2 - ( {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ} أَخْبَرْنَاهُم أَنَّهُمْ سَيُفسِدُونَ) أشار به إلى قوله تعالى {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ} [الإسراء 4] والمرَّة الأولى قتلُ زكريا عليه السَّلام، وحبس أرميا حين أنذرهُم سخطُ الله تعالى، والأخرى قتل يحيى عليه السَّلام، وقصدُ قتل عيسى ابن مريم عليهما السَّلام،
ج 20 ص 122
وقد فسَّر قوله تعالى {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ} بقوله «أخبرناهم» ، وكذا فسَّره أبو عُبيدة، ويُقال معناه أعلمناهم إعلامًا قاطعًا.
(وَالقَضَاءُ عَلَى وُجُوهٍ) أي يأتي على وجوه، أشار بهذا إلى أنَّ لفظ القضاء يأتي لمعانٍ كثيرة، وذكر منها ثلاثة الأوَّل ( {وَقَضَى رَبُّكَ} أَمَرَ رَبُّكَ) أي معناه أمر ربك؛ أي أمرًا مقطوعًا به، وقد سقط في رواية أبي ذرٍّ لفظ والثَّاني قوله (وَمِنْهُ الحُكْمُ) كما في قوله تعالى ( {إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ} [يونس 93] ) أي يحكم بينهم، والثَّالث قوله (وَمِنْهُ الخَلقُ) كما في قوله تعالى ( {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَواتٍ} [فصلت 12] ) زاد أبو ذرٍّ < {خَلَقَهُنَّ} > وقد بيَّن أبو عُبيدة بعض الوجوه التي يردُ بها لفظ القضاء، وأغفلَ كثيرًا منها، واستوعبها إسماعيل بن أحمد النَّيسابوري في كتاب «الوجوه والنَّظائر» فقال لفظة (( قضى ) )في الكتاب العزيز جاءت على خمسة عشر وجهًا، الفراغ كقوله تعالى {فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ} [البقرة 200] ، والأمر كقوله تعالى {إِذَا قَضَى أَمْرًا} [آل عمران 47] ، والأجل كقوله تعالى {فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ} [الأحزاب 23] ، والفصل كقوله تعالى {لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ} [الأنعام 58] ، والمضي كقوله تعالى {لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا} [الأنفال 42] ، والهلاك كقوله تعالى {لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ} [يونس 11] ، والوجوب كقوله تعالى {لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ} [إبراهيم 22] ، والإبرام كقوله تعالى {إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا} [يوسف 68] ، والإعلام كقوله تعالى {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ} [الإسراء 4] ، والوصية كقوله تعالى {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ} [الإسراء 23] ، والموت كقوله تعالى {فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ} [القصص 15] ، والنُّزول كقوله تعالى {فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ} [سبأ 14] ، والخلق كقوله تعالى {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ} [فصلت 12] ، والفعل كقوله تعالى {كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ} [عبس 23] يعني حقًا لم يفعل، والعهد كقوله تعالى {إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ} [القصص 44] انتهى.
وبعض هذه الأوجه متداخلٌ، وأغفل أنَّه يرد بمعنى الانتهاء كقوله تعالى {فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا} [الأحزاب 37] ، وبمعنى الإتمام كقوله تعالى {ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ} [الأنعام 2] ،
ج 20 ص 123
وبمعنى كتب نحو {إِذَا قَضَى أَمْرًا} [مريم 35] ، وبمعنى الأداء والدَّفع كما في قولهم قضى دينه أي دفع ما لغريمه عليه.
وتفسير {قَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} [الإسراء 23] بمعنى وَصَّى منقول من مصحف أُبيِّ بن كعب رضي الله عنه أخرجه الطَّبري، وأخرجه أيضًا من طريق قتادة قال هي في مصحف ابن مسعود رضي الله عنه (( وَوَصَّى ) ). ومن طريق مجاهد في قوله {وَقَضَى} قال وأوصى. ومن طريق الضَّحَّاك أنَّه قرأ (( وَوَصَّى ) )، وقال أُلصقت الواو بالصاد فصارت قافًا فقرئتْ (( وقضى ) )، كذا قال، واستنكروه منه، وأمَّا تفسيره بالأمر كما قال أبو عُبيدة فوصله الطَّبري من طريق عليِّ بن أبي طلحة عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما. ومن طريق الحسن وقتادة مثله.
