5255 - (حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ) الفضل بن دُكين، قال (حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ غَسِيلٍ) بدون الألف واللام في رواية الأكثرين، وفي رواية النَّسفي بالألف واللام.
قال الحافظُ العسقلاني وهو أوجه، ولعلَّها كانت (( غسيل الملائكة ) )، فسقط لفظ (( الملائكة ) )والألف واللام بدل الإضافة، وعبد الرَّحمن هذا هو ابنُ سليمان بن عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر الأنصاري، وحنظلة هو غَسيل الملائكة، استُشْهِدَ بأُحد، فغَسلَتْه الملائكةُ، وقصَّتُه مشهورةٌ.
(عَنْ حَمْزَةَ بْنِ أَبِي أُسَيْدٍ) بضم الهمزة وفتح السين (عَنْ) أبيه (أَبِي أُسَيْدٍ) واسمه مالك بن ربيعة بن البدن، بالباء الموحدة والنون، وقيل البدي، بالمثناة التَّحتية، وهو تصحيفٌ، هو ابنُ عامر بن عوف بن حارثة بن عَمرو بن الخزرج بن ساعدة الأنصاري السَّاعدي، شَهِدَ بدرًا وأحدًا، والمشاهد كُلَّها مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، ومات بالمدينة سنة ستِّين فيما ذكره المدائني، وهو آخرُ من ماتَ من البدريين.
(قَالَ) أي إنَّه قال (خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) من المسجد، أو من منزله(حَتَّى انْطَلَقْنَا
ج 23 ص 92
إِلَى حَائِطٍ)أي بستان من النَّخيل عليه جدار (يُقَالُ لَهُ الشَّوْطُ) بفتح المعجمة وسكون الواو وآخره معجمة أو مهملة، وهو بستان في المدينة معروف (حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى حَائِطَيْنِ، فَجَلَسْنَا) وفي رواية أبي ذرٍّ بإسقاط الفاء (بَيْنَهُمَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اجْلِسُوا هَاهُنَا وَدَخَلَ) أي إلى الحائط (وَقَدْ أُتِيَ) على البناء للمفعول (بِالْجَوْنِيَّةِ) نسبة إلى الجَوْن. قال الكِرماني بضم الجيم. وتعقَّبه العيني بأنَّه ليس كذلك، بل بفتح الجيم وسكون الواو وبالنون. قال ابنُ الأثير بنو الجَون قبيلة من الأزد. وقال الرَّشاطي الجَون في كِندة، وفي الأزد، فالذي في كندة الجون هو معاويةُ بن حُجْر آكلُ المِرَار، وساقه إلى كِندة، ثمَّ قال منهم أسماء بنت النُّعمان بن الأسود بن الحارث بن شراحيل بن كِندة تزوَّج بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتعوَّذت منه فطلَّقها، وقال ابنُ حبيب والجَوْنية امرأة من كِندة، وليست بأسماء، والذي في الأزد الجون بن عوف بن مالك، وقال الكِرمانيُّ وقيل اسم الجَوْنية أمامة.
وفي روايةٍ لابن سَعْدٍ عن أبي أسيد قال «تزوَّج رسولُ الله صلى الله عليه وسلم امرأةً من بني الجَون فأمرني أن آتيه بها، فأتيتُه بها فأنزلتها بالشَّوْطِ من وَرَاءِ ذُبَاب في أُطُمٍ، ثمَّ أتيتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم فأخبرتُه فخرجَ يمشي ونحن معه» .
وذُبَاب، بضم المعجمة وبموحدتين مخففًا جبلٌ معروفٌ بالمدينة، والأُطُم الحصنُ، وهم الأجم أيضًا، والجَمْع آطام وآجام، كعُنُق وأَعْنَاق. وفي رواية لابن سعد أنَّ النُّعمانَ بن الجَون الكندي أتى النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم مسلمًا فقال (( ألا أزوِّجك أَجْمَلَ أَيِّمٍ في العَرَبِ كانت تحتَ ابن عمٍّ لها، فتوفي، فتزوَّجَها وبَعَثَ معها أبا أُسَيد السَّاعدي، قال أبو أُسيد فأنزلتها في بني ساعدة فدخلَ عليها نساءُ الحي فرَحَّبنَ بها، وخرجنَ قد كبَّرْنَ من جمالها ) ).
