- (باب {فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى} [النجم 9] حَيْثُ الوَتَرُ مِنَ القَوْسِ) كذا في رواية أبي ذرٍّ، وفي رواية غيره ، بإسقاط لفظ وقوله ، كذا قال القسطلاني. وقال الحافظ العسقلانيُّ وثبتت التَّرجمة لأبي ذرٍّ وحدَهُ، وهي عند الإسماعيليِّ أيضًا. والقاب ما بين القبضة والسِّيَة من القوس. قال الواحديُّ هذا قول جمهورُ المفسرين أنَّ المراد القوس التي يُرمى بها، قال وقيل المرادُ بها الذِّراع؛ لأنَّه يُقاس بها الشَّيء.
قال الحافظ العسقلانيُّ وينبغي أن يكون هذا القول هو الرَّاجح، فقد أخرج ابنُ مَردويه بإسنادٍ صحيحٍ عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال القاب القدر، والقوسين الذِّراعين. ويؤيِّده أنَّه لو كان المراد به القوس التي يُرمى بها لم يُمَثَّل بذلك ليُحتاج إلى التَّثنية، فكان يُقال مثلًا قاب رمحٍ أو نحو ذلك، وقد قيل إنَّه على القلب، والمراد فكان قابيْ قوسٍ؛ لأنَّ القابَ ما بين القبضة إلى السِّيَة، فلكلِّ قوسٍ قابان
ج 21 ص 128
بالنِّسبة إلى جانبيه.
وقوله {أَوْ أَدْنَى} أي أقرب، والدنوُّ من الله لا حدَّ له. قال الزَّجَّاج خاطبَ الله العرب بما ألفوا، والمعنى فيما تقدرون أنتم عليه، والله تعالى عالم بالأشياء على ما هي عليه لا تردُّدَ عنده. وقيل «أو» بمعنى بل، والتَّقدير بل هو أقربُ من القدر المذكور.
وقال القشيري في «مفاتيح الحجج» أخبر الله تعالى بقوله {فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى} [النجم 9] أنَّه صلى الله عليه وسلم بلغ من الرُّتبة والمنزلة القدر الأعلى ممَّا لا يفهمُه الخلق، والله تعالى أعلم.
4856 - (حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ) محمد بن الفضل السَّدوسي، قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ) هو ابنُ زياد، قال (حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ) بالشين المعجمة، سليمان بن أبي سليمان فيروز أبو إسحاق الكوفي (قَالَ سَمِعْتُ زِرًّا) بكسر الزاي وتشديد الراء، هو ابنُ حبيش (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) هو ابنُ مسعود رضي الله عنه في قوله تعالى ( {فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى*فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى} [النجم 9 - 10] ) هكذا أورده، وأراد أنَّ عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال في تفسير هاتين الآيتين ما سأذكره، ثمَّ استأنف فقال
(حَدَّثَنَا ابْنُ مَسْعُودٍ) عبد الله رضي الله عنه (أَنَّهُ) صلى الله عليه وسلم (رَأَى جِبْرِيلَ لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ) جملة اسميَّة وقعت حالًا بدون الواو، يعني رآه مرَّتين هكذا، وفي سائرها على صورة دِحية الكلبي وغيره؛ لأنَّ في الملك قوَّة يتشكَّل بها في أيِّ صورةٍ أراد، ورُوي في غير رواية البخاري (( يتناثرُ من ريشهِ الدُّرُّ والياقوت ) ). وأخرجه النسائيُّ بلفظ (( يتناثر منها تهاويل الدُّرِّ والياقوت ) )، والتَّهاويل الأشياء المختلفة الألوان كأن واحدها تَهْوَال، وأصله ما يهولُ الإنسان ويُحيره. والحديث قد مرَّ في كتاب «بدء الوحي» ، في باب «الملائكة» [خ¦3232] .
ومطابقته للترجمة ظاهرة.
تنبيه ليس المراد أنَّ ابن مسعودٍ حدَّث عبد الله كما هو ظاهر السِّياق، بل عبد الله هو ابنُ مسعود رضي الله عنه كما قرَّرناه، وقد أخرجه في الباب الَّذي يليه [خ¦4857] من وجهٍ آخر عن الشَّيباني فقال سألت زرًّا عن قوله، فذكره ولا إشكالَ في سياقه.
وأخرجه أبو نُعيم في «المستخرج» من طريق سليمان بن داود الهاشمي عن عبد الواحد بن زياد، عن الشَّيباني
ج 21 ص 129
قال سألت زِرَّ بن حُبيش عن قول الله تعالى {فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى} [النجم 9] فقال قال عبد الله قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فذكره.