5484 - (حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ) التَّبوذكي المِنْقَري، قال (حَدَّثَنَا ثَابِتُ بْنُ يَزِيدَ) من الزِّيادة، وثابت بالمثلثة، الأحول البصري، قال
ج 23 ص 576
(حَدَّثَنَا عَاصِمٌ) هو ابنُ سليمان (عَنِ الشَّعْبِيِّ) عامر بن شراحيل (عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ) الطَّائي، الجواد ابن الجواد (رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أنَّه (قَالَ إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ) أي المُعَلَّم الذي إذا أُشِلىَ استشلى، وإذا زُجِرَ انزجر، وإذا أخذ لم يأكل مرارًا (وَسَمَّيْتَ) أي ذكرتَ اسم الله تعالى حال إرسالك كلبك (فَأَمْسَكَ وَقَتَلَ فَكُلْ) فإنَّ أَخْذَه ذَكَاةٌ له (وَإِنْ أَكَلَ) منه (فَلاَ تَأْكُلْ، فَإِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ، وَإِذَا خَالَطَ) كلبك (كِلاَبًا، لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهَا) بأن أرسلها من ليس أهلًا للذَّكاة (فَأَمْسَكْنَ وَقَتَلْنَ) أي الكلابُ الصَّيدَ، وفي رواية أبي ذرٍّ بالفاء بدل الواو (فَلاَ تَأْكُلْ، فَإِنَّكَ لاَ تَدْرِي أَيُّهَا قَتَلَ) فلو تحقَّق أنَّه أرسله من هو أهل للذَّكاة حلَّ أو وجد حيًّا، فذكاه حلَّ أيضًا؛ لأنَّ الاعتماد في الإباحة على التَّذكية لا على الإمساك من الكلب.
(وَإِنْ رَمَيْتَ الصَّيْدَ) بسهمك وغاب عنك (فَوَجَدْتَهُ بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ لَيْسَ بِهِ إِلاَّ أَثَرُ سَهْمِكَ فَكُلْ) فإن وجدتَ به أثر سهمِ رامٍ آخر أو مقتولًا بغير ذلك فلا يحلُّ أكله مع التَّردد. وعند التِّرمذي والنَّسائي من حديث سعيد بن جُبير، عن عدي بن حاتم (( إذا وجدتَ سهمكَ فيه ولم تجدْ أثر سبع وعلمتَ أنَّ سهمك قتله فكلْ منه ) ). قال الرَّافعي يؤخذ منه أنَّه لو جَرَحَه، ثمَّ غاب فوجده ميتًا أنَّه لا يحل، وهو ظاهر نصِّ الشَّافعي في «المختصر» ، قال النَّووي في «الرَّوضة» الحل أصح دليلًا. وصحَّحه أيضًا الغزالي في «الإحياء» ، وثبت فيه الأحاديث الصَّحيحة، ولم يثبت في التَّحريم شيءٌ، وعلَّق الشَّافعي الحلِّ على صحَّة الحديث، والله أعلم. انتهى.
وحكى البيهقي في «المعرفة» عن الشَّافعي أنَّه قال في قول ابن عبَّاس رضي الله عنهما «كُلْ ما أَصْمَيْتَ ودَعْ ما أَنْمَيْتَ» ؛ يعني ما أصميتَ ما قتله الكلب، وأنت تراه، وما أنميتَ ما غاب عنك مقتله. قال وهذا عندي لا يجوز غيره إلَّا أن يكون جاء عن النَّبي صلى الله عليه وسلم فيه شيءٌ، فيسقط كلُّ شيءٍ خالف
ج 23 ص 577
أمره صلى الله عليه وسلم، ولا يقوم معه رأي ولا قياس، قال البيهقي وقد ثبت الخبر؛ يعني حديث الباب، فينبغي أن يكون هو قول الشَّافعي.
(وَإِنْ وَقَعَ) أي الصَّيد (فِي الْمَاءِ فَلاَ تَأْكُلْ) لاحتمال هلاكه بغرقه في الماء، فلو تحقَّق أنَّ السَّهمَ أصابَه فمات فلم يقع في الماء إلَّا بعد أن قتلَه السَّهم حل أكله. وفي «صحيح مسلم» (( فإنَّك لا تدري الماءُ قَتَلَه أو سهمُك ) )فدلَّ على أنَّه إذا عَلِمَ أنَّ سهمه هو الذي قتله يحلُّ.
وهذا الحديث مشتمل على أحكام
منها أنَّه إذا أرسل كلبه وسمَّى فأمسك على صاحبه يحلُّ أكله. ومنها أنَّه إنْ أَكَلَ منه لا يحلُ. ومنها أنَّه إذا خالط كلبُه كلابَ أخر لم يذكر اسم الله عليها، فأمسكنَ وقتلنَ لا يحلُّ أكله، وعلَّله بقوله (( لا تدري أيُّها ) )أي أي الكلاب قتله؟.
وفي «التَّوضيح» جمهور العُلماء بالحجاز والعراق متَّفقون على أنَّه إذا أرسل كلبه على الصَّيد، ووجد معه كلبًا آخر ولم يدر أيُّهما أخذ؛ فإنَّه لا يؤكل هذا الصَّيد، وممَّن قال ذلك عطاء والأربعة وأبو ثور، وكان الأوزاعي يقول إذا أرسل كَلْبَه المعلَّم فعرض له كلب آخر معلَّم فقتلاه فهو حلالٌ، وإن كان غير معلَّم فقتلاه لم يؤكل. وقال القرطبيُّ الكلبُ المخالط إذا كان مجهولًا غير مرسل من صائد آخر، وأنَّه إنَّما انبعثَ في طلب الصَّيد بطبعه لا يحلُّ، ولا يختلف في هذا، فأمَّا إذا أرسله صائد آخر على ذلك الصَّيد فاشترك الكلبان فيه؛ فإنَّه للصَّائدين، فلو أنفذ أحد الكلبين مقاتله، ثمَّ جاء الآخر بعد فهو للأوَّل.
ومنها أنَّه إذا رمى الصَّيد وغاب عنه، ثمَّ وُجَدَه بعد يوم أو يومين، وليس به إلَّا أثر سهمه؛ فإنَّه يؤكل، وقد اختلف العُلماء فيه فقال الأوزاعيُّ إذا وجده من الغد ميتًا، ووجد سهمه أو أثرًا من كلبه فليأكله، وهو قول أشهب وابن الماجشون وابن عبد الحكم، وروي عن مالك فيما رواه عنه ابن القصَّار،
ج 23 ص 578
والمعروف عنه خلافه، ففي «الموطأ» و «المدوَّنة» لا بأس بأكل الصَّيد وإن غاب عنه مصرعه إذا وجدت به أثرَ كلبك، أو كان به سهمك ما لم يبت فإذا بات لم يؤكل، وعنه الفرق بين السَّهم فيؤكل، وبين الكلب فلا يؤكل. وقال أبو حنيفة إذا توارى عنه الصَّيد والكلب في طلبه فوجده مقتولًا، والكلب عنده كرهت أكله، وقال الشَّافعي القياس أنَّه لا يؤكل إذا غاب عنه؛ لاحتمال أنَّ غيرَه قتله. وقال النَّووي الحل أصحُّ، وقد تقدَّم.
ومنها أنَّه إذا وقع الصَّيد في الماء فلا يُؤكل؛ لاحتمال أنَّ الماء، هو الذي أهلكه، وإذا تحقَّق أنَّ سهمه أنفذ مقاتله قبل وقوعه في الماء، فذهبَ الجمهور إلى حلِّه، وروى ابن وهب عن مالك كراهته، وقد تقدَّم أيضًا.
ومطابقةُ الحديث للتَّرجمة في قوله (( بعد يوم أو يومين ) )، وذكر الثَّلاثة في الحديث الذي يأتي عَقِبَ هذا.