فهرس الكتاب

الصفحة 7133 من 11127

4860 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ) المسندي، قال (أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ) الصَّنعاني، قال (أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ) هو ابنُ راشد (عَنِ الزُّهْرِيِّ) محمد بن مسلم بن شهاب (عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) أي ابن عوفٍ الزهريِّ رضي الله عنه (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ) أنَّه (قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ حَلَفَ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ) بفتح المهملة وكسر اللام؛ أي في يمينه (وَاللاَّتِ وَالْعُزَّى) كيمين المشركين (فَلْيَقُلْ) متداركًا لنفسه (لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ) وعند النَّسائي وابن ماجه وصحَّحه ابن حبَّان من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه ما يُشبه أن يكون سببًا لحديث الباب، فأخرجوا من طريق مصعب بن سعد عن أبيه قال كنَّا حديث عهد بجاهليَّة، فحلفت باللَّات والعزَّى، فقال لي أصحابي بئس ما قلت، فذكرت ذلك للنَّبي صلى الله عليه وسلم فقال (( قل لا إله إلا الله وحدَه لا شريك له ) )، الحديث.

قال الخطابيُّ اليمين إنَّما يكون بالمعبود المعظَّم، فإذا حلف باللَّات ونحوها فقد ضاهى الكفَّار في ذلك حيث أشركها بالله تعالى في التَّعظيم، وحقيقة العظمة مختصَّةٌ بالله تعالى، فلا يُضاهي به مخلوق، فأُمر أن يتدارك بكلمة التَّوحيد. وقال ابنُ العربي من حلفَ بها جادًّا فهو كافرٌ، ومن قالها جاهلًا أو ذاهلًا فليقلْ كلمة التَّوحيد تكفِّر عنه، ويردُّ قلبه من السَّهو إلى الذِّكر، ولسانه إلى الحقِّ، وينفي عنه ما جرى به من اللَّغو.

وقال النَّوويُّ قال أصحابنا إذا حلف باللَّات أو غيرها من الأصنام، أو قال إن فعلت كذا فالأبعد يهوديٌّ أو نصرانيٌّ، أو بريءٌ من الإسلام، أو من سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم

ج 21 ص 135

ونحو ذلك لم ينعقدْ يمينه، بل عليه أن يستغفرَ الله تعالى، ويقول لا إله إلا الله، ولا كفَّارة عليه سواء فعله أم لا. هذا مذهب الشافعيِّ ومالك وجماهير العلماء. وقال أبو حنيفة رحمه الله تجب الكفَّارة في كلِّ ذلك إلَّا في قوله أنا مبتدعٌ، أو بريءٌ من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو اليهودية، انتهى.

وفي «الفتاوى الظهيرية» ولو قال هو يهوديٌّ أو بريءٌ من الإسلام إن فعل كذا عندنا يكون يمينًا، فإذا فعل ذلك الفعل هل يصيرُ كافرًا، هذا على وجهين إن حلف بهذه الألفاظ، وعلَّق بفعل ماض، وهو عالم وقت اليمين أنَّه كاذبٌ اختلفوا فيه قال بعضهم يصير كافرًا؛ لأنَّه تعليقٌ بشرطٍ كائنٍ وهو تنجيزٌ. وقال بعضُهم لا يكفر ولا يلزمه الكفَّارة. وإليه مال شيخُ الإسلام خواهر زاده.

وإن حلف بهذه الألفاظ على أمرٍ مستقبلٍ قال بعضهم لا يكفر، ويلزمه الكفَّارة، والصَّحيح ما قاله السَّرخسي أنَّه يُنظر إن كان في اعتقاده أنَّه لو حلف بذلك على أمرٍ ماض يكفر يصير كافرًا في الحال، وإن لم يكن في اعتقاده ذلك لا يكفر سواء كانت اليمين على أمرٍ في المستقبل أو في الماضي.

(وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ تَعَالَ) بفتح اللام، أمرٌ من التَّعالي، وهو الارتفاع تقول منه إذا أمرت تعالَ يا رجل، وللمرأة تعالَي، وللمرأتين تعاليا، وللنِّسوة تعالين، ولا يجوز أن يُقال منه تعاليت ولا ينهى عنه (أُقَامِرْكَ) بالجزم جواب الأمر يُقال قامره يقامره قمارًا إذا طلب كلُّ واحدٍ أن يغلبَ صاحبه في عملٍ أو قولٍ ليأخذ مالًا جعلاه للغالبِ، وهو حرامٌ بالإجماع.

(فَلْيَتَصَدَّقْ) وفي رواية مسلم (( فليتصدَّق بشيءٍ ) )أي بصدقةٍ لتكفر عنه ما اكتسبه بالقول الذي جرى على لسانه من إثم دعائهِ صاحبه إلى معصية القمار المحرَّم بالاتِّفاق. وقال الخطابيُّ أي بالمال الذي كان يريد أن يُقامره به، قيل والأوَّل هو الصَّواب لرواية مسلمٍ، قاله النَّووي، وفي «التلويح» عن بعض الحنفيَّة أنَّه يلزمه كفَّارة يمين. قال الحافظ العسقلانيُّ وفيه ما فيه.

وقال العينيُّ إنَّما تلزم كفارة يمين؛ لأنَّ هذا ينعقدُ يمينًا على رأي هذا القائل، فإذا انعقدَ يمينًا يجبُ عليه الكفارة، فافهم. قال القاضي عياض في هذا الحديث حجَّةٌ للجمهور أنَّ العزمَ على المعصية إذا استقرَّ في القلب كان ذنبًا يُكتب

ج 21 ص 136

عليه؛ بخلاف الخاطر الَّذي لا يستمر. وتعقَّبه الحافظ العسقلانيُّ بقوله ولا أدري من أين أخذ ذلك مع التَّصريح في الحديث بصدور القول حيث نطق بقوله «تعالَ أقامرك» فدعاهُ إلى المعصيةِ، والقمار حرامٌ بالاتِّفاق، [فالدعاء إلى فعله حرام، فليس هنا عزم مجرد] [1] وإنَّما قرن القمار بذكر الحلف باللَّات والعزى لكونهما من فعل الجاهليَّة.

ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرةٌ، وقد أخرجهُ البخاري في «النّذور» [خ¦6650] و «الأدب» [خ¦6107] و «الاستئذان» أيضًا [خ¦6301] ، وأخرجهُ مسلمٌ وأبو داود والترمذي في الأيمان والنُّذور، وابن ماجه في الكفارات.

[1] من فتح الباري

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت