان بن أمية.
وقد اختُلف في المراد بالمؤلَّفة قلوبهم الَّذين هم أحد المستحقين للزكاة، فقيل كفَّار
ج 18 ص 356
يُعطون ترغيبًا في الإسلام، وقيل مسلمون لهم أتباع كفَّار ليتألَّفوهم، وقيل مسلمون أوَّل ما دخلوا في الإسلام ليتمكن الإسلام في قلوبهم.
وأمَّا المراد بالمؤلَّفة هاهنا فهذا الأخير لقوله في رواية الزُّهري في الباب [خ¦4331] (( فإني أُعطي رجال حديثي عهدٍ بكفرٍ أتألفهم ) ). ووقع في حديث أنس رضي الله عنه الآتي في باب [خ¦4333] قسم الغنائم في قريش، والمراد بهم من فُتحت مكة وهم فيها. وفي رواية له [خ¦4333] (( فأعطى الطُّلقاء والمهاجرين ) ).
والمراد بالطُّلقاء هو جمع طليق من حصلَ من النَّبي صلى الله عليه وسلم المنُّ عليه يوم فتح مكة من قريشٍ وأتباعهم، والمراد بالمهاجرين من أسلم قبل فتح مكة وهاجر إلى المدينة.
وقد سردَ أصحاب السِّير أسماء تلك المؤلفة ما ينيف على الأربعين، فقد سرد أبو الفضل بن طاهر في «المبهمات» له [أسماء المؤلفة] حيث قال وهم [س] أبو سفيان بن حرب، وسُهيل بن عمرو، وحُويطب بن عبد العزى، [س] وحكيم بن حزام، وأبو السَّنابل بن بعكك [1] ، وصفوان بن أمية، وعبد الرَّحمن بن يربوع، هؤلاء من قريش.
وعُيينة بن حصن الفَزاري، والأقرع بن حابس التَّميمي، وعَمرو بن الأهتم في الفتح الأيهم التَّميمي، [س] وعبَّاس بن مرداس السُّلمي، [س] ومالك بن عوف النَّصري، والعلاء بن حارثة الثَّقفي، وفي ذكر الأخيرين نظر. وقيل إنَّهما جاءا طائعين من الطَّائف إلى الجِعْرانة.
وذكر الواقدي في المؤلَّفة [س] معاوية، ويزيد ابني أبي سفيان، وأُسيد بن حارثة، ومخرمة بن نوفل، [س] وسعيد بن يَربوع، [س] وقيس بن عدِي، [س] وعُمير بن وهب، [س] وهشام بن عَمرو.
وذكر ابنُ إسحاق [من ذكرتُ عليه علامة سين وزاد] من مخرمة بن نوفل إلى هشام بن عَمرو [2] ، وزاد النَّضر بن الحارث، والحارث بن هشام، وجُبير بن مطعم.
وممَّن ذكره أبو عمر فيهم سفيان بن عبد الأسد، والسَّائب بن أبي السَّائب، ومُطيع بن الأسود، وأبو جَهم بن حذيفة.
وذكر ابنُ الجوزي
ج 18 ص 357
فيهم زيد الخيل، وعلقمة بن عُلاثة، وحَكيم بن طليق بن سفيان بن أمية، وخالد بن قيس السَّهمي، وعُمير بن مرداس.
وذكر غيرهم فيهم قيس بن مخرمة، وأُحَيحة بن أمية بن خلف، وابن أبي شُريق، وحَرملة بن هوذة، وخالد بن هوذة، وعكرمة بن عامر العَبدري، وشيبة بن عثمان، وعَمرو [3] بن ودقة، ولبيد بن ربيعة، والمغيرة بن الحارث، وهشام بن الوليد المخزومي، فهؤلاء زيادة على أربعين نَفْسًا.
(وَلَمْ يُعْطِ الأَنْصَارَ شَيْئًا) هذا ظاهرٌ في أنَّ العطيَّة المذكورة كانت من جميع الغنيمة، وقال القرطبي في «المفهم» الأحرى [4] على أصول الشَّريعة أنَّ العطاء المذكور كان من الخُمُس، ومنه كان أكثر عَطاياه صلى الله عليه وسلم. وقد قالَ في هذه الغزوة للأعرابي «ما لي ممَّا أفاء الله عليكم إلَّا الخُمُس، والخُمُس مردودٌ فيكم» ، أخرجه أبو داود والنَّسائي من حديث عبد الله بن عَمرو، وعلى الأوَّل فيكون ذلك مخصوصًا بهذه الواقعة.
وقد ذكر السَّبب في ذلك في رواية قتادة عن أنس رضي الله عنه في الباب [خ¦4334] حيث قال «إنَّ قريشًا حديث عهد بجاهلية ومُصيبة، وإني أردتُ أن أَجْبُرهم وأتألَّفهم» .
قال الحافظُ العسقلاني الأوَّل هو المعتمدُ، وسيأتي ما يُؤكِّده، والَّذي رجَّحه القرطبي جزمَ به الواقدي، ولكنَّه ليس بحجَّة إذا انفرد فكيف إذا خالفَ، وقيل إنما كان تصرَّف في الغنيمة؛ لأنَّ الأنصار كانوا انهزموا فلم يرجعوا حتَّى وقعت الهزيمةُ على الكفَّار، فردَّ الله تعالى أمر الغنيمة لنبيِّه صلى الله عليه وسلم.
وهذا معنى القول السَّابق بأنَّه خاصٌّ بهذه الواقعة، واختار أبو عبيد أنَّه كان من الخُمُس. وقال ابنُ القيم اقتضتْ حكمة الله تعالى أنّ فتحَ مكة كان سببًا لدخولِ [كثير من] قبائل العرب في الإسلام، وكانوا يقولون دعوه وقومه فإن غلبهم دخلنَا في دينهِ، وإن غلبوهُ كفونا أمره، فلمَّا فتح الله عليه استمرَّ بعضهم على ضلالة فجمعوا له وتأهَّبوا لحربه.
وكان من الحكمةِ في ذلك أن يظهرَ أن الله نصرَ رسوله ليس بكثرةِ من دخل في دينه من القبائل، ولا بانكفاف قومه عن قتالهِ، ثمَّ لما قدَّر الله عليه من غلبته إيَّاهم قدَّر وقوعَ هزيمة المسلمين
ج 18 ص 358
مع كثرة عددهم وقوة عُددهم ليتبيَّن أنَّ النَّصر الحق إنما هو من عندهِ لا بقوتهم.
ولو قدّر أن يغلبوا الكفَّار ابتداء لرجعَ من رجع منهم شامخَ الرأس مُتعاظمًا فقدّر هزيمتَهم، ثمَّ أعقبهُم النَّصر ليدخلوا مكَّة كما دخلها صلى الله عليه وسلم يوم الفتح متواضعًا متخشعًا.
واقتضت حكمته أيضًا أنَّ غنائم الكفَّار لما حُصِّلت ثمَّ قُسمت على من لم يتمكَّن الإيمان من قلبه لِمَا بقيَ فيه من الطَّبع البشري في محبَّة المال، فقسمه فيهم لتطمئنَ قلوبهم، وتجتمع على محبَّته؛ لأنَّها جُبلت على حبِّ من أحسنَ إليها، ومنع أهل الجهاد من أكابرِ المهاجرين ورؤساء الأنصار مع ظهورِ استحقاقهم لجميعها؛ لأنَّه لو قسم ذلك فيهم لكان مقصورًا عليهم، بخلاف القسمة على المؤلَّفة؛ لأنَّ فيه استجلاب قلوب أتباعهم الَّذين كانوا يرضون إذا رضيَ رئيسهم.
فلمَّا كان ذلك العطاء سببًا لدخولهم في الإسلام ولتقويةِ قلب من دخل فيه تبعَهم من دونهم في الدُّخول، فكان في ذلك عظيم مصلحة، ولذلك لم يقسم فيهم من أموال أهل مكَّة عند فتحها قليلًا ولا كثيرًا مع احتياج الجيوش إلى المال الَّذي يُعينهم على ما هُم فيه، فحرَّك الله سبحانه قلوبَ المشركين لغزوهم فرأى كثيرهم أن يخرجوا معهم بأموالهم ونسائهم وأبنائهم فكانوا غنيمةً للمسلمين.
ولو لم يقذفِ الله في قلبِ رئيسهم أنَّ سوقهم معه هو الصَّواب لكان الرَّأي ما أشارَ به دُرَيد فخالفَه، فكان ذلك سببًا لتصيرهم غنيمةً للمسلمين.
ثمَّ اقتضت الحكمةُ أن يقسمَ تلك الغنائم في المؤلفة ويُوكل من قلبهِ ممتلئ بالإيمان إلى إيمانه، ثمَّ كان من تمام التَّأليف ردّ من سُبي منهم إليهم فانشرحتْ صُدورهم للإسلام فدخلوا طائعين راغبين، وجبر ذلك قلوب أهل مكة ممَّا نالهم من النَّصر والغنيمة عمَّا حصل لهم من الكسر والرعب وصرف عنهم شرَّ من كان يُجاورهم من أشداء العرب من هوازن وثقيف بما أوقعَ الله بهم من الكسر، وبما قيَّض لهم من الدُّخول في الإسلام، ولولا ذلك ما كان أهل مكَّة يُطيقون مُقاومة تلك القبائل مع شدَّتها وكثرتها.
وأمَّا قصَّة الأنصار وقول من قال منهم
ج 18 ص 359
فقد اعتذرَ رؤساؤهم بأنَّ ذلك كان من بعضِ أتباعهم، فلمَّا شرح صلى الله عليه وسلم لهم ما خفيَ عليهم من الحكمة فيما صنع رجعوا مُذعنين، ورأوا أن الغنيمة العُظمى ما حصلَ لهم من عود رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بلادهم فسلوا عن الشَّاة والبعير والسَّبايا من الأنثى والصَّغير بما حازوهُ من الفوز العظيم بمجاورة النَّبي الكريم لهم حيًا وميتًا، وهذا دأبَ الحكيم يُعطي كلَّ أحدٍ ما يناسبه، انتهى ملخصًا.
(فَكَأَنَّهُمْ وَجَدُوا) أي حزنوا، يُقال وَجَد وَجدًا _ بفتح الواو _ في الحزن، ووُجْدًا _ بضم الواو _ في المال، ووِجْدًا _ بالكسر _ وجِدَة؛ أي استغنى ووَجَد مَطلوبه ووَجَد ضالَّته وِجْدانًا، ووَجَد عليه في الغضب مَوْجِدة ووجدانًا أيضًا، حكاها بعضُهم.
(إِذْ لَمْ يُصِبْهُمْ مَا أَصَابَ النَّاسَ) وفي رواية أبي ذرٍّ .
أوردَه على الشَّك هل قال وُجُد _ بضمتين _، ويُروى بضم الواو وسكون الجيم، جمع واجد، أو وجدوا على أنَّه فعل ماضٍ، ووقع له عن الكُشميهني وحدَه في الموضعين، فصار تكرارًا بغير فائدة.
قال الحافظُ العسقلاني وكذا رأيته في أصلِ النَّسفي، ووقع في رواية مسلم كذلك، وقال القاضي عياض وقع في نسخة في الثاني (( أَن لم يُصبْهم ) )يعني بفتح الهمزة وبالنون. قال وعلى هذا يظهرُ فائدة التِّكرار، وجوّز الكرمانيُّ أن يكون الأوَّل من الغضب، والثاني من الحزن. وفي «مغازي» سليمان التَّيمي أنَّ سبب حزنهم أنَّهم خافوا أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد الإقامةَ بمكة. والأصحُّ ما في «الصَّحيح» حيث قال «إذ لم يُصبْهم ما أصابَ النَّاس» على أنَّه لا يمتنعُ الجمع وهو أولى. ووقع في رواية الزُّهري عن أنس رضي الله عنه في الباب [خ¦4331] فقالوا «يغفرُ الله لرسوله يُعطي قريشًا وتركنا، وسيوفنا تقطرُ من دمائهم» . وفي رواية هشام بن زيد عن أنس رضي الله عنه آخر الباب [خ¦4337] «إذا كانت شديدةً، فنحن نُدعى وتُعطى الغنيمة غيرنا» ، وهذا ظاهرٌ في أنَّ العطاء كان من صُلب الغنيمة؛ بخلاف ما رجَّحه القرطبي. وروى أحمدُ عن أبي سعيد رضي الله عنه قال قال رجلٌ من الأنصار لأصحابهِ لقد كنتُ أُحدِّثكم أن لو استقامتِ الأمور لقد آثر عليكم. قال فردُّوا عليه ردًّا عنيفًا، فبلغ ذلك النَّبي صلى الله عليه وسلم الحديث.
(فَخَطَبَهُمْ) زاد مسلم من طريق إسماعيل بن جعفر عن عَمرو بن يحيى «فحمدَ الله وأثنى عليه» ، وسيأتي في الباب [خ¦4331] من رواية الزُّهري «فحُدِّث رسول الله صلى الله عليه وسلم
ج 18 ص 360
بمقالتهم، فأرسل إلى الأنصار فجمعهم في قبَّة من أدم، فلم يَدْعُ معهم غيرهم، فلمَّا اجتمعوا قام فقال (( ما حديثٌ بلغني عنكم؟ ) )فقال فقهاء الأنصار أمَّا رؤساؤنا فلم يقولوا شيئًا، وأمَّا ناس منَّا حَدِيثةٌ أسنانهم فقالوا». وفي رواية هشام بن زيد [خ¦4337] (( فجمعَهم في قُبَّة فقال يا معشرَ الأنصار، ما حديثٌ بلغني؟ فسكتوا. ويُحمل على أن بعضَهم سكت وبعضهم أجاب. وفي رواية أبي التَّيِّاح عن أنس رضي الله عنه عند الإسماعيلي فجمعهم فقال ما الَّذي بلغني عنكم؟ قالوا هو الَّذي بلغك، وكانوا لا يكذبون ) )، ولأحمد من طريق ثابت عن أنس رضي الله عنه «أنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم أَعطى أبا سفيان وعُيينة والأقرع وسهيل بن عَمرو في آخرين يوم حنين، فقالت الأنصار سُيوفنا تقطرُ من دمائهِم وهم يذهبونَ بالمغنم» ، فذكر الحديث، وفيه «ثمَّ قال أقلتم كذا وكذا؟ قالوا نعم» . وإسناده على شرط مسلم.
وذكر ابنُ إسحاق عن أبي سعيد الخدريِّ رضي الله عنه أن الَّذي أخبر النَّبي صلى الله عليه وسلم بمقالتهم سعد بن عبادة، ولفظه لما أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أعطى من تلك العطايا في قريش وفي قبائل العرب، ولم يكن في الأنصار منها شيء، وجدَ هذا الحي من الأنصار في أنفسهم حتَّى كثرتْ منهم القالة، فدخلَ عليه سعدُ بن عبادة، فذكر له ذلك فقال له فأين أنت من ذلك يا سعدُ؟ قال ما أنا إلَّا من قومي، قال (( فاجمعْ لي قومك ) )فخرجَ فجمعهم، الحديث.
وأخرجه أحمدُ من هذا الوجه، وهذا يُعكِّر على الرِّواية الَّتي فيها «أمَّا رؤساؤنا فلم يقولوا شيئًا» ؛ لأنَّ سعد بن عبادة من رؤساء الأنصار بلا ريبٍ إلَّا أن يُحملَ على الأغلب الأكثر، وأنَّ الَّذي خاطبه بذلك سعد بن عبادة ولم يُرد إدخال نفسهِ في النَّفي، أو أنَّه لم يقل ذلك لفظًا، وإن كان رضيَّ بالقول المذكور فقال ما أنا إلَّا من قومِي، وهذا أوجه، والله تعالى أعلم.
(فَقَالَ يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلاَّلًا) بالضم والتشديد، جمع ضالٍّ، والمراد هنا
ج 18 ص 361
ضلالةُ الشِّرك، وبالهداية الإيمان (فَهَدَاكُمُ اللَّهُ بِي، وَكُنْتُمْ مُتَفَرِّقِينَ فَأَلَّفَكُمُ اللَّهُ بِي) وقد رتَّب صلى الله عليه وسلم ما منَّ الله عليهم به على يدِهِ من النِّعم ترتيبًا بليغًا، فبدأَ بنعمةِ الإيمان الَّتي لا يُوازيها شيءٌ من أمر الدنيا، وثنَّى بنعمةِ الألفة، وهي أعظمُ من نعمةِ المال؛ لأنَّ الأموال تبذلُ لتحصيلها و [قد] لا تحصل، وقد كانت الأنصار قبل الهجرة في غاية التَّنافر والتَّقاطع لما وقعَ بينهم من حرب بُعَاث وغيرها ممَّا تقدَّم في أوَّل الهجرة [خ¦3930] ، فزالَ كله بالإسلام، كما قال الله تعالى {لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} [الأنفال 63] .
(وَعَالَةً) بالمهملة، جمع عائل، وهو الفقيرُ، والعيلةُ الفقر؛ أي فقراء لا مال لهم (فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ بِي، كُلَّمَا قَالَ شَيْئًا) أي كلَّما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك (قَالُوا) أي الأنصار (اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ) بفتح الهمزة والميم وتشديد النون، أفعل التَّفضيل من المنِّ، ويوضِّحه حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، فقالوا ماذا نُجيبُك يا رسول الله؟ لله ولرسوله المنُّ والفضلُ.
(قَالَ مَا يَمْنَعُكُمْ) ويُروى بالفاء (أَنْ تُجِيبُوا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ كُلَّمَا قَالَ شَيْئًا قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ) هذا تكرير من الرَّاوي للأول، وقيل [5] كلمة «قالوا» في المرَّة الثانية على طريقةِ الالتفات.
(قَالَ) أي رسول الله صلى الله عليه وسلم (لَوْ شِئْتُمْ قُلْتُمْ) ويُروى (جِئْتَنَا كَذَا وَكَذَا) بتاء الخطاب، وفي رواية إسماعيل بن جعفر (( لو شئتُم أن تقولوا جئتنَا كذا وكذا، وكان من الأمر كذا وكذا ) ). وقوله «كذا وكذا» كناية، زعم عَمرو بن يحيى المازني راوي الحديث أنَّه لا يحفظُها، وفي هذا ردٌّ على من قال إنَّ الرَّاوي كنّى عن ذلك عمدًا على طريق التَّأدب.
وقد جوَّز بعضهم أن يكون المراد جئتنَا ونحن على ضلالةٍ، فهُدينا بك وما أشبه ذلك، وفيه بُعدٌ فقد فُسِّر ذلك في حديث أبي سعيد رضي الله عنه، ولفظه فقال أما والله لو شئتُم لقلتُم فصَدَقتُم وصُدِّقتُم، أتيتنا مُكذَّبًا فصَدَّقناك، ومخذُولًا فنصرنَاك، وطَرِيدًا فآويناكَ، وعَائلًا فواسيناكَ.
وروى أحمد من حديث ابن أبي عدِي عن حُميد
ج 18 ص 362
عن أنس رضي الله عنه بلفظ (( أفلا تقولون جئتنَا خائفًا فآمنَّاك، وطَرِيدًا فآوينَاكَ، ومخذولًا فنصرنَاكَ ) )قالوا بل المنُّ علينا لله ولرسولِهِ. وإسناده صحيحٌ، ونحوه في «مغازي» أبي الأسود، عن عروة مرسلًا، وابن عائذ من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما موصولًا. وفي «مغازي» سليمان التَّيمي أنَّهم قالوا في جواب ذلك رضينا عن اللهِ ورسوله.
وإنَّما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك تواضعًا منه وإنصافًا، وإلَّا ففي الحقيقةِ الحجَّة البالغة والمنَّة الظَّاهرة في جميعِ ذلك له عليهم، فإنَّه لولا هجرته إليهم وسكناهُ عندهم لما كان بينهم وبين غيرهم فرق، وقد نبَّه صلى الله عليه وسلم على ذلك بقوله (أَتَرْضَوْنَ) ويُروى إلى آخره فنبَّههم على ما غفلوا عنه من عظيم ما اختُصُّوا به منه بالنِّسبة إلى ما حصلَ عليه غيرهم من عرض الدُّنيا الفانية.
(أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ) اسم جنس فيهما، فالشَّاة يقعُ على الذَّكر والأنثى، وكذا البعير على الجملِ والنَّاقة، وفي رواية الزُّهري [خ¦4331] (( أن يذهبَ النَّاس بالأموالِ ) )، وفي رواية أبي التَّيِّاح بعدها [خ¦4332] (( بالدنيا ) )، وكذا في رواية قتادة (وَتَذْهَبُونَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى رِحَالِكُمْ) بالمهملة؛ أي بيوتكم ومنازلكم، وفي رواية قتادة [خ¦4334] (( إلى بيوتكُم ) ). وزاد في رواية الزُّهري عن أنس رضي الله عنه [خ¦4331] (( فوالله لما تنقلبون به خيرٌ ممَّا ينقلبون به ) )، وزاد فيه أيضًا (( قالوا يا رسول الله، قد رضينا ) )، وفي رواية قتادة [خ¦4334] (( قالوا بلى ) ).
وذكر الواقدي أنَّه حينئذٍ دعاهم ليكتبَ لهم بالبحرين تكون لهم خاصَّة بعده دون النَّاس، وهي يومئذٍ أفضلُ ما فُتح عليه من الأرض، فأبوا وقالوا لا حاجة لنا بالدُّنيا.
(لَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الأَنْصَارِ) أي لولا وجود الهجرة، قال الخطَّابي أراد بهذا الكلام تألُّف الأنصار وتطييبَ قلوبهم والثَّناء عليهم في دينهم حتَّى رضيَ أن يكون واحدًا منهم لولا ما يمنعه من الهجرة الَّتي لا يجوزُ تبديلها، ونسبة الإنسان [تقع] على وجوهٍ منها الولادة كالقرشيَّة والبِلاديَّة كالكوفيَّة والاعتقاديَّة كالسُّنِّيَّة والصِّنَاعيَّة كالصَّيْرَفية، ولا شكَّ أنَّه صلى الله عليه وسلم
ج 18 ص 363
لم يُرد به الانتقال عن نسب آبائه؛ لأنَّه يمتنع قطعًا، وكيف وأنَّه أفضل منهم نسبًا وأكرمهم أصلًا.
وأمَّا الاعتقادي فلا معنى للانتقالِ منه إذ كان دينه ودينهم واحدًا، فلم يبق إلَّا القسمان الأخيران الجائز فيهما الانتقال، وكانت المدينة دارَ الأنصار والهجرة إليها أمرًا واجبًا؛ أي لولا أنَّ النسبة الهجريَّة لا يسعني تركها لانتقلتُ عنها، وانتسبتُ إليكم وإلى داركم.
قال الخطَّابي وفيه وجهٌ آخر وهو أنَّ العرب كانت تُعظِّم شأن الخؤولة وتكاد تلحقها بالعمومة، وكان أمُّ عبد المطلب امرأة من بني النَّجَّار، فقد يمكن أن يكون صلى الله عليه وسلم ذهبَ هذا المذهب، وأراد أن ينتسبَ إليهم بهذه الولادة لولا مانع الهجرة.
وقال ابنُ الجوزي لم يُرد صلى الله عليه وسلم تغييرَ نسبهِ ولا محوَ هجرته، وإنما أرادَ أنَّه لولا ما سبق من كونه هاجرَ لانتسب إلى المدينة وإلى نصرةِ الدين، فالتَّقدير لولا أنَّ النِّسبة إلى الهجرة نسبة دينية لا يسعُ تركها لانتسبت إلى داركم.
وقال القرطبي معناه لتسمَّيت باسمكُم، وانتسبتُ إليكم كما كانوا يتناسبون بالحلفِ، لكن خصوصيَّة الهجرة وترتيبها سبقت فمنعت من ذلك، وهي أعلى وأشرفُ فلا تتبدَّل بغيرها، وقيل معناه لكنتُ من الأنصار في الأحكام والعداد، وقيل التَّقدير لولا أنَّ ثواب الهجرة أعظم لاخترتُ أن يكون ثوابي ثواب الأنصار، ولم يُردْ ظاهر النَّسب أصلًا، وقيل لولا البراءُ من شروط الهجرةِ ومنها ترك الإقامة بمكة فوق ثلاث لاخترتُ أن أكون من الأنصار فيُباح لي ذلك.
(وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا) هو المكان المنخفضُ، وقيل الَّذي فيه ماء، والمراد هاهنا بلدهم (أو شِعْبًا) ويُروى بالواو (لَسَلَكْتُ وَادِيَ الأَنْصَارِ وَشِعْبَهَا) والشِّعْب _ بكسر الشين المعجمة _ اسم لما انفرجَ بين جبلين، وقيل الطَّريق في الجبل، وأرادَ صلى الله عليه وسلم بهذا وبما بعدَه التَّنبيه على جزيلِ ما حصل لهم من ثواب النُّصرة والقناعة بالله ورسولهِ عن الدُّنيا، ومَن هذا وصفُه فحقُّه أن يُسلكَ طريقه ويُتَّبع حاله.
وقال الخطَّابي لما كانت العادةُ أنَّ المرء [يكون] في نزولهِ وارتحالهِ مع قومهِ وأرض الحجاز كثيرة الأودية
ج 18 ص 364
والشِّعاب، فإذا تفرَّقت في السَّفر الطُّرق سلك كلُّ قوم منهم واديًا وشعبًا، فأرادَ أنَّه مع الأنصار. قال ويُحتمل أن يُريد بالوادِي المذهب، كما يُقال فلان في وادٍ، وأنا في وادٍ.
(الأَنْصَارُ شِعَارٌ) بكسر الشين المعجمة بعدها مهملة خفيفة، وهو الثَّوب الَّذي يلي الجلد من الجسد (وَالنَّاسُ دِثَارٌ) بكسر المهملة وبمثلثة بعدها خفيفة، وهو الثَّوب الَّذي فوق الشِّعار، وهي استعارةُ لطيفة لفرط قربهم منه، وأرادَ أنَّهم بطانته وخاصَّته، وأنَّهم ألصق به، وأقربُ إليه من غيرهم.
وزادَ في حديث أبي سعيد رضي الله عنه «اللَّهمَّ ارحمْ الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار، قال فبكى القومُ حتَّى أخْضَلُوا لحاهم، وقالوا رضينا يا رسولَ الله قسمًا وحظًا» .
(إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أُثْرَةً) بضم الهمزة وسكون المثلثة، وبفتحتين، ويجوز كسر أوله مع الإسكان، وهو اسم من آثر يُؤثر إيثارًا إذا أعطى. قال ابنُ الأثير أراد أنَّه يُؤثر عليكم فيُفضل غيركُم من نصيبهِ من الفيءِ. وقيل هو الانفرادُ بالشيء المشترك دون من يشاركه فيه في الاستحقاق. وقيل المراد بالأثرة الشِّدة، ويردُّه سياق الحديث وسببه، وفي رواية الزُّهري [خ¦4331] (( أثرة شديدة ) ).
(فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي) ويُروى (عَلَى الْحَوْضِ) أي يوم القيامة، وفي رواية الزُّهري [خ¦4331] (( حتَّى تلقوا الله ورسوله فإني على الحوض ) )؛ أي اصبروا حتَّى تموتوا، فإنَّكم ستجدوني على الحوض، فيحصل لكم الانتصاف ممَّن ظَلمكم، والثَّواب الجزيل على الصَّبر.
وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدَّم إقامة الحجة على الخصم، وإفحامهِ بالحقِّ عند الحاجة إليه، وحُسن أدب الأنصار في تركهم المماراةَ والمبالغة في الحياء، وبيان أنَّ الَّذي نُقل عنهم إنما كان عن شبَّانهم لا عن شيوخهم وكهولهم. وفيه مناقب عظيمة لهم لما اشتمل عليه من ثناء الرَّسول صلى الله عليه وسلم عليهم، وأنَّ الكبير يُنبِّه الصَّغير على ما يغفلُ عنه، ويُوضح له وجه الشُّبهة ليرجع إلى الحقِّ. وفيه المعاتبة واستعطافُ المعاتب، وإعتابُه عن عتبهِ بإقامة حجَّة من عتب عليه، والاعتذارِ والاعتراف.
ج 18 ص 365
وفيه عَلَمٌ من أعلام النُّبوة لقوله (( ستلقون بعدِي أثرةً ) )، فكان كما قال، وقد قال الزُّهري في روايته عن أنس رضي الله عنه في آخر الحديث [خ¦4331] قال أنس فلم يصبروا. وفيه أنَّ للإمام تفضيلَ بعض الناس على بعض في مصارف الفيء، وأنَّ له أن يعطيَ الغني منه للمصلحة، وأنَّ من طلب حقَّه من الدنيا لا عتبَ عليه في ذلك، ومشروعيَّة الخطبة عند الأمر الذي يحدث سواء كان خاصًا أم عامًا. وفيه جوازُ تخصيص بعض المخاطَبين في الخطبة. وفيه تسلية من فاته شيءٌ من الدُّنيا بما حصل له من ثواب الآخرة، والحضّ على طلب الهدايةِ والألفة والغنى، وأنَّ المنَّة لله ولرسوله على الإطلاق، وتقديم جانب الآخرة على الدُّنيا، والصَّبر عمَّا فات منها ليدخر ذلك لصاحبه في الآخرة، والآخرةُ خيرٌ وأبقى.
ومطابقة الحديث للترجمة في قوله «يوم حُنين» . وقد أخرج البخاريُّ بعض هذا الحديث في التَّمني [خ¦7245] ، وأخرجه مسلم في الزكاة.
[1] في الأصل أبو السنابك بن لعلك، والصواب ما أثبتناه كما في (( الفتح ) ).
[2] عبارة المؤلف موهمة ومختصرة وأما عبارة ابن حجر فهي [وذكر ابن اسحاق من ذكرتُ عليه علامة س وزاد النضر ... ] .
[3] كذا في الفتح، ولعل الصواب (عمير) .
[4] في المفهم (الأجرى) ، وفي الفتح (الإجراء) .
[5] في هامش الأصل كرماني.