وروى ابنُ أبي حاتم من طريق ضمرة عن الثَّوري قال معناه أمر ولو قضى لمضى، يعني لو حكم. وقال الأزهري القضاء مرجعه إلى انقطاع الشَّيء وتمامه، ويُمكن رد ما ورد من ذلك كله إليه، وقال في قوله {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ} [الإسراء 4] ؛ أي أعلمناهم علمًا قاطعًا، انتهى.
والقضاء يتعدَّى بنفسه، وإنَّما تعدَّى بالحرف في قوله تعالى {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ} لتضمينه معنى أوحينا.
( {نَفِيرًا} مَنْ يَنْفِرُ مَعَهُ) أشار به إلى قوله تعالى {وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا} [الإسراء 6] وفسَّره بقوله «مَن ينفر معه» . قال أبو عُبيدة في قوله {أَكْثَرَ نَفِيرًا} الذين ينفرون معه. وروى الطَّبري من طريق سعيد عن قتادة في قوله {وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا} أي عددًا، ومن طريق أسباط عن السُّدي مثله.
وقال الثَّعلبي أصله من ينفر مع الرَّجل من عشيرته وأهل بيته دليله قول مجاهد أكثر رجلًا، والنَّفير والنَّافر واحد كالقدير والقادر، وقيل النَّفير، جمع نفر، وهم المجتمعون للذَّهاب إلى العدو، وفاء ينفر _ بالكسر والضم _.
( {مَيْسُورًا} لَيِّنًا) أشار به إلى قوله تعالى {فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا} [الإسراء 28] وفسَّره بقوله «لينًا» ، وكذا فسَّره أبو عُبيدة، قال أي لينًا، وروى الطَّبري من طريق إبراهيم النَّخعي في قوله تعالى {فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا} أي لينًا تعدهم. ومن طريق عكرمة، قال عِدْهم عِدَة حسنة.
وروى ابنُ أبي حاتم
ج 20 ص 124
من طريق محمَّد بن أبي موسى، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما في قوله تعالى {فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا} قال العِدَة. ومن طريق السُّدي قال تقول نعم وكرامة، وليس عندنا اليوم. ومن طريق الحسن تقول سيكون إن شاء الله تعالى.
( {وَلِيُتَبِّرُوا} يُدَمِّرُوا {مَا عَلَوْا} ) أشار به إلى قوله تعالى {وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا} [الإسراء 7] وفسَّر قوله {وَلِيُتَبِّرُوا} بقوله «يُدمِّروا» ، من التَّدمير، وهو الإهلاك من الدَّمار، وهو الهلاك، وقوله {مَا عَلَوْا} أي ما غلبوا واستولوا عليه من بلادكم، والجملة في محل النصب؛ لأنها مفعول (( ليتبروا ) )، وقال الزَّجَّاج كلُّ شيءٍ كَسَّرته وَفَتَّتّه فقد تَبّرته، والمعنى ليخربوا ما غلبوا عليه.
( {حَصِيرًا} مَحْبِسًا مَحْصَرًا) أشار به إلى قوله تعالى {وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا} [الإسراء 8] . وفسَّر {حَصِيرًا} بقوله «مَحبِسًا» _ بفتح الميم وكسر الموحدة _، وهو تفسيرُ ابن عبَّاس رضي الله عنهما، وصله ابنُ المنذر من طريق عليِّ بن أبي طلحة عنه. وقوله «مَحْصِرًا» _ بفتح الميم وسكون الحاء وكسر الصاد _ هو اسم موضع الحصر، وكذا فسَّره أبو عُبيدة. وقال صاحب «التوضيح» محصَرًا _ بفتح الصاد _ لأنَّه من حصر يحصر.
قال العيني هذا إذا كان مفتوح الميم؛ لأنَّه يكون اسم موضع من حصر يحصر من باب نصر ينصرُ. وأمَّا مضموم الميم ومفتوح الصاد فهو من أحصِر بالألف في أوَّله، ولا يذهب عليك عدم وجه ارتباطه بما قبله.
( {حَقَّ} وَجَبَ) أشار به إلى قوله تعالى {فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ} [الإسراء 16] وفسَّر قوله {فَحَقَّ} بقوله «وجب» ، وكذا فسَّره ابن عبَّاس رضي الله عنهما، وفي التَّفسير أي وجب عليها العذاب، والضَّمير يرجع إلى القرية المذكورة قبله.
( {خِطْئًا} إِثْمًا، وَهُوَ اسْمٌ مِنْ خَطِئْتَ، وَالخَطَأُ مَفْتوحٌ مَصْدَرُهُ مِنَ الإِثْمِ، خَطِئْتُ بِمَعْنَى أَخْطَأْتُ) أشار به إلى قوله تعالى {إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا} [الإسراء 31] وفسَّر {خِطْئًا} بقوله «إثمًا» ، ثمَّ بيَّن أنَّه اسم من خَطِئت، وأمَّا الخَطَأ مفتوح الخاء والطاء فهو مصدره، وأنَّ قوله «خطئت بمعنى أخطأت» ، وهو قول أبي عُبيدة حيث قال في قوله تعالى {كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا} أي إثمًا، وهو اسم من خُطِئت، فإذا فتحته فهو مصدر. قال الشَّاعر
ج 20 ص 125
~دَعِينِي إِنَّما خَطِّئِي وَصَوِّبِي عَلَيَّ وَإِنَّما أَهْلَكْتُ مَالِي
ثم قال وخَطِئت وأخطأت لغتان، وتقول العرب خَطِئت إذا أذنبت عمدًا، وأخطأت إذا أذنبت على غير عمد. واختار الطَّبري القراءة التي بكسر ثمَّ السكون وهي المشهورةُ، ثمَّ أسند عن مجاهد في قوله {خطئًا} خطيئة قال وهذا أولى؛ لأنهم كانوا يقتلون أولادهم على عمد لا خطأ فنهوا عن ذلك. وأمَّا القراءة بالفتح فهي قراءة ابن عامر في رواية أبي ذكوان، وقد أجابوا عن الاستبعاد الذي أشار إليه الطَّبري بأن معناه إن قتلهم كان غير صوابٍ، تقول أخطأ يُخْطِئ إذا لم يُصب هذا، وأمَّا قول أبي عُبيدة وقد تبعه البخاري رحمه الله أن خِطْئًا _ بكسر الخاء وسكون الطاء _ اسم مصدر، من خطئت فممنوعٌ، وإنما هو مصدر خَطِئ يخطأ، كأثم يأثم إذ تعمد الذنب، قال الجوهري تقول من خَطِئ يخطأ خطأ وخِطْأة على فِعْلة.
وكذا قوله «والخطأ مفتوح مصدره» ، عكس ما قاله أهل اللُّغة، فإن الخطأ بالفتح اسم وهو نقيض الصَّواب يُقال أخطأ يُخْطِئ إخطاء إذا لم يُصب، والاسم منه الخَطَأ _ بفتحتين _، وكذا في قوله «خطئت بمعنى أخطأت» نظر، فإن المعروف عند أهل اللُّغة أن خطئ بمعنى أثم، وأخطأ إذا لم يتعمد أو لم يُصب، ثمَّ قوله «من الإثم» مرتبط بقوله «اسم من خطئت» ؛ أي خطئت الذي أخذ معناه من الإثم.
وأمَّا ما قاله العيني أن قوله «من الإثم خطئت» فيه تقديم وتأخير؛ أي خطئت الذي أخذ معناه من الإثم، بمعنى أخطأت فليس بظاهر.
( {تَخْرِقَ} تَقْطَعَ) وفي بعض النُّسخ < {لَنْ تَخْرِقَ} لن تقطع> أشار به إلى قوله تعالى {وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا} [الإسراء 37] وفسَّر قوله {تَخْرِقَ} بقوله «تقطع» قال أبو عُبيدة في قوله {لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ} لن تقطع، وقوله {مَرَحًا} أي بطرًا وفخرًا وخيلاء، قال الثَّعلبي هو تفسير المشي لا نعته، وقال الزَّمخشري {مَرَحًا} حال؛ أي ذا مرح، وقُرئ (( مرِحًا ) )_ بكسر الراء _، وفضل الأخفش المصدر على اسم الفاعل لما فيه من التأكيد،
ج 20 ص 126
وقوله تعالى {إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ} أي لشدة وطأتك، وقال الثَّعلبي أي لن تقطعها بكبرك حتى تبلغ آخرها، يُقال فلان أخرق للأرض من فلان إذا كان أكثر أسفارًا، وقوله {وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا} أي لن تساويها وتجاريها بكبرك، ثمَّ إن هذا سقط في رواية أبي ذرٍّ وثبت في غيرها.
( {وَإِذْ هُمْ نَجْوَى} مَصْدَرٌ مِنْ نَاجَيتُ، فَوَصَفَهُمْ بِهَا، وَالمَعْنى يَتَنَاجَوْنَ) أشار به إلى قوله تعالى {إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى} [الإسراء 47] وبيَّن أنه مصدر من ناجيت، فوصفوا بها على حدِّ رجل عدل، وقوله {إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ} نصب بقوله (( أعلم ) )أي نحن أعلم وقت استماعهم بما به يستمعون، وقوله {وَإِذْ هُمْ نَجْوَى} أي وبما يتناجون به إذ هم ذَوو نجوى، يعني يتناجون في أمرك فبعضهم يقول هو مجنونٌ، وبعضهم يقول كاهنٌ، وبعضهم يقول ساحرٌ، وبعضهم يقول شاعرٌ، وقوله «مصدر من ناجيت» الأظهر أنَّه اسم غير مصدر.
قال الجوهري قوله تعالى {وَإِذْ هُمْ نَجْوَى} فجعلهم هم النَّجوى، وإنَّما النَّجوى فعلهم كما تقول قوم رضا، وإنَّما الرضا فعلهم، انتهى.
وقيل يجوز أن يكون نجوى جمع نجي، كقتلى وقتيل، وقال أبو عُبيدة هو مصدر من ناجيت، أو اسم منها فوصف بها القوم، كقولهم هم عذابٌ، فجاءت نجوى في موضع متناجين، انتهى.
ويُحتمل أن يكون على حذف مضاف كما أشير إليه آنفًا.
( {رُفَاتًا} حُطَامًا) أشار به إلى قوله تعالى {وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا} [الإسراء 49] وفسَّر رفاتًا بقوله «حُطامًا» ، قال أبو عُبيدة في قوله تعالى {رُفَاتًا} أي حطامًا أي عظامًا محطَّمة. وروى الطَّبري من طريق ابن أبي نَجيح عن مجاهد في قوله {وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا ورفاتًا} قال ترابًا، وكذا عن الفرَّاء، ويُؤيِّده أنَّه قد تكرر في القرآن {ترابًا وعظامًا} [المؤمنون 82]
( {وَاسْتَفْزِزْ} اسْتَخِفَّ) ويُروى .
( {بِخَيْلِكَ} الفُرْسَان، وَالرَّجْلُ الرَّجَّالَةُ، وَاحِدُهَا رَاجِلٌ، مِثْلُ صَاحِبٍ وَصَحْبٍ وَتَاجِرٍ وَتَجْرٍ) أشار به إلى قوله تعالى {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ} [الإسراء 64] وهو كلام أبي عُبيدة بعينه، وفسَّر قوله {وَاسْتَفْزِزْ} بقوله استخف. وروى ابن أبي حاتم من طريق مجاهد في قوله {وَاسْتَفْزِزْ}
ج 20 ص 127
قال استنزل، وفسَّر قوله {بِخَيْلِكَ} بقوله «الفرسان» ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم (( يا خيل الله اركبي ) )وفسَّر قوله {وَرَجِلِكَ} بقوله «والرَّجْل الرَّجَّالة» _ بفتح الراء وتشديد الجيم _ وبيَّن أنَّ «واحدها راجل، مثل صحب وصاحب» ، وفي التَّفسير هذا أمر تهديد، وقوله (( منهم ) )من ذرية آدم عليه السَّلام.
وقوله {بِصَوْتِكَ} أي بدعائك إلى معصية الله تعالى، قاله ابن عبَّاس رضي الله عنهما وقتادة، وكلُّ داع إلى معصية الله تعالى فهو من جندِ إبليس. وعن مجاهد {بِصَوْتِكَ} بالغناءِ والمزامير، وقوله {وَأَجْلِبْ} ؛ أي اجمع وصح، وقال مجاهد استعن عليهم بخيلك؛ أي ركبان جندك. وقوله (( ورجلك ) )أي مشاتهم. وعن جماعة من المفسِّرين كلُّ راكبٍ وماش في معاصي الله.
( {حَاصِبًا} الرِّيحُ العَاصِفُ، وَالحَاصِبُ أيضًا ما تَرْمِي بِهِ الرِّيحُ، وَمِنْهُ {حَصَبُ جَهَنَّمَ} يُرْمى بِهِ في جَهَنَّمَ، هُوَ حَصَبُهَا) ويُروى ، وفي رواية (وَيُقَالُ حَصَبَ في الأَرْضِ ذَهَبَ، وَالحَصَبُ) محركًا (مُشْتَقٌّ مِنَ الحَصْبَاءِ الحِجَارَةِ) وفي رواية غير أبي ذرٍّ بزيادة الواو، وأشار به إلى قوله تعالى {أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا} [الإسراء 68] وفسَّر الحاصب بالرِّيح العاصف أي الشَّديد، ولم يؤنثه؛ لأنَّ تأنيثه مجازي، وفي التَّفسير حاصبًا حجارة تمطر من السَّماء عليكم كما أمطرَ على قوم لوط. وقال أبو عُبيدة أي ريحًا عاصفًا تحصب؛ يعني أنَّ الحاصب الرِّيح التي ترمي بالحصباء، وهي الحصى الصغار.
قال العيني وهو معنى قوله «والحاصب أيضًا ما ترمي به الرِّيح» ، وفيه نظر. وقال الجوهري الحاصب الريح الشَّديدة التي تُثيرُ الحصباء، وقوله «ومنه (( حصب جهنم ) )» ؛ أي ومن معنى لفظ الحاصب (( حصب جهنم ) )؛ أي الشَّيء الذي يرمي به فيها، وقوله «هو حصبها» ؛ أي الذي يرمي به فيها هو حصبها، ويُروى و؛ أي القوم الذين يرمون بهم فيها حصبها، وقوله و «يُقال حصب في الأرض ذهب» ، كذا قاله الجوهري.
وقوله «والحصب مشتقٌّ من الحصباء» .
قال العينيُّ لم يرد بالاشتقاق الاشتقاق المصطلح عليه أعني الاشتقاق الصَّغير
ج 20 ص 128
لعدم صدقه عليه على ما لا يخفى، وتفسير الحصباء بالحجارة من تفسير الخاصِّ بالعامِّ. وقال أهل اللُّغة الحصباء الحصى، قالوا والحصب الرَّمي بالحصى، وهي الحجارةُ الصِّغار، ويكون الحاصب من الجليد أيضًا. قال الفرزدق
~بِحَاصِبٍ كَنَدِيفِ القُطْنِ مَنْثُورِ
وروى ابن أبي حاتم من طريق سعيد عن قتادة {أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا} قال حجارة من السَّماء. ومن طريق السُّدي قال راميًا يرميكم بحجارة.
( {تَارَةً} مَرَّةً، وَجَمَاعَتُهُ تِيَرَةٌ وَتَارَاتٌ) أشار به إلى قوله تعالى {أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى} [الإسراء 69] وفسَّر {تَارَةً} بقوله «مرَّة» ، وكذا فسَّره أبو عُبيدة، ويجمع على تِيَرة _ بكسر المثناة الفوقية وفتح التحتية _ على تاراتٍ. وقال ابنُ التين الأحسن سكون الياء وفتح الراء كما يُقال في جمع قاعة قيعة. وروى ابن أبي حاتم من طريق سعيد عن قتادة {تَارَةً أُخْرَى} قال مرةً أخرى، وألفها يحتمل أن تكون عن واو أو ياء. قال الرَّاغب وهو فيما قيل من تار الجرح بمعنى التأم.
( {لأَحْتَنِكَنَّ} لأَسْتَأْصِلَنَّهُمْ، يُقَالُ احْتَنَكَ فُلاَنٌ مَا عِنْدَ فُلاَنٍ مِنْ عِلمٍ اسْتَقْصَاهُ) أشار به إلى قوله تعالى {لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء 62] وفسَّر الاحتناك بالاستئصال، ويُقال معناه لأستولينَّ عليهم بالإغواء والإضلال، وأصله من احتنك الجراد الزَّرع، وهو أن يأكلَه ويستأصلَه ويفسدُه، ثمَّ سُمي الاستيلاء على الشَّيء وأخذ كله احتناكًا. وروى سعيد بن منصور من طريق ابن أبي نَجيح عن مجاهد في قوله (( لأحتنكنَّ ) )قال لأحتوينَّ قال يعني شبه الزِّناق، وقال ابنُ زيد لأضلنَّهم، وكلها متقاربة.
( {طَائِرَهُ} حَظَّهُ) أشار به إلى قوله تعالى {وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ} [الإسراء 13] وفسَّر طائره بقوله «حظَّه» بالحاء المهملة والظاء المعجمة، وكذا فسَّره أبو عُبيدة والقتبي وقالا أراد بالطَّائر حظَّه من الخير والشَّر، من قولهم طار سهم فلان من كذا، وإنَّما خُصَّ عنقه دون سائر أعضائه؛ لأنَّ العنق موضع السِّمات وموضع القلادة وغير ذلك ممَّا يزين أو يشين، فجرى كلام العربِ
ج 20 ص 129
بنسبة الأشياء اللَّازمة إلى الأعناقِ فيقولون هذا الشَّيء لك في عنقي حتى أخرجَ منه. وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما خيره وشره مكتوب عليه لا يُفارقه، وقال الحسن فيما رواه السَّمرقندي عمله. وعن الكلبي ومقاتل خيره وشره معه لا يفارقه حتَّى يُحاسب عليه. وعن الحسن أيضًا يمنه وشؤمه. وعن مجاهد رزقه، وفي «الأنوار» وما قدر له كأنَّه طير إليه من عشِّ الغيب.
(وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) ويُروى بدون الواو رضي الله عنهما (كُلُّ سُلطَانٍ فِي القُرْآنِ فَهُوَ حُجَّةٌ) روى هذا التَّعليق ابن عيينة في «تفسيره» عن ابن دينار، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما في قوله تعالى {وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا} [الإسراء 80] وقوله تعالى {فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا} [الإسراء 33] قال كلُّ سلطان في القرآن فهو حجَّة، فمعنى (( سلطانًا نصيرًا ) )ينصرني على من خالفني. ومعنى (( جعلنا لوليه سلطانًا ) )حجَّة يتسلَّط بها على المؤاخذة بمقتضى القتل.
( {وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ} لَمْ يُحَالِف) بالحاء المهملة؛ أي لم يوال (أَحَدًا) لأجل مذلَّة به ليدفعها بموالاتهِ. رواه الطَّبري من طريق ابنِ أبي نَجيح، عن مجاهد في قوله تعالى {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ} [الإسراء 111] قال لم يُحالف أحدًا، وعن مجاهد أيضًا لم يحتج في الانتصار إلى أحد.
(باب قَوْلِهِ) جلَّ وعلا، وسقط لفظ في بعض النُّسخ، وفي بعضها سقط لفظ وثبت لفظ «قوله» ، وهي رواية غير أبي ذرٍّ ( {أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} ) مسجد مكَّة بعينه لحديث أنس رضي الله عنه المروي في «الصَّحيحين» ، وسرى وأسرى لغتان، و (( ليلًا ) )نصب على الظَّرف، وإنَّما ذكر (( ليلًا ) )بالتَّنكير وإن كان الإسراء لا يكون إلَّا باللَّيل إشارة إلى تقليل مدَّة الإسراء، وأنَّه أُسري به في بعض اللَّيل من مكَّة إلى الشَّام مسيرةَ أربعين ليلة، فدلَّ أن التَّنكير دلَّ على البعضيَّة، ويشهد لذلك قراءة عبد الله وحذيفة رضي الله عنهما ؛ أي بعضه، كقوله تعالى {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ} [الإسراء 79] .
وفي «فتوح الغيب» ويمكن أن يُراد بالتَّنكير
ج 20 ص 130
في {ليلًا} التَّعظيم والتَّفخيم والمقام يقتضيه، ألا ترى كيف افتتح السُّورة بالكلمة المنبئة عنه، ثمَّ وصفَ المسرى به بالعبودية، ثمَّ أردفَ تعظيم المكانين بالحرام وبالبركة لما حوله تعظيمًا للزَّمان، ثم تعظيم الآيات بإضافتها إلى صيغة التَّعظيم وجمعها ليشمل جميع أنواع الآيات، وكلُّ ذلك شاهد صدقٍ على ما نحن بصددِهِ.
والمعنى ما أعظم شأن من أسرى بمن حقَّق له مقام العبوديَّة، وصحَّح استئهاله للعناية السَّرمدية أي في ليلٍ له شأن جليل، ليل دنا فيه الحبيب من المحبوب، وفاز في مقام الشُّهود بالمطلوب (( فتدلَّى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبدِهِ ما أوحى ما كذبَ الفؤاد ما رأى ) )فحينئذٍ ينطبقُ عليه التَّعليل بقوله {إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الإسراء 1] أي السَّميع بأقوالِ ذلك العبد، والبصير لأحواله وأفعاله العالم بكونها مهذبة خالصة عن شوائب الهوى مقرونة بالصِّدق والصَّفاء مستأهلة للقربة، والله تعالى أعلم.