(فَأُنْزِلَتْ) بضم الهمزة على البناء للمفعول (فِي بَيْتٍ فِي نَخْلٍ) بالتَّنوين فيهما (فِي بَيْتِ أُمَيْمَةَ)
ج 23 ص 93
بإضافة بيت إلى أميمة، كذا في الفرع وأصله، وغيرهما.
وقال الحافظُ العسقلاني وتبعه العيني كما قال الكِرماني بالتَّنوين في الكل، وأميمةُ بالرفع إمَّا بدلًا عن الجَونية، وإمَّا عطف بيان لها. وزاد الحافظُ العسقلاني فقال وظنَّ بعض الشُّراح أنَّه بالإضافة؛ فقال في الكلام على الرِّواية التي بعدها تزوَّج رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أميمة بنت شَرَاحيل، ولعلَّ التي نزلت في بَيتها بنتُ أخيها، وهو مردودٌ، فإن مخرجَ الطَّريقين واحدٌ، وإنَّما جاء الوهم من إعادة لفظ (( في بيت ) ).
وقد رواه أبو بكر بن أبي شيبة في «مسنده» عن أبي نُعيم شيخ البُخاري فيه (( فقال في بيت في النَّخل أميمة ... ) )إلى آخره.
وقد سقط في رواية أبي ذرٍّ هنا لفظ الثَّاني.
(بِنْتِ النُّعْمَانِ بْنِ شَرَاحِيلَ) بفتح الشين المعجمة وتخفيف الراء وكسر المهملة، ابن الأسود بن الجون الكندية. وجزم هشام ابنُ الكلبي أنَّ اسمَها أسماء، وكذا جزم بتسميتها أسماء، محمدُ بن إسحاق ومحمد بن حبيب وغيرهما. ولعلَّ اسمها أسماء، ولقبها أميمة.
ووقع في «المغازي» برواية يونس بن بُكير عن ابن إسحاق أسماء بنت كعب الجَونية، فلعلَّ في نسبها من اسمه كعب نسبها إليه. وقيل هي أسماء بنت الأسود بن الحارث بن النُّعمان.
(وَمَعَهَا دَايَتُهَا) بالدال المهملة وبعد الألف مثناة تحتية ومثناة فوقية. قال الحافظُ العسقلاني هي الظِّئر المرضع. وتعقَّبه العيني ليس كما قال، وإنِّما الدَّاية هي المرأة تولد الأولاد، وهي القابلة، والمشهور هو الأوَّل، وهو معرب.
(حَاضِنَةٌ لَهَا) بالرفع، وفي رواية أبي ذرٍّ بالنَّصْبِ، قال الحافظُ العَسْقلاني ولم أقفْ على تسميةِ هذه الحاضنة (فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ) أي لها (هَبِي نَفْسَكِ لِي) أمر للمؤنث من وَهَب يَهِب. قال لها ذلك تطييبًا لقلبها، أو استمالة لها، وإلَّا فقد كان له صلى الله عليه وسلم أن يزوِّج من نفسه بغير إذن المرأة، وبغير إذن وليها،
ج 23 ص 94
فكان مجرَّد إرساله إليها، وإحضارها، ورغبته فيها كافيًا في ذلك.
(قَالَتْ) لسوء حظِّها وشقائها وعدمِ معرفتها بجلالةِ قدره الرَّفيع (وَهَلْ تَهَبُ الْمَلِكَةُ نَفْسَهَا لِلسُّوقَةِ) وفي رواية وهي بضم السين المهملة، يقال للواحد من الرَّعية والجَمْع، وإنما قيل لهم ذلك؛ لأنَّ الملك يسوقُهم فيستاقون له على مُراده، وأمَّا أهل السُّوق فالواحد منهم سُوقي.
قال ابن المنيِّر هذا من بقية ما كان فيها من الجاهلية، والسُّوقة عندهم من ليس بملك كائنًا من كان فكأنَّها استبعدت أن يتزوَّجَ الملكةَ من ليس بمَلِكٍ، وكان صلى الله عليه وسلم قد خُيِّر بين أن يكون مَلكًا نبيًِّا، فاختار أن يكون عبدًا نبيًا تواضعًا منه صلى الله عليه وسلم لربِّه، ولم يؤاخذها النَّبي صلى الله عليه وسلم بكلامها معذرة لها؛ لقرب عهدها بجاهليتها.
وقال غيره يحتمل أنَّها لم تعرف النَّبي صلى الله عليه وسلم فخاطبته بذلك، فكانت بعد ذلك تسمِّي نفسها بالشَّقية. قال الحافظُ العسقلاني وسياق القصَّة من مجموع طُرقها يأبى هذا الاحتمالَ.
نعم، سيأتي في أواخر الأشربة من طريق أبي حازم، عن سهل بن سعد [خ¦5637] قال ذُكِرَ للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم امرأةٌ من العرب، فأمر أبا أسيد السَّاعدي أن يرسل إليها، فقدمت فنزلت في أجم بني ساعدة، فخرج النَّبي صلى الله عليه وسلم حتى جاءها، فدخلَ عليها، فإذا امرأة منكِّسة رأسها فلمَّا كلَّمها قالت أعوذُ بالله منك، قال (( لقد أعذتك مني ) )فقالوا لها أتدرين من هذا؟ هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء ليخطبك، قالت كنت أنا أشقى من ذلك.
فإن كانت القصَّة واحدة فلا يكون قوله في حديث الباب (( ألْحِقْها بأهلها ) )، ولا قوله في حديث عائشة رضي الله عنها (( الحقي بأهلك ) )تطليقًا ويتعين أنَّها لم تعرفه، وإن كانت القصَّةُ متعدِّدةً. ولا مانع من ذلك، فلعلَّ هذه المرأة هي الكلابية التي وقع فيها الاضطراب.
وقد ذكر ابنُ سعد بسند فيه العَزْرمي الضَّعيف عن ابن عمر رضي الله عنهما قال كان في نساء النَّبي صلى الله عليه وسلم سَبَأ بنت سفيان بن عوف
ج 23 ص 95
بن كعب بن أبي بكر بن كلاب.
قال وكان النَّبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا أسيد السَّاعدي يخطب عليه امرأة من بني عامر يقال لها عمرة بنت يزيد بن عبيد بن كلاب بن ربيعة بن عامر.
قال ابنُ سعد اختُلِفَ علينا في اسم الكلابية فقيل فاطمة بنت الضَّحَّاك بن سفيان، وقيل عَمرة بنت يزيد بن عبيد، وقيل سَبَأ بنت سفيان بن عوف، وقيل العالية بنت ظبيان بن عَمرو بن عوف. فقال بعضهم هي واحدةٌ اختُلِفَ في اسْمِها، وقال بعضُهم بل كنَّ جميعًا ولكلِّ واحدةٍ منهنَّ قصَّة غيرُ قِصَّة صاحبتها.
ثمَّ ترجم الجَوْنية فقال أسماء بنت النُّعمان، ثمَّ أخرج من طريق عبد الواحد بن أبي عون قال قَدِمَ النُّعمانُ بن أبي الجَوْن الكِندي على رسول الله صلى الله عليه وسلم مُسْلمًا، فقال يا رسول الله، ألا أزوِّجك أجملَ أيِّم في العَرَب؟ كانت تحت ابن عمٍّ لها فتوفي، وقد رغبتْ فِيك، قال (( نعم ) )قال فابعثْ من يَحْمِلُها إليك. فبعثَ معه أبا أسيد السَّاعدي، قال أبو أُسيد فأقمت ثلاثة أيام، ثمَّ تحَمَّلَتْ معي في مِحَفَّةٍ، فأقبلتُ بها حتى قدمتُ المدينة، فأنزلتُها في بني ساعدة، ووجهتُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو في بني عَمرو بن عوف فأخبرتُه، الحديث.
قال ابنُ أبي عون وكان ذلك في ربيع الأوَّل سنة تسع.
ثمَّ أخرج من طريق أخرى عن عمر بن الحكم عن أبي أسيد قال «بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الجَونية، فحملتُها حتى نزلتُ بها في أُطُم بني ساعدة، ثمَّ جئتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فأخبرتُه، فخرجَ يمشي على رجليهِ حتى جاءها» الحديث، ومن طريق سعيد بن عبد الرَّحمن بن أبزى قال اسم الجَوْنية أسماء بنت النُّعمان بن أبي الجَون، قيل لها استعيذِي منه فإنَّه أحظى لك عندَه، وخُدِعَتْ لِمَا رُئِيَ من جَمالها، وذُكِرَ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم من حَمَلَها على ما قالتْ، فقال (( إنَّهنَّ صَواحب يوسف وكيدهنَّ ) ).
فهذه تتنزَّل على حديث أبي حازم
ج 23 ص 96
عن سهل بن سعد. وأمَّا القصَّة التي في حديث الباب من رواية عائشة رضي الله عنها فيمكن أن تتنزَّل على هذه أيضًا؛ فإنَّه ليس فيها إلَّا الاستعاذة. والقصَّة التي في حديث أبي أسيد فيها أشياء مغايرة لهذه القصَّة، فيقوى التَّعدد، ويقوى أنَّ التي في حديث أبي أسيد اسمها أُميمة، والتي في حديث سهل اسمها أسماء، والله تعالى أعلم.
وأميمة كان قد عقدَ عليها، ثمَّ فارقها، وهذه لم يعقد عليها، بل جاء ليخطبها فقط.
(قَالَ فَأَهْوَى بِيَدِهِ) الشَّريفة؛ أي أمالها (إِلَيْهَا) ووقع في رواية ابن سعد ، ووقع في رواية ابن سعد أيضًا (( فدخل عليها داخل من النِّساء، وكانت من أجمل النِّساء، فقالت إنَّك من الملوك فإن كنت تريدين أن تحتظِي عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا جاءك فاستعيذِي منه ) ).
ووقع عنده عن هشام بن محمد، عن عبد الرَّحمن بن الغسيل، بإسنادِ حديث الباب (( أنَّ عائشةَ وحفصةَ رضي الله عنهما دخلتا عليها فمشطتاها وخَضَبتاهَا، وقالت لها إحداهما إنَّ النَّبي صلى الله عليه وسلم يُعجبه من المرأةِ إذا دَخَلَ عليها أن تقول أعوذُ بالله منك ) ).
(يَضَعُ يَدَهُ عَلَيْهَا لِتَسْكُنَ، فَقَالَتْ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ، فَقَالَ) وفي رواية أبي ذرٍّ بدون الفاء؛ أي قال صلى الله عليه وسلم (قَدْ عُذْتِ بِمَعَاذٍ) بفتح الميم، اسم مكان العوذ، أو بمعنى ما يستعاذ به. وقال العيني ويجوز أن يكون مصدرًا ميميًا بمعنى العوذ، والتَّنوين فيه للتَّعظيم، وفي رواية ابن سعد فقالَ بكُمِّه على وَجْهِهِ، وقال (( عُذْتِ مَعَاذًا ) )ثلاث مرَّات، وفي رواية أخرى له (( أَمِنَ عائذُ الله ) ).
قال أبو أسيد (ثُمَّ خَرَجَ) أي رسول الله صلى الله عليه وسلم (عَلَيْنَا، فَقَالَ يَا أَبَا أُسَيْدٍ، اكْسُهَا) بضم السين (رَازِقِيَّتَيْنِ) براء ثمَّ زاي ثمَّ قاف بالتَّثنية صفة موصوفٍ محذوفٍ للعلم به؛ أي بثوبين رازقيين، والرَّازقيّةُ ثيابٌ من كتَّان بيض طوال، قاله أبو عبيدة،
ج 23 ص 97
وقال غيره يكون في داخل بياضها زُرْقَةٌ، والرَّازق الصَّفيق، ومعنى (( اكسها رازقيتين ) )أعطها ثوبين من ذلك الجنس.
وقال ابن التِّين مَتِّعْها بذلك إمَّا وجوبًا وإمَّا تفضلًا.
(وَأَلْحِقْهَا) بهمزة قطع مفتوحة وكسر الحاء وسكون القاف، أمر من الإلحاق (بِأَهْلِهَا) أي رُدَّها إليهم؛ لأنَّه هو الذي كان أحضرها، وعند ابن سعد قال أبو أُسَيد فأمرني فردَدْتُها إلى قَومها. وفي أخرى له فلمَّا وصلت بها تصايحوا، وقالوا إنَّكِ لغير مباركة، فما دهاك؟ قالت خُدِعْتُ، قال فتوفِّيت في خلافة عثمان رضي الله عنه.
قال وحدَّثني هشام بن محمد، عن أبي خيثمة زهير بن معاوية أنَّها ماتت كمدًا، ثمَّ روى بسند فيه ابن الكلبي أنَّ المهاجر بن أبي أمية تزوَّجها، فأراد عمر رضي الله عنه معاقبتها فقالت ما ضُرِبَ علي الحجابُ ولا سُمِّيت أمَّ المؤمنين، فكفَّ عنها.
وعن الواقدي سَمِعْتُ أنَّ عكرمة بن أبي جهل خلف عليها، قال وليس ذلك بثبت.
قال العينيُّ ومطابقة الحديث للترجمة من حيث إنَّه صلى الله عليه وسلم لم يواجه الجَونية المذكورة في الحديث بقوله (( الحقي بأهلك ) )وإنَّما قال لأبي أُسَيد (( ألْحِقْها بأهلها ) )والتَّرجمة بالاستفهام من غير تعيين شيءٍ من أمر المواجهة وعدمها، وقد ذكر أنَّه يحتمل الوجهين، غير أنَّ ترك المواجهة أرفقُ وألطف، وهنا المطابقة في ترك المواجهة، وقال الكرماني فإن قلت كيف دلَّ الحديث على التَّرجمة، إذ لا طلاق، إذ لم يكن ثمَّة عقد نكاح، إذ ما وهبت نفسها، ولم يكن أيضًا بالمواجهة، إذ قال بعد الخروج (( ألحقها بأهلها ) ).
قلتُ له صلى الله عليه وسلم أن يزوِّج من نفسه بلا إذن المرأة، ووليها، وكان صدور قوله (( هبي نفسك لي ) )منه؛ لاستمالة خاطرها. وأمَّا حكاية المواجهة فقد ثبتَ في الحديث السَّابق أنَّه خاطبها بقوله (( الحقي بأهلك ) )، وأَمْرُه أبا أُسَيدٍ بالإلحاق بعد الخروج لا ينافيه، بل يعضدُه. انتهى.
وتعقَّبه العيني بأنَّ هذا كلَّه كلامٌ لا طائل تحته؛ لأنَّ سؤالَه أولًا بقوله إذ لا طلاق إلى قوله ولم يكن أيضًا بالمواجهة
ج 23 ص 98
غيرُ مُوَجَّه؛ لأنَّه كان من المعلوم قطعًا أن الذي ذكره في الجواب من خصائصه صلى الله عليه وسلم، فلم يقعْ سؤاله في محله، وكذلك قوله وأمَّا حكاية المواجهة إلى آخره غير واقع في محله؛ لأنَّ ثبوت المواجهة في الحديث السَّابق لا تستلزم المواجهة في هذا الحديث، فكيف يثبت بهذا الكلام المطابقة بين التَّرجمة والحديث، ومع هذا لم يزد صلى الله عليه وسلم في خطابه إيَّاها على قوله (( قد عُذْتِ بمَعَاذ ) )ولم يأمر بالإلحاق إلَّا لأبي أُسَيد، فأين المواجهة لها بذلك.
وكذلك قوله وأَمْرُه أبا أسيد بالإلحاق بعد الخروج لا ينافيه، غير صواب؛ لأنَّ عدم المنافاة إنما يكون لو قال صلى الله عليه وسلم (( الحقي بأهلك ) )، ثمَّ قال لأبي أسيد (( ألحقها بأهلها ) )ولم يكتف بهذه المقالة حتى قال بل يعضدُه، وكيف يعضد شيئًا لم يقله. وهذا عجيب جدًا.
وممَّا يؤكد ذلك ما قاله ابن بطَّال ليس في هذا أنَّه واجهها بالطَّلاق، واعترض عليه بعضُهم؛ يريد به الحافظَ العسقلانيَّ، ولكنَّه نقله عن ابن المنيِّر أنَّه تعقَّبه بأنَّ ذلك ثبتَ في حديث عائشة رضي الله عنها أوَّل أحاديث الباب، فيحمل على أنَّه قال لها (( الحقي بأهلك ) )، ثمَّ لما خرج إلى أبي أسيد قال له (( ألحقها بأهلها ) )فلا منافاة، فالأوَّل قصد به الطَّلاق، والثَّاني أراد به حقيقة اللَّفظ، وهو أن يعيدها إلى أهلها. انتهى.
قال العيني يردُّ هذا الاعتراض بما رُدَّ به كلامُ الكِرماني؛ لأنَّ كلامَيهما من وَجْهٍ واحدٍ.
وأعجبُ من الكلِّ أنَّ بعضهم؛ يريد به الحافظُ العسقلاني، نَقَلَ كلام الكِرماني برمَّته بطريق الإدماج، حيث قال ولعلَّ ابنَ بطَّال أراد أنَّه لم يواجهها بلفظ الطَّلاق، وقد أخرج ابن سعد من طريق هشام بن عروة، عن أبيه أنَّ الوليد بن عبد الملك كتبَ إليه يسأله، وكتب إليه ما تزوَّج النَّبي صلى الله عيه وسلم كِنْدية إلَّا أخت بني الجَون، فملكها، ولكنها لمَّا قدمت المدينة نظرَ إليها فطلَّقها، ولم يَبْنِ بها، فقوله فطلَّقها يحتمل أن يكون باللَّفظ المذكور قبل.
ويحتمل أن يكون واجهها بلفظ الطَّلاق، ولعلَّ هذا هو السِّر في إيراد التَّرجمة بلفظ الاستفهام دون بتِّ الحكم،
ج 23 ص 99
ثمَّ قال؛ أي الحافظُ العسقلاني واعترض بعضُهم بأنَّه لم يتزوَّجْها، إذ لم يَجْرِ ذِكْرُ صورةِ العَقْد، وامتنعتْ أن تهبَ له نفسها فكيف يُطَلِّقُها؟
والجواب أنَّه صلى الله عليه وسلم كان له أن يزوج من نَفْسِه بغير إذن المرأة، وبغير إذن وليها، فكان مجرَّدُ إرساله إليها وإحضارها ورغبته فيها كافيًا في ذلك، فيكون قولُه (( هبي نفسك لي ) )تطييبًا لخاطرها واستمالةً لقلبها.
وقال في آخر كلامه ويؤيِّده قوله في رواية لابن سعد إنَّه اتَّفق مع أبيها على مقدار صَدَاقها، وأنَّ أباها قال له إنَّما رغبت فيك وحطت إليك. انتهى.
وتعقَّبه العيني بأنَّه ما أبعد هذا عن المقصود؛ لأنَّ الكلام في أمر المواجهة وعدمها، وقد ذكرنا وَجْهَ ذلك من غير تَعَمُّقٍ فيما لا ينبغي.