فهرس الكتاب

الصفحة 7379 من 11127

4981 - (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ) التِّنِّيسي، قال (حَدَّثَنَا اللَّيْثُ) أي ابن سَعْد الإمام، قال (حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ) بضم الموحدة (عَنْ أَبِيهِ) هو أبو سعيد المَقْبُري، واسمه كَيْسان، وقد سمع سعيدُ المَقْبُري الكثيرَ من أبي هريرة، وسمع من أبيه عن أبي هريرة. ووقع الأمران في «الصحيحين» وهو دال على تثبت سعيد وتحرِّيه (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ) أنَّه (قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا مِنَ الأَنْبِيَاءِ نَبِيٌّ إِلاَّ أُعْطِيَ) أي من الآيات والمعجزات الخوارق. وهذا يدلُّ على أنَّ النَّبي لا بدَّ له من معجزةٍ تقتضي إيمان من شاهدها بصدقهِ، ولا يضرُّه من أصرَّ على المعاندة.

(مَا) موصولة مفعول ثان لأُعْطِيَ (مِثْلُهُ) مبتدأ، وقوله (آمَنَ) بمدِّ الهمزة (عَلَيْهِ الْبَشَرُ) خبره والجملة صلة الموصول، والمَثَلُ يُطْلَقُ ويُرَادُ به عينُ الشيء وما يساويه، ومَوْقِعُه [1] من قوله {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ} [يونس 38] أي على صفته من البيان، وعلو الطَّبقة في البلاغة. والمعنى أنَّ كلَّ نبي أُعْطِيَ آيةً أو أكثر يجبُ على من يشاهدها من البشرِ أن يؤمنَ به أو لأجلها. و (على) بمعنى اللام، أو الباء الموحدة؛ لأنَّ الإيمان يستعمل بالباء أو باللام، ولا يستعمل بعلى.

والنُّكتة في التَّعبير بها تضمينها معنى الغلبةِ؛ أي يؤمن بذلك مغلوبًا به [2] بحيث لا يستطيع دفعه عن نفسه، لكن قد يخذل فيعاند، كما قال الله تعالى {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا} [النمل 14] .

وقال الطِّيبي لفظ (( عليه ) )هو حال، والضمير راجع إلى الموصول؛ أي مغلوبًا عليه في التَّحدي والمباراة؛ أي ليس نبي إلَّا قد أعطاهُ الله تعالى من المعجزات الشَّيء الذي صفته أنَّه إذا شوهد اضطر المشاهد إلى الإيمان به.

وتحريره أنَّ كلَّ نبيٍّ اختصَّ بما يثبت دعواه من خوارق العادات بحسب زمانهِ، كقلب العصا ثعبانًا؛ لأنَّ الغلبة في زمن موسى عليه السلام للسَّحرة، فأتاهم بما فوق السَّحر فاضطرَّهم إلى الإيمان به، وفي زمن عيسى عليه السلام للطِّبِّ فجاء بما هو أعلى من الطِّب،

ج 22 ص 8

وهو إحياء الموتى، وفي زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت الغلبة للبلاغة، وكان بها فخارُهم فيما بينهم حتى علَّقوا القصائد السبع بباب الكعبة تحدِّيًا بالمعارضة، فجاء بالقرآن من جنس ما تناهوا فيه بما عجزَ عنه البلغاء الكاملون في عصره.

وسيأتي مزيد التَّفصيل في ذلك إن شاء الله تعالى قريبًا.

ثم قوله (( آمن ) )وقع في رواية حكاها ابن قُرْقُول بضم ثم واو، قال أبو الخطاب كذا قيَّدناه في رواية الكُشْمِيْهَني والمُسْتملي. وقال ابنُ دحية وقيَّده بعضُهم بكسر الهمزة بعدها ياء وميم مضمومة. وفي رواية القابسي بغير مدٍّ من الأمان، والأوَّل هو المعروف.

(وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتُ) وفي رواية أبي ذر (وَحْيًا أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيَّ) أي إن معجزتي التي تحدَّيت بها الوحي الذي أُنْزِلَ عليَّ وهو القرآن؛ لما اشتملَ عليه من الإعجاز الواضح، وليس المرادُ حصرَ معجزاته فيه، ولا أنه لم يؤت من المعجزات ما أُوتي من تقدَّمه، بل المراد أنَّه المعجزة العظمى التي اختصَّ بها دون غيره، وأنَّه أعظمُ معجزاته وأفيدُها، فإنَّه يشتمل على الدَّعوة والحجَّة والإخبار بما سيكون، وينتفعُ به الحاضر والغائب، ومن وُجِدَ ومن سيُوجد إلى يوم القيامة.

فلهذا رتَّب عليه قوله (فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا) أي أمَّة (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) إذ باستمرار المعجزة ودوامها يتجدَّد الإيمان، ويتظاهر البرهان بخلاف مُعجزات سائر الرسل، فإنها انقرضتْ بانقراضهم.

وأمَّا القرآن فإنها معجزةٌ لا تبيد ولا تنقطعُ، وآياته تتجدَّد ولا تضمحل، وخرقُه للعادة في أسلوبهِ وبلاغتهِ وإخباره بالمغيَّبات التي لا تتناهى؛ فلا يمرُّ عصرٌ من الأعصار إلَّا ويظهرُ فيه شيءٌ ممَّا أخبر به النَّبي صلى الله عليه وسلم أنه سيكون يدلُّ على صحَّة دعواه وصدقهِ، فحسن ترتيب الرَّجاء المذكور على ذلك، وقد تحقَّقت، فإنَّه أكثر الأنبياء تبعًا.

قيل إنَّ كلَّ نبيٍّ أُعْطِيَ معجزةً خاصَّة به لم يُعْطَها بعينها غيرُه يتحدَّى بها قومَه، وكانت مُعجزة كلِّ نبيٍّ تقعُ مناسبة لحال قومه، كما كان السِّحر فاشيًا عند فرعون، فجاءه موسى عليه السلام بالعصا على صورة ما يصنع السَّحرة، لكنها تلقفت ما صنعوا ولم يقع ذلك بعينهِ لغيره، وكذلك إحياء عيسى عليه السلام الموتى وإبراء الأكمه والأبرص؛ لكون الأطباء والحكماء كانوا في ذلك الزَّمان

ج 22 ص 9

في غاية الظُّهور فأتاهم من جنسِ علمهم بما لم تصل إليه مقدرتهم، ولهذا لما كان العرب الذي بُعِثَ فيهم النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم في غايةٍ من البلاغة جاءهُم بالقرآن الذي تحدَّاهم أن يأتوا بسورة مثله فلم يقدروا على ذلك، وقد سبق ذلك آنفًا.

وقيل المراد أنَّ كلَّ نبيٍّ أعطي من المعجزات ما كان مثله لمن كان قبله من الأنبياءِ صورةً أو حقيقة. وأمَّا معجزتي فهي القرآن الَّذي لم يؤتَ أحدٌ قبله مثله، ولهذا أردفَه بقوله (( فأرجو أن أكون أكثرهم تبعًا ) ). وقيل المراد أنَّ القرآن ليس له مثل لا صورةَ ولا حقيقة، بخلاف غيره من المعجزات، فإنَّها لا تخلو عن مثل. وقيل المراد أنَّ الذي أوتيته لا يتطرَّق إليه تخييلٌ بسحرٍ أو تشبيهه، وإنما هو كلام معجزٌ لا يقدر أحد أن يأتي بما يتخيل منه التَّشبيه به، بخلاف معجزة غيري، فإنَّه قد يقعُ فيها ما يقدر السَّاحر أن يخيِّل بشيءٍ ممَّا يُقارب صورتها كما خيلت السحرة في صورة عصا موسى عليه السلام، والخيال قد يروج على بعض العوام، فيحتاج في التَّمييز بينهما إلى نظرٍ وفكرٍ، والنَّظر عرضة للخطأ فقد يخطئُ النَّاظر فيظنُّهما سواء.

وقيل المعنى أنَّ المعجزات الماضية كانت حسِّيةً تُشَاهَدُ بالأبصار كناقةِ صالح، وعصا موسى، ومعجزة القرآن تُشَاهَدُ بالبصيرة، فيكون من يتبعه أكثر؛ لأنَّ الذي يشاهد بعين الرأس منقرضٌ بانقراض مشاهده، والذي يشاهدُ بعين العقل باقٍ يشاهدُه كلُّ من جاء بعد الأول مستمرًا، ولا يذهبُ عليك أنَّه يمكن نظم هذه الأقوال كلِّها في كلامٍ واحدٍ، فإنَّ محصَّل بعضها لا ينافي محصَّل بعضها الآخر.

ومطابقة الحديث للترجمة تؤخذ من قوله (( أوتيته وحيًا أوحاهُ الله إلي ) )وقد سبق الإشارة إليه.

وقد أخرجه البخاريُّ في (( الاعتصام ) )أيضًا [خ¦7274] ، وأخرجه مسلم في (( الإيمان ) )، والنَّسائي في (( التفسير ) )، وفي (( فضائل القرآن ) ).

[1] موقعه كررها في وضبَّب عليها في الأصل.

[2] في هامش الأصل في نسخة عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت