(وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ) رضي الله عنه (((بَلْ عَجِبْتُ ) )) بضم التاء ( {وَيَسْخَرُونَ} [الصافات 12] ) هكذا وقع في هذا الموضع معطوفًا على الإسناد الذي قبله، وقد وصلَه الحاكم في «المستدرك» من طريق جرير
ج 20 ص 47
عن الأعمش بهذا، وقد أشكلت مناسبة إيراد هذه الآية في هذا الموضع؛ فإنَّها في سورة الصَّافات، وليس في هذه السُّورة من معناها شيء، إلَّا أنَّه أورد البخاري في الباب [خ¦4693] حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنَّ قريشًا لما أبطؤوا على النَّبي صلى الله عليه وسلم قال (( اللَّهم اكفنيهم بسبعٍ كسبع يوسف ) )الحديث.
وسيجيء وجه مناسبته للتَّرجمة المذكورة.
وقال الكرمانيُّ وجه ذكرها في هذا الموضع بيان أنَّ ابن مسعود رضي الله عنه يقرؤها مضمومًا، وهي مناسبة لا بأس بها، إلَّا أنَّ الذي ذكر أدق، وسيجيء تفصيله إن شاء الله تعالى.
وفي قوله {عَجِبْتَ} قراءتان إحداهما عن حمزة والكسائي وخلف بضم التاء، والأخرى عن الباقين بفتح التاء، فالمعنى على الأولى بلغَ من عظم آياتي، وكثرة خلائقي أنِّي عجبت منها، فكيف بعبادِي، وهؤلاء بجهلهم وعنادِهِم يستسخرون من آياتي، وقيل عجبتُ من أن ينكروا البعث ممَّن هذه أفعاله، وهم يسخرون ممَّن يصف الله بالقدرةِ عليه، والمعنى على الثَّانية أنَّه خطاب للنَّبي صلى الله عليه وسلم؛ أي يا محمَّد! بل عجبتَ من تكذيبهم إيَّاك، وهم يستسخرون من تعجُّبك، وبه صرَّح قتادة، ويُحتمل أن يرادَ به كل من يصح منه ذلك.
وقد روى الطَّبري وابن أبي حاتم من طريق الأعمش عن أبي وائل عن شُريح أنَّه أنكر قراءة (( عجبتُ ) )بالضم، ويقول إنَّ الله لا يعجب، وإنَّما يعجب من لا يعلم، قال فذكرته لإبراهيم النَّخعي فقال إنَّ شريحًا كان معجبًا برأيه، وإن ابن مسعود رضي الله عنه كان يقرؤها بالضم، وهو أعلم منه، وقد قرأ بالضم أيضًا سعيد بن جبير.
والحاصل أنَّه ليس لإنكار شريح معنى؛ لأنَّه إذا ثبت حُمِل على ما يليق به تعالى، ويُحتمل أن يكون مصروفًا إلى السَّامع؛ أي قل بل عجبت، والأوَّل هو المعتمد، وقد أقرَّه إبراهيم النَّخعي، وجزم بذلك سعيد بن جُبير فيما رواه ابنُ أبي حاتم قال في قوله {بَلْ عَجِبْتَ} الله عَجِبَ، ومن طريق أخرى عن الأعمش عن أبي وائل عن ابن مسعود رضي الله عنه أنَّه قرأ (( بَلْ عَجِبْتُ ) )بالضم ويقول نظيرها {وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ} [الرعد 5] . ومن طريق الضَّحَّاك عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما
ج 20 ص 48
قال سبحان الله عجب.