فهرس الكتاب

الصفحة 6711 من 11127

( {الشَّوْكَةِ} الحَدِّ) أشار به إلى قوله تعالى {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ} [الأنفال 7] وفسَّر {الشَّوْكَةِ} بقوله «الحَدّ» . يُقال ما أشدَّ شوكة بني فلان أي حَدُّهم.

وفي «التفسير» أي تحبُّون أنَّ الطَّائفة التي لا حدَّ لها ولا منعة ولا قتال تكون لكم، وهي العير، وتكرهون ملاقاة النَّفير؛ لكثرة عددهم وعددهم. وقد سقط هذا في رواية أبي ذرٍّ.

(((مُرْدِفِينَ ) )فَوْجًا بَعْدَ فَوْجٍ رَدِفَنِي) بكسر الدال (وَأرْدَفَنِي جَاءَ بَعْدِي) أشار به إلى قوله تعالى {أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ} [الأنفال 9] ، وفسَّر {مُرْدِفِينَ} بقوله «فوجًا بعد فوج» . وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما مردفين متتابعين.

وعنه المردفون المدد، وعنه وراء كلِّ مَلَك مَلَك.

وعنه بعضهم

ج 19 ص 473

على إثر بعضٍ، وكذا قال الضَّحَّاك وقَتادة.

وقال ابن جرير حدَّثني المثنَّى حدثنا إسحاق حدثنا يعقوب بن محمَّد الزُّهري حدَّثني عبد العزيز بن عمران، عن الرَّبعي، عن أبي الحويرث، عن محمد بن جُبير، عن علي رضي الله عنه قال نزل جبريل عليه السَّلام في ألفٍ من الملائكة عن ميمنة النَّبي صلى الله عليه وسلم، وفيها أبو بكر رضي الله عنه، ونزل ميكائيل عليه السَّلام في ألفٍ من الملائكة عن ميسرة النَّبي صلى الله عليه وسلم، وأنا في الميسرة.

وقال ابن كثير وهذا يقتضي لو صحَّ إسناده أنَّ الألف مُرْدَوفَةٌ بمثلها، ولهذا قرأ بعضهم (( مُرْدَفِينَ ) )بفتح الدال.

وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما ممَّا روي من طريق عليِّ بن أبي طلحة قال وأمدَّ الله تعالى نبيَّه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بألفٍ من الملائكة، وكان جبريل في خمسمائة مجنِّبةٍ، وميكائيل في خمسمائة مجنِّبة.

وقوله «ردفني وأردفني» أشار بهذا إلى أنَّ ردف وأردف بمعنى واحد؛ أي جاء بعدي.

قال الأخفش بنو فلان يردفوننا أي يجيئون بعدنا. وقال الطَّبري العرب تقول أردفته وردفته بمعنى. وقال الجوهري رِدفه _ بالكسر _؛ أي تبعه، والرِّدْف المرتدف، وهو الَّذي يركب خلف الرَّاكب، وأردفته أنا إذا أركبته معك، وذلك الموضع الَّذي يركبه رداف، وكلُّ شيءٍ تبع شيئًا فهو رِدْفه، والتَّرادف التَّتابع.

(ذُوقُوا بَاشِرُوا وَجَرِّبُوا وَلَيْسَ هَذَا مِنْ ذَوْقِ الْفَمِ) أشار به إلى قوله تعالى {ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ} [الأنفال 14] وفسَّر ذُوقُوا بقوله «باشروا وجرِّبوا» ؛ أي العذاب.

وهذا من المجاز أن يُستعملَ الذَّوق وهو ممَّا يتعلَّق بالأجسام في المعاني كما في قوله تعالى {فَذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ} [التغابن 5] ، وقوله تعالى {لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ} [الدخان 56] ، ولهذا قيَّد بقوله «وليس هذا من ذوق الفم» .

والضمير المنصوب في {فَذُوقُوهُ} يرجع إلى العقاب المذكور قبله، وهو قوله {فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الأنفال 13] .

( {فَيَرْكُمَهُ} يَجْمَعُهُ) أشار به إلى قوله تعالى {لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا} الآية [الأنفال 37] ، وفسَّر يركمه بقوله «يجمعه» ، وكذا فسَّره أبو عبيدة فقال يجمعه بعضه فوق بعض. وكذا رواه ابن أبي حاتم عن أبي يزيد القَرَاطيسي عن أصبغ

ج 19 ص 474

عن ابن زيد، والرَّكم جمع الشَّيء بعضه على بعضٍ، كما قال في السَّحاب {ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا} [النور 43] أي متراكمًا متراكبًا.

والمعنى ليميز الله الفريق الخبيث من الكفَّار من الفريق الطَّيِّب من المؤمنين، فيجعل الفريق الخبيث بعضه على بعضٍ فيركمه جميعًا حتَّى يتراكموا فيجعله في جهنَّم، والضمير المنصوب في {فَيَرْكُمَهُ} يرجع إلى الفريق الخبيث.

(شَرِّدْ فَرِّقْ) أشار به إلى قوله تعالى {فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} [الأنفال 57] وفسَّر شرِّد بقوله فرِّق، وكذا فسَّره أبو عبيدة. وقال الزَّجَّاج افعل بهم فعلًا من القتل والتَّفريق، قال وهو بذال معجمة ومهملة لغتان. وفي «التفسير» أي نكل بهم، كذا فسَّره ابن عيينة. وقال ابن عبَّاس والسُّدِّي والحسن والضَّحَّاك وعطاء الخراساني معناه غلظ عقوبتهم وأثخنهم قتلًا ليخاف من سواهم من الأعداء من العرب وغيرهم.

( {وَإِنْ جَنَحُوا} طَلَبُوا) أشار به إلى قوله تعالى {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا} [الأنفال 61] وفسَّر {جَنَحُوا} بقوله «طلبوا» . وقال أبو عبيدة أي إن رجعوا إلى المسالمة وطلبوا الصُّلح. وفي «التَّفسير» أي وإن مالوا إلى المسالمة والمهادنة فاجنحْ لها؛ أي مل إليها، واقبل منهم ذلك.

(السِّلم والسَّلَمُ والسَّلَامُ وَاحِدٌ) بمعنى الصُّلح، وقد ثبت لأبي ذرٍّ وحدَه، وقد تقدم في تفسير «سورة النِّساء» .

( {يُثْخِنَ} يَغْلِبَ) أشار به إلى قوله تعالى {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ} [الأنفال 67] وفسَّر قوله {يُثْخِنَ} بقوله «يغلب» ؛ أي بكثرة القتل في العدوِّ، والمبالغة فيه حتَّى يذلَّ الكفر، ويعزَّ الإسلام. وقال أبو عبيدة أي يُبالغ ويَغْلب. وروى ابن أبي حاتم عن مِنْجاب بن الحارث عن بشر بن عُمارة عن أبي رَوْق عن الضَّحَّاك عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما بلفظ يظهر على الأرض.

(وَقَالَ مُجَاهِدٌ {مُكَاءً} إِدْخَالُ أصَابِعِهِمْ فِي أفْوَاهِهِمْ {وَتَصْدِيَةً} الصَّفِيرُ) أشار به إلى قوله تعالى {وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً} [الأنفال 35] وفسَّر المكاء بقوله «إدخال أصابعهم في أفواههم» ، والتصدية بالصَّفير. قال عبد الله بن عمر

ج 19 ص 475

وابن عبَّاس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جُبير وأبو رجاء العطاردي ومحمد بن كعب القرظي وحُجْر بن عَنْبس ونبيط بن شريط وقَتادة وابن زيد بن أسلم المكاء الصَّفير. وزاد مجاهد وكانوا يُدخلون أصابعهم في أفواههم.

وقال الفريابي حدَّثنا ورقاء عن ابن أبي نَجيح عن مجاهد في قوله تعالى {وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً} قال إدخالهم أصابعهم في أفواههم، (( وتصدية ) )الصَّفير يخلطون على محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم صلاته. وقال أبو عبيدة المكاء التَّصفير، والتَّصدية صفق الأكف. ووصله ابن مردويه من حديث ابن عمر مثله.

وقال ابن أبي حاتم بإسناده إلى ابن عبَّاس رضي الله عنهما في هذه الآية كانت قريش تطوف بالبيت عراةً تصفر وتُصفِّق. ثمَّ إنَّ أثر مجاهد هذا وصله عبدُ بن حميد والفريابي من طريق ابن أبي نَجيح عن مجاهد.

( {لِيُثْبِتُوكَ} لِيَحْبِسُوكَ) أشار به إلى قوله تعالى {وَإِذْ يَمْكُرُ [1] بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ} [الأنفال 30] الآية، وفسَّر قوله {لِيُثْبِتُوكَ} بقوله «ليحبسوك» . وصله ابنُ أبي حاتم من طريق ابن جريج عن عطاء، عنه، وبه فسَّره ابن زيد.

وقال السُّدِّي الإثبات هو الحبسُ والوثاق. وروى أحمد والطَّبراني من حديث ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال تشاورت قريشٌ، فقال بعضُهم إذا أصبح محمد فأثبتوه بالوَثاق. وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما ومجاهد وقَتادة {لِيُثْبِتُوكَ} ليقيدوك.

قال سنيد عن حجَّاج عن ابن جريج، قال عطاء سمعت عُبيد بن عمير يقول لمَّا ائتمروا بالنَّبي صلى الله عليه وسلم ليثبتوه أو يقتلوه أو يخرجوه، قال له عمُّه أبو طالب هل تدري ما ائتمروا بك؟ قال (( يريدون أن يَسْخَروني أو يقتلوني أو يخرجوني ) )قال من أخبرك بهذا؟ قال (( ربِّي ) )قال نِعْمَ الرب ربُّك استوص به خيرًا، قال (( أنا أستوصي به، بل هو يستوصي بي ) ). ورواه ابن جرير أيضًا بإسناده إلى عبيد بن عُمير عن المطَّلب بن أبي وداعة نحوه.

وقال ابنُ كثير ذكر أبي طالب

ج 19 ص 476

هنا غريبٌ جدًّا، بل منكر؛ لأنَّ هذه الآية مدنيَّة.

وهذه القصَّة واجتماع قريش على هذا الائتمار والمشاورة على الإثبات أو القتل أو النَّفي إنَّما كان ليلة الهجرة بعد موت أبي طالبٍ بنحو ثلاث سنين، ولو كان في حياته؛ لما تمكَّنوا منه، وإنَّما اجترؤوا عليه بسبب موت عمِّه أبي طالبٍ الَّذي كان يحوطُه وينصره ويقوم بأعبائه.

وذكر ابن إسحاق عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنَّهم اجتمعوا في دار النَّدوة، فدخلَ عليهم إبليسُ في صورة شيخٍ نجديٍّ، فقال بعضهم تحبسوه في بيتٍ وتسدُّون منافذه غير كوة تلقون إليه طعامه وشرابه منها حتَّى يموت، فقال إبليس بئس الرَّأي يأتيكم من يقاتلكم من قومه، ويُخلصه من بين أيديكم، وقال هشام بن عَمرو رأيي أن تحملوه على جملٍ فتخرجوه من أرضكم فلا يضرُّكم ما صنعَ، فقال بئس الرَّأي يفسد قومًا غيركم ويقاتلكم بهم، فقال أبو جهل أنا أرى أن تأخذوا من كلِّ بطنٍ غلامًا وتعطوه سيفًا فيضربه ضربةً واحدةً فيتفرَّق دمه في القبائل، فقال إبليس عليه اللعنة صدق هذا الفتى، فتفرَّقوا على رأيه، فأتى جبريل النَّبي صلى الله عليه وسلم، وأخبره بالخبر وأمره بالهجرة، وأنزلَ الله عليه بعد قدومه المدينة الأنفال يذكر نعمته عليه {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ} الآية [الأنفال 30] .

وقد منع بعضهم حديث إبليس وتغيير صورته؛ لأنَّ فيه إعانةً للكفار، ولا يليق بحكم الله تعالى أن يجعل إبليس قادرًا عليه.

وأجيب بأنَّه إذا لم يبعد أن يسلِّطه الله على قريشٍ بالوسوسة فيما صدرَ منهم، فكيف يبعد ذلك، والله تعالى أعلم.

[1] في هامش الأصل والمكر احتيال في إيصال الشر إلى الغير. منه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت