فهرس الكتاب

الصفحة 8287 من 11127

5569 - (حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ) الضَّحَّاك الملقَّب بالنَّبيل _ بفتح النون وكسر الموحدة _ (عَنْ يَزِيدَ) من الزِّيادة (ابْنِ أَبِي عُبَيْدٍ) بضم العين (عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ) رضي الله عنه، وهذا هو الثَّامن عشر من ثلاثيات البُخاري، أنَّه (قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ ضَحَّى مِنْكُمْ فَلاَ يُصْبِحَنَّ) بالصاد المهملة الساكنة والموحدة المكسورة، من الإصباح (بَعْدَ ثَالِثَةٍ) أي ليلة ثالثة من وقت التَّضحية (وَفِي بَيْتِهِ مِنْهُ) أي من الذي ضحَّى به (شَيْءٌ) الواو فيه للحال، وفي نسخة (فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ نَفْعَلُ كَمَا فَعَلْنَا عَامَ الْمَاضِي) من ترك الادِّخار.

يستفاد منه أنَّ النَّهي كان سنة تسعٍ؛ لما دلَّ عليه الَّذي قبله [خ¦5568] أنَّ الإذن كان سنة عشر. قال ابن المُنيِّر وجه قولهم نفعل كما فعلنا، مع أنَّ النَّهي يقتضي الاستمرار أنَّهم فهموا أنَّ ذلك النَّهي ورد على سبب خاصٍّ

ج 24 ص 52

وهو الرَّأفة، فإذا ورد العامُّ على سببٍ خاصٍّ، جال في النَّفس من عموم وخصوص إشكال، فلمَّا كان مظنَّة الاختصاص عاودوا السُّؤال، فبيَّن لهم صلى الله عليه وسلم أنَّه خاصٌّ بذلك السَّبب.

ويشبه أن يستدلَّ بهذا من يقول إنَّ العام يضعفُ عمومه بالسَّبب، فلا يبقى على أصالتهِ، ولا ينتهي به إلى التَّخصيص. ألا ترى أنَّهم لو اعتقدوا بقاء العموم على أصالتهِ لما سألوا، ولو اعتقدوا الخصوص أيضًا لما سألوا، فسؤالهم يدلُّ على أنَّه ذو شأنين، وهذا اختيار الإمام الجويني.

(قَالَ) صلى الله عليه وسلم (كُلُوا وَأَطْعِمُوا) بهمزة قطع وكسر العين المهملة (وَادَّخِرُوا) بالدال المهملة المشددة؛ لأنَّ أصله اذتخروا من ذخر _ بالذال المعجمة _ فأعلَّ بالإعلال المشهور (فَإِنَّ ذَلِكَ الْعَامَ) أي الذي وقع فيه النَّهي (كَانَ بِالنَّاسِ جَهْدٌ) بفتح الجيم؛ أي مشقَّة من جهة قحط السَّنة، يقال جهدَ عيشهم؛ أي تكدَّر واشتدَّ وبلغ غاية المشقَّة (فَأَرَدْتُ أَنْ تُعِينُوا فِيهَا) من الإعانة، وفي رواية مسلم عن محمد بن المثنى عن أبي عاصم شيخ البُخاري فيه (( فأردتُ أن تفشوا فيهم ) ). وفي رواية الإسماعيلي عن أبي يَعلى عن أبي خيثمة عن أبي عاصم (( فأردتُ أن تَقسِموا فيهم، كلوا وأطعموا وادَّخروا ) ). قال القاضي عياض الضَّمير في (( تُعينوا فيها ) )؛ للمشقَّة المفهومة من الجهد، أو من الشِّدَّة، أو من السنة؛ لأنَّها سبب الجهد، وفي (( تفشوا فيهم ) )؛ أي في النَّاس المحتاجين إليها، قال في «المشارق» رواية البُخاري أوجه، وقال في «شرح مسلم» ورواية مسلم أشبه.

وقال الحافظُ العسقلانيُّ قد عرفت أنَّ مخرج الحديث واحد، ومداره على أبي عاصم، وأنَّه تارةً قال هذا، وتارةً قال هذا، والمعنى في الكلِّ صحيحٌ، فلا وجه للتَّرجيح المذكور. وتعقَّبه العينيُّ بأنَّه لا وجه لنفي التَّرجيح، فكلُّ من له أدنى ذوقٍ يفهم أنَّ رواية مسلم أرجح، فمن دقَّق النَّظر عرف ذلك،

ج 24 ص 53

ففي الحديث دَلالة على أنَّ التَّحريم؛ لادِّخار لحم الأضاحي كان لعلَّة، فلمَّا زالت العلَّة زال التَّحريم، ثمَّ إنَّ الأصوليين اختلفوا في الأمر الوارد بعد الحظر أهو للوجوب أم للإباحة؟ ولئن سلَّمنا أنَّه للوجوب حقيقة فالإجماع هاهنا مانعٌ عن الحمل عليه.

وقد ورد في الادِّخار أنَّه صلى الله عليه وسلم كان يدَّخر لأهله قوت سنة، وفي تركه كان لا يدَّخر لغد، والأوَّل في «الصحيح» [خ¦5357] ، والثَّاني في مسلم، والجمع بينهما أنَّه كان لا يدَّخر لنفسه ويدَّخر لعياله، أو أنَّ ذلك باختلاف الحال، فيتركه عند حاجة النَّاس إليه، ويفعله عند عدم الحاجة. وقد تمسَّك بقوله (( كلوا ) )من قال بوجوب الأكل من الأضحية، ولا حجَّة فيه؛ لأنَّه أمر بعد حظر، فيكون للإباحة لما عرفت.

ومطابقة الحديث للتَّرجمة ظاهرةٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت