فهرس الكتاب

الصفحة 661 من 11127

397 - (حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ) هو ابن مسرهد (قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى) القطَّان (عَنْ سَيْفٍ) بفتح السين المهملة وسكون الياء التحتانية وفي آخره فاء، هو ابن سليمان، أو ابن أبي سليمان المخزومي المكي، ثَبْتُ، صدوق، مات سنة إحدى وخمسين ومائة.

(قَالَ سَمِعْتُ

ج 3 ص 156

مُجَاهِدًا) هو الإمام المفسر المشهور (قَالَ أُتِيَ) على صيغة البناء للمفعول (ابْنُ عُمَرَ) أي ابن الخطاب رضي الله عنهما (فَقِيلَ لَهُ) قال الحافظ العسقلاني لم أقف على اسم القائل له (هَذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ الْكَعْبَةَ؟) هذا الكلام على سبيل الاستفسار (فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ) رضي الله عنه مجيبًا له

(فَأَقْبَلْتُ وَالنَّبِيُّ) أي والحال أن النبي (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ خَرَجَ) من الكعبة (وَأَجِدُ) على صيغة المتكلم وحده من المضارع، وكان المناسب أن يقول ووجدت، بعد قوله فأقبلت، لكنه عدل عن الماضي إلى المضارع، حكاية للحال الماضية، واستحضارًا لتلك الصورة.

(بِلاَلًا) رضي الله عنه حال كونه (قَائِمًا بَيْنَ الْبَابَيْنِ) قال الكرماني أي مصراعي الباب؛ إذ الكعبة لم يكن لها حينئذٍ إلَّا باب واحد، وأطلق ذلك باعتبار ما كان من البابين لها في زمن إبراهيم عليه الصلاة والسلام، أو أنه كان في زمن رواية الراوي لها بابان؛ لأنَّ ابن الزبير رضي الله عنهما جعل لها بابين.

هذا وعلى التقدير الأخيرين يكون بلال رضي الله عنه في وسط الكعبة، وفي رواية الحمويي بالنون والسين المهملة بَدَ [لَ] .

(فَسَأَلْتُ بِلاَلًا) رضي الله عنه (فَقُلْتُ أَصَلَّى) بهمزة الاستفهام، وفي رواية بحذفها، والمعنى على الاستفهام أيضًا (النَّبِيُّ) وفي رواية (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْكَعْبَة؟ فَقَالَ) بلال (نَعَمْ) صلى (رَكْعَتَيْنِ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ) تثنية سارية، وهي الأسطوانة.

(اللَّتَيْنِ عَلَى يَسَارِهِ) أي يسار الداخل، بقرينة «إذا دخلت» ، فعلى هذا يكون فيه التفاتٌ من الغيبة إلى الخطاب، وفي بعض النسخ بالكاف، وهي أنسب بقوله (إِذَا دَخَلْتَ) ، أو الضمير راجع إلى البيت.

(ثُمَّ خَرَجَ) من الكعبة (فَصَلَّى فِي وَجْهِ الْكَعْبَةِ) أي في مواجهة باب الكعبة، وهو مقام إبراهيم عليه السلام، أو المعنى في جهة الكعبة، فيكون أعم من جهة الباب، والأول هو المطابق للترجمة.

ومن فوائد هذا الحديث جواز الدخول في البيت.

وفي (( المغني ) )والمستحب لمن حج أن يدخل البيت، ويصلي فيه ركعتين، كما فعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولا يدخل البيت بنعله ولا خفيه، ولا الحِجْرَ أيضًا؛ لأنَّ الحِجْر من البيت.

ومنها أنَّ المستحبَ من الصلاة فيه ركعتان؛ فإنَّ بلالًا رضي الله عنه أخبر في هذا الحديث، أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلى فيه ركعتين.

وقال النووي أجمع أهل الحديث على الأخذ برواية بلال؛ لأنَّه مثبت، ومعه زيادة علم، فوجب ترجيحه،

ج 3 ص 157

وأمَّا نفيُ مَنْ نفى كأسامة، فسببه أنَّهم لما دخلوا الكعبة، أغلقوا الباب، واشتغلوا بالدعاء، فرأى أسامة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يدعو، فاشتغل هو أيضًا بالدعاء في ناحية من نواحي البيت، والرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في ناحية أخرى، وبلال قريب منه، ثم صلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فرآه بلال لقربه، ولم يره أسامة لبعده، مع خفة الصلاة، وإغلاق الباب، واشتغاله بالدعاء، وجاز له نفيها عملًا بظنه.

وقال بعض العلماء يحتمل أنَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دخل البيت مرتين، فمرة صلى فيه، ومرة دعا ولم يصلِّ، فلا منافاة بين الأخبار.

وقال محمود العيني روى الدارقطني من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال دخل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ البيت، فصلى بين الساريتين ركعتين، ثم خرج فصلى بين الباب والحجر ركعتين، ثم قال (( هذه القبلة ) )، ثم دخل مرة أخرى، فقام فيه يدعو، ثم خرج، ولم يصلِّ.

فإن قيل روى الطبراني من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال ما أُحب أن أصليَ في الكعبة، مَنْ صلَّى فيها، فقد ترك شيئًا خلفه، ولكن حدثني أخي أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين دخلها خرَّ بين العمودين ساجدًا، ثم قعد، فدعا، ولم يصلِّ.

فالجواب أن هذين نفيٌ وإثباتٌ في روايتين، ورواية الإثبات مقدَّمة كما ذكر، وكيف وقد صرح بلال في الحديث المذكور بقوله نعم ركعتين.

ثم إنَّه استشكل الإسماعيلي وغيره هذا، مع أنَّ المشهور عن ابن عمر، من طريق نافع وغيره عنه، أنَّه قال ونسيت أن أسأله، كم صلى؟ فدل على أنَّه أخبره بالكيفية، وهي تعيين الموقف في الكعبة، ولم يخبره بالكميَّة، ونسي هو أن يسأله عنها.

والجواب عن ذلك أن يقال يحتمل أنَّ ابن عمر اعتمد في قوله في هذه الرواية «ركعتين» ، على القدر المتحقق له؛ وذلك أنَّ بلالًا أثبت له أنَّه صلى، ولم ينقل أنَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تنفَّل في النهار بأقل من ركعتين، فكانت الركعتان متحققًا وقوعهما، لِمَا عرف بالاستقراء من عادته، فعلى هذا فقوله «ركعتين» ، من كلام ابن عمر، لا من كلام بلال.

وأصرح من هذا ما رواه عمر بن شبة [1] في (( كتاب مكة ) )من طريق عبد العزيز بن أبي رواد، عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما في هذا الحديث فاستقبلني بلال رضي الله عنه، فقلت ما صنع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هاهنا؟ فأشار بيده، أي صلى ركعتين بالسبابة والوسطى.

فعلى هذا يحمل قوله «نسيت أن أسأله كم صلى» على أنَّه لم يسأله لفظًا، ولم يجبه لفظًا، وإنَّما استفاد

ج 3 ص 158

منه صلاة الركعتين بالإشارة، لا بالنطق.

وأمَّا قوله في الرواية الأخرى ونسيت أن أسأله كم صلى؟ فيحمل على أنَّ مراده أنَّه لم يتحقق، هل زاد على ركعتين، أو لا؟.

وقيل يجمع بين الحديثين بأنَّ ابن عمر رضي الله عنهما نسي أن يسأل بلالًا، ثم لقيه مرة أخرى فسأله.

وفيه مكالمة بين الحافظ العسقلاني وبين محمود العيني، أرى طيَّ ذكرها أولى.

ومنها الاحتجاج لمن يقول الأولى في نفل النهار ركعتان.

والشافعي يقول الأفضل في النوافل مثنى مثنى في الليل والنهار، وهو قول مالك وأحمد.

وقال أبو يوسف ومحمد مثنى أفضل بالليل.

وقال أبو حنيفة الأربع أفضل بالليل والنهار.

واحتج في ذلك بحديث ابن عباس رضي الله عنهما، حين بات عند خالته يرقب صلاة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وفيه كان يصلي أربعًا، لا تسأل عن حسنِهنَّ وطولهِنَّ.

وفي الحديث أيضًا حجة على ابن جرير الطبري، حيث قال بعدم جواز الصلاة في الكعبة، فرضًا كان أو نفلًا.

وقال مالك لا تُصَلَّى فيه الفريضة، ولا ركعتا الطواف الواجبة، فإن صلى أعاد في الوقت، ويجوز أن يصلي فيه النافلة.

وفي (( المسالك ) )لابن العربي روى محمد عن أصبغ أنَّ من صلى في البيت أعاد أبدًا.

وعند أبي حنيفة يجوز الفرض والنفل فيه، وبه قال الشافعي.

ورواة إسناد هذا الحديث ما بين بصري ومكي.

وقد أخرج متنه المؤلف في «الحج» [خ¦1599] ، و «الصلاة» [خ¦505] ، و «الجهاد» [خ¦2988] ، وأخرجه مسلم في «الحج» ، وكذا أبو داود، والنسائي، وابن ماجه.

[1] في (خ) (( رواه عن ابن أبي شيبة ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت